نما الصخر طبقة فأخرى، واستشعر تبدلات الحرارة بين سخونة وبرودة طيلة 200 ألف عام وراقب ارتفاع وانخفاض مستوى البحر. مرّ عصران جليديان، الانسان النياندرتالي جاء ومضى، وحضارات عديدة تطورت ثم زالت. حدث كل هذا والرواسب الكلسية مستقرة في كهفها الهادئ، تراقب مد البحر وجزره. وذات يوم انتهت الى مصير عنيف، عندما قام العالم فابريزيو أنطونيولي من ارض المغارة. اخذ أنطونيولي الحليمة الصخرية الصاعدة من أرض الكهف الى مختبره في المعهد الايطالي للطاقة البديلة في روما، وقسمها من منتصفها، ثم قام هو ومعاونه ادواردو براد، من جامعة مارسيليا الثالثة بجنوب فرنسا، بإلقاء نظرة الى داخلها، فأذهلهما ما شاهداه. كانت تلك الصخرة الكلسية تحتوي على سجل للتغيرات طويلة الأجل في مستوى البحر على مدى 200 الف عام، وهي فترة تغطي آخر عصرين جليديين شهدتهما الكرة الارضية. ويعتقد الباحثان الآن ان هذه الصخرة، وشبيهاتها من الحليمات أو «الصواعد» التي تتشكل من ترسب قطرات الماء الكلسي المتساقطة من سقف الكهف، قد تكون بمثابة «حجر رشيد» للتغير المناخي. لقد مرّت الارض بعصور جليدية متعاقبة طيلة المليوني سنة الماضية على الأقل، والى جانب تلك التبدلات المناخية، كانت مستويات المحيطات ترتفع وتنخفض. ويتنبأ بعض العلماء بأن مستويات البحار قد ترتفع مترين أو أكثر في القرون القليلة المقبلة، غامرة الأراضي والمدن المنخفضة التي يقطنها مئات الملايين من البشر. لكن فرصتنا الحقيقية الوحيدة لمعرفة المخاطر التي تواجهنا في المستقبل هي معرفة ماذا حدث في الماضي، هنا يأتي دور الصخرة الكلسية. لقد كان اكتشاف أنطونيولي ضربة حظ عظيمة، فإلى جانب عمله في دراسة كيفية انعكاس التغيرات المناخية الماضية في جيولوجيا الارض، كان أنطونيولي غواصاً ممتازاً أيضاً. وفي عام 1991، كان يغوص بالقرب من جزيرة صغيرة تدعى ارجنتارولا قبالة الساحل الغربي لإيطاليا على مسافة 100 كيلومتر شمالي روما. وهناك عثر بالمصادفة على متاهة مجهولة من المغاور على عمق 30 متراً تحت سطح الماء. وعندما شاهد حشداً من الصواعد الكلسية الرمادية على قاع الكهف، عرف على الفور انها كانت من دون شك فوق سطح الماء في يوم من الأيام. وذلك لأن الحليمات أو الصواعد تتشكل من جراء تساقط قطرات الماء على ارض الكهف مرسبة كميات ضئيلة من بلورات كربونات الكالسيوم. وفكر أنطونيولي بأنه ربما يكون لدى هذه الرواسب الصخرية الكلسية ما تقوله عن مستويات البحر السابقة لكنه لم يكن يملك الوسائل لجعلها تدلي بما لديها من معلومات. لكن بعد ثماني سنوات، سرد قصة هذه المغارة لإدواردو براد، الذي يعتبر من ابرز خبراء العالم في دراسات تحديد عمر الصخور. كان براد مقتنعاً ان بإمكانه فك شيفرة اسرار تلك الصخور، وهكذا توجه الاثنان الى الموقع واستخرجا عينة من الرواسب الكلسية في المغارة المائية. ويقول بارد: «كانت أول خطوة هي قطع الحليمة الصخرية من منتصفها بحيث يمكننا فحص بنيتها الداخلية». وعندما فعلا ذلك ذهل الباحثان بما تكشف لهما: طبقات صخرية بنية مائلة الى الاصفرار تتخللها بشكل متعاقب طبقات من الرواسب البيضاء. وهذا يعني ان الصخرة شهدت ارتفاع وانخفاض مستوى البحر بالتوازي مع تناوب الطبقات المائلة الى الاصفرار التي تشكلت من تساقط قطرات