بيان الكتب: هذا الكتاب اشكالي ومساحة المسكوت عنه فيه اكبر بكثير من مساحة المعلن، ومشكلته الاساسية انه يختزل كل موضوعه في عامل واحد هو الاقتصاد. ومهما صحت اهمية هذا العامل سواء بالنسبة للموضوع الذي يطرحه الكتاب ام غيره، فإنه لا يمكن اختزال الوجود الانساني كله في عامل واحد. وبغض النظر عن هذا وذاك، وبعيدا عن بعض جوانب التصعيد المفتعلة التي تبدو من الكاتب ازاء بعض الظواهر الاسلامية، فإن المرء المسلم يرى ان هناك خطأ اساسيا في فكرة الكتاب التي تبدو في عنوانه وهي الدوافع الاقتصادية لظهور الاسلام.. فالاسلام ـ الرسالة ـ لم يأت استجابة لتحدي عوامل اقتصادية وانما جاء لحاجة انسانية عامة حددها الله سبحانه وتعالى في آيات متعددة في القرآن الكريم جانبها الروحي هو الاساس فيها.. وقد تساعدنا هذه الرؤية التي نقدمها في فهم بعض جوانب الخلط التي وقع فيها الكتاب. ومن خلال خمسة فصول لظروف ما قبل وما بعد الاسلام يعرض شاكر النابلسي موضوعه مستعرضا الوضع المالي في المجتمع المكي قبل الاسلام، ثم الموانع الاقتصادية التي وقفت عقبة امام الاسلام وأدت الى محاربته من قبل قريش، ثم دور اليهودية والمسيحية والحنيفية في ظهور الاسلام، ثم يعرض بعد ذلك الدوافع الاقتصادية لظهور الاسلام، ثم تحول الاوضاع الى الفتح بدلا من التجارة مختتما موضوعه بالحديث عما يسميه مال العرب بعد الاسلام. اتساقا مع منطقه في اعطاء العامل الاقتصادي اولوية كبرى يشير الكاتب الى ان المجتمع القرشي الذي ظهر قبل الاسلام كان مجتمعا رأسماليا لم يكن يخشى اي وازع اخلاقي او ديني في سبيل الكسب ومزيد من الكسب.. فقد كانت التجارة هي العمل الرئيسي الذي يجيده العرب والذي اشتهروا به، وقد وفر الحرم والكعبة للتجارة المكية الامن والامان اللذين من الصعب توفرهما في اي مدينة اخرى في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. ويحاول النابلسي ان يدلل على ما يقول بالاشارة الى انه لاهمية التجارة المكية كان تركيز القرآن على ذكر التجارة دون الصناعة او الزراعة حيث حفل القرآن بذكر التجارة وشروطها وقواعدها وعقودها وأخلاقها في اكثر من 125 آية مما يشكل حوالي 2% من مجموع آيات القرآن وهو ما يفسر ويعكس واقع العرب وعملهم الرئيسي في تلك الايام والذي جاء الاسلام لتنظيمه وتطويره. الموانع قبل الاسلام ثم يتطرق المؤلف الى ما يعتبره موانع اقتصادية امام ظهور الاسلام والتي تمثلت بشكل اساسي فيما رأته قريش من ان الدعوة تشكل خطرا عليها وعلى مستقبلها الاقتصادي باعتبار ان الاستقرار السياسي دعامة للتجارة، ظنا منها ان الدعوة قد تعكر الجو السياسي.. ووفقا لهذا المنطق الذي يقدمه المؤلف فإن قريش كانت مجبرة على محاربة او مقاومة الاسلام.. فمسألة العبيد ودعوة الاسلام الى تحرير رقابهم كانت من الاسباب الاقتصادية لمقاومة قريش للاسلام خصوصا ان قريشا استثمرت من هؤلاء العبيد حسب الكتاب اموالا طائلة تتضمن مبالغ شرائهم وتغذيتهم وكسائهم لكي يقدموا بما هم مكلفون به من اعمال شاقة فضلا عن العامل الاجتماعي وهو ان وضع مكة التجاري كان يدفع الى استيراد العبيد لخدمة اثريائها الى جانب العبيد يأتي تحريم الاسلام للخمر، فهذه الخطوة حسبما يذهب المؤلف اضرت بالاقتصاد المكي.. فلقد كانت مكة ـ في تشبيه لوضع معاصر يورده النابلسي ـ تشبه هونج كونج ولذا فقد كان كل ما يهمها هو التجارة وليس الدين وهو ما جعلها بالتالي تقف في مواجهة الاسلام، غير ان حتى بافتراض صحة الطرح الذي يقدمه المؤلف، فإنه يتغافل عن منهج الاسلام بصدد هاتين النقطتين. فالاسلام وانطلاقا من واقع المجتمع الذي ظهر فيه لم يحرم الرق بشكل كامل وانما وسع من منافذه بشكل يؤدي في الوضع النهائي الى اندثاره تماما، وكذلك الامر مع بعض الفوارق بالنسبة لتحريم الخمر ويقتضي الامر هنا الاشارة الى انه