بيان الكتب: تهدف التربية المعاصرة الى بناء الانسان المتكامل من جوانبه كافة الى جانب تنمية قدراته وطاقاته وصولاً به الى الإبداع حيث لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال فهم دقيق لآلية الفعل الإبداعي، وآلية الخيال عند الاطفال وتجلياتها في المجالات الأدبية والفنية والعلمية من خلال استراتيجيات واضحة وأساليب دقيقة تهدف الى تطوير الخيال والإبداع عندهم وتساعد المدرسين وأولياء الأمور والمهتمين بالإبداع على فهم طبيعة هذا الموضوع المعقد. ونفهم آلية الخيال الإبداعي عند الطفل فقد قام الباحث المعروف ليف سيمونفيتش فيغوتسكي بتقديم كتابه الجديد «الخيال والإبداع عند الأطفال» مستجلياً هذه الآلية التي تبدأ بعملية الإدراك الداخلي فالخارجي ثم التغيير في العناصر المدركة ووضعها في أنماط جديدة وتجسيدها بشكل مادي وإبراز أثر الشروط الاجتماعية في عملية الإبداع مقارناً بشكل دقيق بين الخيال عند الأطفال والمراهقين والراشدين موضحاً في الوقت نفسه أن الخيال الإبداعي يعمل في كل مرحلة من مراحل الطفولة بصورة مميزة حيث خصوصية الأطفال واعتبار الإبداع رفيقاً طبيعياً ودائماً لهم في مراحل نموهم وهو ليس من نصيب المتميزين في مواهبهم فحسب بل انه يتجلى عند الأطفال العاديين أيضاً. فطبيعة إبداع الطفل تتغير بانتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى وقد حاول فيغوتسكي تتبع هذا التغير من خلال الأنشطة التي يقوم بها الطفل في المجالات الأدبية والفنية. فالتربية الصحيحة تكمن في مساعدة الطفل على تعرف حاجاته الداخلية والتعبير عنها لذلك شخص الصعوبات التي تواجه الطفل في إبداعه الأدبي ووضع إرشادات عملية يمكن أن تقوم بها المدرسة من أجل تطوير الإبداع الفردي والجماعي حيث يبدو أن نشاط الخيال الإبداعي معقد جداً ويرتبط بمجموعة من العوامل المختلفة لذلك فمن الواضح تماماً انه لا يمكن ان يكون هذا النشاط متماثلاً عند الاطفال والبالغين لأن هذه العوامل تتخذ مظاهر متنوعة في مراحل الطفولة المختلفة لذلك يعمل الخيال الإبداعي في كل مرحلة من مراحل الطفولة بصورة خاصة ومميزة وبخاصة في هذه المرحلة من التطور التي يمر بها الطفل حيث يتعلق الخيال بالخبرة وتتكون خبرة الطفل وتزداد تدريجياً وتختلف بشكل عميق عن خبرة الراشدين حيث تثير العلاقة مع المحيط بتعقيدها أو بساطتها بتقاليدها وتأثيراتها في عملية الابداع وتوجهها عند الطفل بشكل مختلف. ولأن اهتمامات الأطفال والراشدين مختلفة فمن الواضح ان الخيال عند الطفل يعمل بشكل مختلف عما هو عند الراشد في الوقت الذي توجد فيه وجهة نظر شائعة حتى الآن مفادها ان خيال الطفل أغنى من خيال الراشد حيث تعد الطفولة تلك الفترة التي يكون فيها الخيال أكثر تطورا ووفقا لهذه الرؤية فانه كلما نما الطفل سارت قوة تخيله بشكل تنازلي وتكونت هذه النظرة لأن الملاحظة الكاملة لعمل الخيال تقدم سببا لهذا الاستنتاج وذلك فإن نتاج الخيال الابداعي الحقيقي في مجالات النشاط الابداعي جميعها يعود الى الخيال الناضج وكلما تم الاقتراب من البلوغ يبدأ الخيال بالنضج ايضا ويقترن النهوض الشديد للخيال والبدايات الاولى لنضجه في العمر الانتقالي عند المراهقين بفترة البلوغ الجنسي. وقد أشار المؤلفون الذين كتبوا عن الخيال الى العلاقة الوثيقة بين النضج الجنسي وتطور الخيال ويمكن فهم هذه العلاقة إذا أخذنا بعين التقدير انه في هذه المرحلة تنضج الخبرة الكبيرة للمراهقة وتعمم، كما وينضج ما نسميه الاهتمامات الدائمة وتقل الاهتمامات الطفولية بسرعة وفي ضوء هذا النضج العام يصل النشاط الخيالي الى صيغته النهائية.. حيث ينطلق كل بناء خيالي من الواقع ويسعى لرسم دورة تامة والتجسد في الواقع ليبدأ البناء الخيالي بتلبية لرغباتنا ودوافعنا بامتلاك نزعة للتجسد في الحياة ويسعى الخيال بقوة الدافع الموجود فيه لكي يصبح ابداعا أي مؤثرا فعالا ومحولا في منحنى النشاط وفي هذا السياق يقارن ريبو بين ضعف الارادة والاحلام فضعف الارادة يشبه تماما من وجهة نظره