الماء من سقف الكهوف والطبقات البيضاء التي شكلت من رواسب ديدان البحر التي استعمرت الكهف. وأدرك الباحثان انهما اذا استطاعا ان يحددا بدقّة تاريخ تعاقب الطبقات الصخرية وطبقات الرواسب البحرية، سيكون بحوزتهما سجل ممتاز لتواريخ ارتفاع وانخفاض مستوى البحر. وسيكون ذلك اكثر دقة بكثير من الاساليب الاخرى التي تعتمد على المرجانيات وكائنات بحرية دقيقة اخرى تعرف بالمنخربات. وباستخدام تقنية طورها براد تعتمد على قياس كميات نظائر اليورانيوم والتوريوم، وجد الباحثان ان الحليمة الكلسية بدأت بالتشكل قبل 206 آلاف عام. واستنتجوا ان الكهف غمر بماء البحر قبل 202000 عام وظل مغموراً طيلة 12 ألف سنة تلت. وهذا يخبرنا انه عند تلك النقطة بدأ عصر جليدي ترافق بطبيعة الحال مع انخفاض مستويات البحار. ثم بعد ذلك قبل 145 ألف عام ذاب الجليد وارتفعت مستويات البحار مجدداً وبقيت الصخرة مغمورة في الماء الى ان استخرجها أنطونيولي.ويعتقد أنطونيولي وبراد اللذان نشرا بحثهما في العدد الأخير من مجلة «الأرض وعلوم الكواكب» ان هامش الخطأ في حساباتهما لا يتجاوز ألفي عام، أي نصف هامش خطأ الاساليب الاخرى، المعتمدة في تحديد تواريخ ارتفاع وانخفاض مستوى البحر والتي لا يمكن الاعتماد عليها بسبب الحركات التكتونية التي تحدث احياناً في قاع البحر. وبعد ان اثبت الباحثان ان الصخرة سجل دقيق لتغيرات مستوى البحر، شرعا يتحريان الآن لمعرفة ما اذا كان لديها ما تقوله حول سبب مجيء وذهاب العصور الجليدية في المقام الأول. ويعتقد ان السبب الأصلي وراء دورة تعاقب العصور الجليدية يكمن في التبدل الطبيعي الذي يطرأ على شكل ووضع مدار الارض حول الشمس. فعلى مدار آلاف السنين يتغير مدار الأرض من الشكل الدائري تقريباً الى شكل اقرب الى البيضاوي، ليعود بعد ذلك ثانية الى شكله السابق. كما ان ميلان محور الأرض يتغير بمرور الزمن، وهذان التأثيران يتسببان في تفاوتات دورية في توزيع الحرارة التي تتلقاها الأرض في الشمس. وهو ما يعرف بدورة ميلانكوفتش نسبة الى العالم الصربي الذي كان أول من نظّر لها في العشرينيات من القرن المنصرم. ويعتقد مارك ماسلين من جامعة كولدج لندن ان بيانات الحليمات الصخرية الكلسية قد تساهم بشكل كبير في تسوية الجدل الدائر حول الآليات التي تقف وراء العصور الجليدية، ويقول ان تحديد عمر طبقات الفترة بدقة يثري النقاش حول اهمية العوامل الطبيعية، بما في ذلك مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو في وقف زحف العصور الجليدية. ومن الطبيعي ان سبر اغوار هذا الموضع سيعطينا فكرة افضل عن النتائج المتوقعة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تخلفها مجتمعاتنا الحديثة. لكن صخرة ارجنتا رولا لن تخبرنا ما يكفي لأنها ليست قديمة بما يكفي لكشف كامل التغيرات في دورات ميلانكوفتش. ولرؤية نماذج طويلة الأجل عن تلك الدورات، يحتاج العلماء الى بيانات يعود تاريخها الى 440 ألف عام. ولذلك فإن أنطونيولي سيعود قريباً ليغوص في متاهة الكهوف التي اكتشفها بحثاً عن صخرة اقدم. بعد سنوات من استكشافات القطب الشمالي المكلفة وصور الأقمار الصناعية، من كان يظن ان عدة غوص بسيطة ومنشار لقطع العينات الصخرية ربما تكون افضل ادوات لمراقبة التغير المناخي. علي محمد