على الرغم من الاجراءات التي اتخذت من قبل المؤسسة العامة للسينما في سوريا بهدف اعادة تفعيل دور المؤسسة على مستوى الانتاج، وتحرير عملية استيراد الافلام من الخارج، فإن وضع السينما لا يزال على حاله خاصة فيما يتعلق بموضوع تجديد، وتطوير واقع صالات العرض التي أضحت في وضع يرثى له، واستعادة الجمهور الذي توقف عن الاقبال على الحضور الى صالات العرض لمشاهدة الافلام الجديدة. إن الاستمرار بهذا الوضع، يستدعي البحث عن حلول وآليات عمل جديدة، تكون أكثر فاعلية في الخروج من هذا الوضع. من هنا كان لقاؤنا مع المخرج المعروف نبيل المالح الذي طالب بتوفير الامكانيات الضرورية والفرص الحقيقية أمام الطاقات الكبيرة المتوفرة، وذلك من خلال انشاء صناديق لتمويل المشاريع المختلفة بما فيها المشاريع الثقافية، إذ ان وجود هذه الصناديق سيجعل أي مبدع يذهب الى هذه الصناديق، وبدون شروط مسبقة لطلب تمويل مشروعه، على ان تتخذ اجراءات تشجيعية لها مثل الاعفاءات الضريبية، وهذه التجربة موجودة في مصر وفي تونس، وهي مطبقة بصورة واسعة في أوروبا. ورأى المالح ان هذه الصناديق ستساعد على قيام نهضة ثقافية نحتاج اليها، إذ ان الرسالة السياسية أو الاقتصادية لا يمكن ان تصل إلا من خلال الحامل الثقافي لها. في بداية اللقاء سألناه عن رأيه بالواقع الحالي للسينما في سوريا، والمطلوب لتطويره، فأجاب: إذا كنا سنعود للأحلام، فسوف ألقي كلمات كبيرة حول الموضوع، ولكن من الناحية الواقعية، أقول انه منذ سنتين صدر قانون بتحرير موضوع استيراد الافلام والذي كان سابقا محصورا بالمؤسسة العامة للسينما في سوريا. لكن الصالات لم يجر تحسينها، والجمهور الذي تم تفريقه على مدى عشرين عاما لم يعد الى الصالات حتى الآن، لانه يجب ان تعاد تربيته من جديد على اعتياد الذهاب الى الصالات من جديد، فهذا الطقس السينمائي أو طقس المشاهدة السينمائية الجماعية اختفى، أما من ناحية الانتاج فيمكن ان نقول بأننا على مدى اربعين عاما أنتجنا أربعين فيلما فقط، وعليه لا يمكن ان نسمي ان هناك سينما سورية. في بداية السبعينيات أنتجت سوريا 34 فيلما بين قطاع خاص وقطاع عام ثم غابت، ثم ظهرت، ثم اختفت، ثم ... الكم مهم جدا، وهناك تقنيات مبتكرة، وتساعد الى الانتاج الأرخص، والأكثر كفاءة وقدرة على الانتشار هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنا لا أفهم لماذا يصرف على انتاج فيلم ما بين 10 الى 15 مليونا في بلد نحن نعرف ما هي رواتب الموظفين فيه. قد أدخل في انتاج مشترك مع دولة أوروبية وأعمل وفق مقاييس الدولة الأوروبية فأصنع فيلما بمليوني دولار، أو بثلاثة ملايين لكن عندما أنتج فيلما في سوريا فأنا أخجل من نفسي أن أنفذ عملا مكلفا، وليس هناك أية فكرة، أو صيغة أو آليات لتسويق هذا الفيلم من أجل استعادة الأموال التي صرفت على انتاجه، وليس من أجل الربح. أنا أعلم انه كان هناك تفكير بخفض عدد العاملين في المؤسسة الى النصف، لكننا نجد ان هذا العدد قد تضاعف، فما جدوى هذا العدد الكبير من الموظفين مقابل الكم الانتاجي الموجود، ومقابل ما يحققه من نتائج على مستوى التسويق، والمردود المادي. ولذلك أرى ضرورة اعادة النظر بصورة كلية في منهجية عمل المؤسسة التي أضحت مؤسسة موظفين. ـ أنت تحدثت عن الوضع القائم كما تراه، فماذا عن الحلول التي تراها ممكنة للخروج من هذا الوضع بشكل صحيح وفاعل؟ ـ الحلول هي ان توجد صناديق وطنية للسينما، تمول انتاج الافلام بشكل حر بحيث يمكن للسينمائي ان يذهب الى هذا الصندوق، ويقدم السيناريو الذي تتم دراسته من دون اجهزة ومن دون موظفين، بل ان تكون هناك لجنة استشارية مستقلة هي التي تقرر صلاحية السيناريو المقدم على ألا تكون من الجهة الممولة، فتقوم بتحديد الميزانية وفقا للقدرة على التسويق والانتشار، وليس لدي شك بأنه لا توجد طريقة للخروج من أزمة هذا التضخم الاداري وعدم الانتاجية إلا من خلال هذا. لكن موظفي المؤسسة هم ضد ذلك لان معظمهم لا يفعل شيئا، فهناك مخرج درس على حساب المؤسسة في دولة غربية، واستمر لمدة ثلاثين عاما موظفا فيها، وقد أحيل الى التقاعد، وهو يعيش من عمل خارجي، وطوال وجوده في المؤسسة لم يحقق لنا سوى فيلمين الاول بطول 20 دقيقة والثاني طوله 15 دقيقة فقط. لا مانع لدي من استمرار المؤسسة العامة، ولكن يجب أن تكون هناك جهة اخرى. في التلفزيون السوري ـ رغم مآخذي على ما انتج ـ أنشئ كقطاع تلفزيوني خاص، انجز بطريقة هائلة، والمؤسف ان رؤوس الأموال ذهبت الى هناك. ان تعدد المنابر يخلق المنافسة وحرية التداول. ـ ولكن المؤسسة العامة للسينما لجأت الى تجربة الانتاج المشترك لتوفير رأس المال الداعم لعمليات الانتاج؟ ـ هذه تجربة ممكنة، ولا مانع لمثل هذه التجارب. هذه طريقة من الطرق ولكن يجب ان يكون هناك طرف ممول آخر، فإذا كان هناك من لا يملك التمويل، وليس موظفاً في المؤسسة فإلى أين يذهب، ثم هناك تكامل في دورة الانتاج، هناك صالات عرض، و جمهور سينما تجب استعادته فلابدّ من آلية متكاملة، هذه صناعة ولها مفرداتها، وهي ثلاثة مفردات «الانتاج، المستهلك، مكان الاستهلاك» ولا يمكن فصل احدها عن الآخر. الجمهور غير موجود، والصالات الحديثة غير موجودة والانتاج المتوفر غير كاف، فلماذا لا يكون الانتاج بوتيرة محددة كأن يكون ستة افلام في السنة، ولماذا لا ننشئ صالة محددة خاصة بالأفلام السورية بحيث نجعل الجمهور يتعود ان يذهب الى سينما محددة لكي يشاهد الافلام السورية. ـ أنت تتحدث عن اعادة كسب الجمهور، وتتناسى تأثير التلفزيون والانتاج الدرامي على هذا الجمهور. ـ بلا شك اثر، فالناس استقطبهم البيت اكثر من الذهاب الى مكان عام، والمكان العام الذي تدفع فيه الدراهم هو السينما. لكن طقس المشاهدة الجماعية، وان تتواجد مع الآخرين هو طقس جميل. وأعرف ان وقت التواجد مع الآخرين اختزل وضمر، لكن الفيلم السينمائي هو رسالة حضارية، والمنبر الذي تعرض فيه صورة ايجابية عن سوريا اهم بكثير من الرسائل الاخرى، فالمنتج التلفزيوني نعرف ما هي المقاييس التي يقبل على اساسها في الوطن العربي. العمل السينمائى هو خارج ذلك وأكثر رفعة وتطلعاً ورؤى. إن الفيلم له دور في التميز، فالصورة التي يقدمها من الصعب ان نعادلها مادياً ففي ايران هناك اربعة أو خمسة مخرجين، استطاعوا ان ينقلوا صورة حضارية وثقافية عن ايران، تجاوزت كل ما فعلته وزارة الاعلام الايرانية في عشرين سنة. لهذا يجب ان نفهم الامور من هذه الزاوية. ـ كيف تنظر الى دورك كمخرج ازاء ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جرائم وحشية مروعة ؟ ـ اننا نشعر بالعجز ازاء ما يجري، وقناعتي انه لو طلب الآن مني ان انتج فيلما عن القضية الفلسطينية فلن افعل بالرغم من انني اول من انجز فيلما عن القضية فأنا الآن اشعر بأنني لا أساوي شيئاً، بل انا صغير جداً امام ما يفعله طفل فلسطيني صغير امام دبابة، وأمام المجهولين الذين صمدوا في مخيم جنين. اشكالية المثقف العربي وأنا واحد منهم، الاحساس العميق بأن الأحداث كبيرة جداً، والوسائل صغيرة، لكن هذا لا يمنعني من أن أحاول بكل ما لديّ من قوة ان اترك ورائي شهادة عن هذا العصر المظلم، وان أحفظ بداخلي الضوء الحالم الذي لن أدع أحداً يطفئه لأني بدون ذلك أعلن موتي. وأنا لن أموت. والجدير بالذكر ان المخرج انجز في الفترة الأخيرة فيلمين أحدهما روائي طويل اسمه «غراميات نجلا» وهو حكاية لها خصوصيتها، ويحمل كثيراً من الاستعارات والتعبير عن حالة التشظي الاجتماعي، وعن الرغبة في الخروج من هذا الوضع مها كان الثمن، أما الفيلم الآخر فهو فيلم تسجيلي عن المكفوفين الذين دون أي استغراب وجدت كم نحن أقرباء منهم. دمشق ـ مفيد نجم