نمط التخيل الابداعي غير الناجح ويترافق بالنسبة له الخيال في المجال الذهني مع الارادة في مجال حركي يريد الناس دائما شيئا ما سواء أكان هذا الشيء تافها أو مهما ويبدعون ايضا من أجل تحقيق هدف معلوم سواء أكان نابليون الذي يفكر بخطط المعارك أم الطباخ الذي يبتكر طبقا جديدا من الطعام حيث تنتهي الارادة بالفعل في جميع الانماط الطبيعية والكاملة لكنها لا تنتهي لدى الناس المترددين احيانا أو الذين تبقى قراراتهم دون تنفيذ وغير مؤهلة للتحقيق والاثبات العملي كما يسعى الخيال الابداعي بشكله التام ظاهريا لتأكيد ذاته والتجسد بصورة ما ليس من أجل المبدع ذاته فقط بل من أجل الجميع ايضا ويبقى الخيال على العكس عند الحالمين بعالمهم الداخلي وبحالة بناء سيئة حيث لا يتجسد فنيا أو في ابداعات عملية فالاحلام تساوي ضعف الارادة والحالم غير مؤهل لاظهار الخيال الابداعي. كما يعد بناء الخيال الابداعي مثلا أعلى وهو حين يكون مجرد قوة ضرورية فعالة فإنه يتحكم بأفعال الانسان وسلوكه ويسعى للتجسد واقعيا إذا كان هذا هو الاختلاف بين الاحلام والخيال الابداعي كنمطين مختلفين بشكل متناه في جوهرهما فإنه يصبح واضحا انه في تربية الطفل لا يمكن اعتبار تكوين الخيال مجرد تمارين بسيطة المعنى وتطوير لوظيفة ما جزئية بل يحمل مدلولا عاما ينعكس على سلوك الانسان كله وبهذا المعنى لا يمكن ان يصبح دور الخيال في المستقبل أقل من دوره في الوقت الحاضر. هذا ويخصص الباحث في كتابه الجديد «الخيال والابداع عند الاطفال» الفصل السادس لتناول الابداع الادبي في العمر المدرسي حيث يعد الابداع الادبي واللفظي أكثر ما يتميز به العمر المدرسي من بين اشكال الابداع جميعها فمن المعروف جيدا ان الاطفال في عمر مبكر يمرون بمراحل عديدة من الرسم الذي يعد نموذجا للابداع في العمر المبكر ولاسيما قبل المدرسي حيث يرسم الاطفال في هذه المرحلة بسرور واحيانا دون تشجيع من الكبار واحيانا اخرى تكفي اثارة بسيطة ليقبل الطفل على الرسم. وتشير الملاحظة الى ان الاطفال كلهم يرسمون وتمر رسومهم بمراحل تعد عامة لاطفال العمر الواحد، فالرسم هو العمل المحبب في هذه المرحلة وان حب الطفل واهتمامه بالرسم يضعف في بداية العمر المدرسي ويغيب التعلق الذاتي بالرسم كليا عند الكثير من الاطفال وبدرجة ما عند غالبيتهم ويبقى هذا التعلق لدى الاطفال الوحيدين فقط أو الموهوبين به وكذلك لدى مجموعات الاطفال الذين يحفزهم ظروف التربية البيتية أو المدرسية نحو الرسم الى تطويره. ومن الواضح وجود علاقة داخلية ما بين شخصية الطفل في هذا العمر وحبه للرسم كما ان تركيز القوى الابداعية للطفل باتجاه الرسم ليس من قبيل المصادفة لأن الرسم بشكل خاص يتيح للطفل في هذا العمر امكانية التعبير عما يتملكه بسهولة أكبر ومع الانتقال الى طور جديد للنمو يرتقي الطفل الى مستوى عمري أعلى يتبدل وتتبدل معه طبيعة ابداعه ليبقى الرسم من مخلفات الماضي كمرحلة تمت معايشتها ويحل محله ابداع جديد لفظي أو أدبي يسيطر خاصة في مرحلة النضج الجنسي عند المراهق حيث يفترض عدد المؤلفين انه بدءا من هذا العمر وحده يمكن الحديث عن الابداع الكلامي عند الاطفال بالمعنى الخاص لهذه الكلمة. وعن الابداع المسرحي في العمر المدرسي يتناول الفصل السابع من الكتاب الجديد حيث يعد الابداع المسرحي أو التمثيلي عند الاطفال أقرب الانماط الى ابداعهم الادبي ويشكل التمثيل المسرحي الى جانب الابداع اللفظي أكثر انماط الابداع انتشارا لديهم حيث يفسر قربه من الاطفال عاملان رئيسيان، الأول ان المسرحية القائمة على الفعل وهو الفعل الذي ينفذه الطفل ترتبط كثيرا أو بصورة فعالة مباشرة بين الابداع والاحساس الذاتي. حيث تظهر في الشكل الدرامي بين الصورة الدورة التامة للخيال، وهنا يتجسد النموذج المكون من عناصر الواقع ويتحقق من جديد واقعيا وان كان ذلك مشروطا فالسعي الى الفعل والتجسد والتحقق الكامن من عملية التخيل نفسها فالتمثيل المسرحي قريب جدا من التشخيص ولذلك فإن الحدود تمحى بينهما مطلقا. رنا يوسف