لماذا هذا الشعور بالجمال على نهر الراين؟.. هذا هو السؤال الذي تطرحه احدى الأغنيات الشعبية الالمانية، تماماً كغيرها من الأغاني والاناشيد التي تتغنى بالراين والمناطق، التي يمر بها، ولعل الاجابة عن هذا السؤال الذي تطرحه هذه الأغاني يكمن في المناسبة التي أعدتها الهيئة المركزية للسياحة الألمانية عندما أعلنت عام 2002 الحالي «سنة الراين الرومانسية». والواقع ان رومانسية نهر الراين التي مرت عليها 2000 سنة لم تثر إعجاب الناس بهذا النهر الخالد منذ عام 1802 فقط، بل ان هذا التاريخ كان مجرد بداية لسحر الراين، لأن الاديب والشاعر الرومانسي فريدريش فون شليجل الذي يعتبر من أبرز رواد الأدب الرومانسي الذي يدور حول نهر الراين، قد قام في ذلك العام برحلة الى نهر الراين. ومازال نهر الراين الذي يبلغ طوله 1320 كيلومتراً أطول نهر في ألمانيا يثير اعجاب الرومانسيين وخاصة في المنطقة التي تقع في وسطه التي يبلغ طولها 56 كيلومتراً وتمتد ما بين مدينتي «بينجن» و«بون»، وتتميز بمناظرها الرائعة ذات الصور الطبيعية المتنوعة وقلاعها التي تقع على المرتفعات المطلة على النهر، ومدرجات مزارع الكرمة التي مازالت تجذب الزوار والسياح على مدى عصور طويلة. وقد اكتشف الادباء والشعراء والرسامون روعة وادي الراين قبل نحو 200 سنة وتحول هذا النهر في القرن التاسع عشر الى رمز للجمال والثقافة تشهد عليهما شواهد حية من الأغاني والرسوم وأدب الرحلات والأعمال الادبية والشعرية التي أنجزها فريدريش هولدرلين وكليمنس برنتانو وهاينريش هاينه وغيرهم من الشعراء الألمان البارزين. ومن أهم معالم الرومانسية الساحرة لنهر الراين صخرة منحدرة يصل ارتفاعها الى 132 متراً وتقع على الشاطيء الأيمن للنهر ما بين «سان جوار» و«أوبرفيسل» وتعرف باسم «لورالاي» وترمز الى اسطورة تدور حول فتاة جميلة ساحرة اسمها لورالاي خلدها الشاعر كليمنس برنتانو حوالي عام 1800، تدير رؤوس الرجال والبحارة الذين يعبرون نهر الراين وتقودهم الى الهلاك، ونظراً لأنها لم تكن سعيدة بهذه اللعنة السحرية التي تقمصتها، فقد عمدت الى الانتحار بالقاء نفسها من قمة الصخرة الشاهقة الى مياه النهر. وبعد برنتانو، تناول الشاعر الألماني هاينريش هاينه اسطورة لورالاي وخلدها في عام 1823 بقصيدة من شعره التي لحنت فيما بعد قبل ان تنتشر في انحاء العالم وتبدأ بمقطع يقول: «لا أعرف ما هو السبب في انني حزين جداً.. هناك حكاية قديمة لا تزول عن خاطري».. قبل ان يروي اسطورة لورالاي، الفتاة الجميلة التي تجلس على الصخرة المطلة على الراين وهي تغني أغنيات ساحرة وتمشط شعرها الطويل جاذبة بذلك أنظار بحارة السفن العابرة الذين يضلون طريقهم بين الأمواج، وكثيرا ما يلقون حتفهم ويغرقون في لجة النهر وأمواجه الغادرة. وتعتبر اسطورة لورالاي اليوم من أحب الموضوعات التي تتناولها الدعاية السياحية والتي وصلت حتى اليابان، حيث تعمد شركات الملاحة السياحية الى اقتباس صورة لورالاي لرحلاتهم السياحية المائية. وتعتبر قلعة شتولتسن فلز التي تقع بالقرب من مدينة كوبلنز المطلة على نهر الراين من الصور الرومانسية التقليدية الصميمة لهذه المنطقة الجميلة الساحرة، وهي قلعة مطلة على نهر الراين يعود تاريخها الى القرن الثالث عشر، ودمرتها القوات الفرنسية التي كانت تحاصر كوبلنز في أواخر القرن السابع عشر، وذلك قبل ان تثير اعجاب ولي العهد البروسي فريدريش فيلهلم خلال زيارته لمنطقة الراين في عام 1815، فكتب قائلاً: «لقد وقفت مشدوها من الإعجاب أمام روعة المناظر المحيطة بارين فلز وبفالتس بورج وأمام آلاف القلاع والصخور وأمواج نهر الراين. وفي عام 1823 تلقى ولي العهد هذا بقايا قلعة شتولتسن فلز هدية له من مدينة كوبلنز، حوّلها فيما بعد الى مقر صيفي ساحر له، تم تدشينه في عام 1842 بحفل كبير للأزياء أقيم في أجواء تاريخية رائعة. ولم يتردد ملك بروسيا وقرينته على هذا القصر، الذي كان يجتذب السياح، إلا نادراً، ومازال هذا الأثر السياحي الرائع يجتذب اليه السياح من مختلف انحاء العالم لمشاهدة الأثاث والرسوم واللوحات والأسلحة ومعدات الفروسية الموجودة فيه، وتعتبر من أبرز المجموعات الأثرية الثمينة في منطقة الراين الساحرة. يقع قوس رولاندس بوجن الحجري في منطقة رولاندس فيرت المطلة على نهر الراين، وهو قوس تاريخي انهار ايضا في عام 1835 خلال ليلة عاصفة، مما دفع الشاعر الألماني فيرديناند فرايبج رات الى القيام بحملة لجمع التبرعات لاعادة بنائه وكتب قصيدة شعرية تحث على ذلك، حيث تدفقت التبرعات المالية التي فاقت حدود التصور، وأعيد بناء القوس الحجري الذي يرتبط اسمه بالفارس رولاند في العصور الوسطى. وقد وجدت رومانسية القرون الوسطى ومثاليتها خلال القرن التاسع عشر اطارها المميز في وادي الراين، ومازالت الرغبة في الوصول الى بعض هذه الرومانسية المتعلقة بمنطقة نهر الراين ماثلة حتى اليوم، الأمر الذي يدفع بحوالي عشرين مليون شخص لزيارة وسط الراين سنويا. ورغبة في ابقاء الصورة الثقافية والطبيعية لهذه المنطقة على طبيعتها الأصلية والمحافظة عليها في المستقبل ايضا، وأعلنت حكومة ولاية «راينلاند ـ بفالز» الألمانية عن رغبتها في ادراج المنطقة الوسطى من وادي الراين في قائمة التراث الثقافي العالمي للبشرية التابعة لمنظمة اليونسكو الدولية