رغم محاولة المؤلف ما يمكن اعتباره اعادة لمجتمع ما قبل الاسلام ورفض اطلاق تسمية جاهلية عليه باعتبار انه كان مجتمعا مزدهرا صناعيا وزراعيا وتجاريا الا انه يعود دون قصد منه ليشير الى ان الصناعة والزراعة لم تمثلا شيئا ذا قيمة في هذا المجتمع، والنقطة الاهم هنا هي اشارته بلغة معاصرة الى ان العرب في شمال الجزيرة العربية كانوا اكثر شعوب المنطقة تخلفا دينيا.. وانهم كانوا في عبادتهم للأوثان على مستوى عال من السذاجة الدينية وهذا هو ما ينصرف اليه مفهوم الجاهلية في اهم ابعاده فالاسلام كعقيدة لم يأت ليصحح وضع المجتمع المكي آنذاك اقتصاديا او اجتماعيا وانما جاء ليصحح الاوضاع العقيدية في اطار عام وشامل سينعكس ايجابا على مختلف جوانب الحياة الانسانية. فضلا عن ذلك فإنه حسب الكاتب مثل حرب الاسلام للاصنام ضرب لأحد أسس اقتصاد قريش وهو هنا يشير دون ان يذكر نماذج الى ان الكهنة كان لهم دور في محاربة الدين الجديد. ثم يعرض المؤلف بعد ذلك لدور اليهودية والمسيحية.. في ظهور الاسلام وهو هنا يشير بشكل عام الى انه رغم ان تاريخ مكة وقريش يشير الى عدم الاكتراث بالأديان الا ان العرب قبل الاسلام عرفوا الاله الواحد وقد كان من بين روافد ذلك الحنيفية والتي كانت منتشرة على نطاق ضيق اما لماذا اتبع القرشيون الاسلام فيما بعد في حين لم يتبعوا الحنيفية فإن المؤلف يقدم مجموعة اسباب تمثل نوعا من الغمز واللمز في الاسلام ليس هذا مجال مناقشتها ومن الغريب هنا ان رغم ادعاء «العلمية» الشديد من قبل المؤلف وتأكيد التزامه الصارم بالمنهجية التاريخية وصحة مصادرها الا انه يتخلى عن هذه المنهجية اذا كان في ذلك ما يسييء للاسلام! وفي معرض حديثة عن اليهود يشير الى ان الديانة اليهودية لم تكن مقاومة للاسلام لانها كانت جامدة خامدة لايهم اتباعها نشر الدين بقدر ما يهمهم المحافظة على حياتهم واملاكهم وتجارتهم وهو هنا يحاول ان يؤسس خلاف الرسول مع اليهود على اساس مادي. اما المسيحية فقد كان وجودها محدودا على عكس اليهودية.. وقد ظل المسيحيون في الجزيرة العربية منعزلين غير قادرين على تشكيل وحدة حقيقية. ثم يعرض للصابئة وهي فرقة دينية كانت من الموحدين بالله مشيرا الى ان وجود الصابئة وحضورهم ساعد على انتشار الاسلام. ويخلص المؤلف من عرضه هذا الى ان العرب قبل الاسلام لم يكونوا يؤمنون الا بالمصالح الدنيوية فقط وكان كل همهم هو المال اما الاخرة فلا يعرفونها ولا يؤمنون بها، وعلى هذا فان محاربة قريش للاسلام انما جاءت ـ وفقا لوجهة نظره ـ انطلاقا من انه يقوض اركان التجارة التي اقامت دعائمها، فالاسلام وما جاء به من توحيد لم تكن افكارا جديدة تماما على مجتمع الجزيرة العربية.. وقريش كانت تدير تجارة دولية ولم تكن قبيلة جاهلة هائمة على وجهها في الصحراء. مرحلة ما بعد الهجرة ثم يتطرق الكاتب الى الدوافع الاقتصادية لظهور الاسلام عارضا لرؤية بالغة الغرابة بشأن نصرة الانصار للرسول صلى الله عليه وسلم. والمؤلف في هذا الجزء ـ كما في باقي الاجزاء ـ ينزع البعد الروحي والعقيدي عن موضوعه مقدما البعد الاقتصادي كبعد وحيد في تفسير موضوعه.. ولو ان المؤلف حاول ان يلتزم حتى الحياد او تقديم رؤية يمكن تسويقها للجمع بين مختلف العوامل وقدمها كتفسير للظاهرة التي يتناولها، غير انه لان ذلك يمثل اضعافا للفكرة التي يود ترويجها من خلال الكتاب يتجاوز العلمية ويقدم لنا هذه الرؤية التي تتمثل في ان المدينة كانت تحسد مكة على وضعها التجاري وتطمع في ان تكون لها مكانتها التجارية مستقبلا ومن هنا كان استقبالها للرسول حافلا على أمل ان تكون الدولة التي يقيمها الرسول ستكون اساس كومنولث جديدا ستكون المدينة من اركانه الرئيسية. وفي سياق عرضه في هذا الجزء يشير الى ثروة السيدة خديجة الطائلة ـ ويحاول ان يدقق بشأن حجم هذه الثروة ـ ومساهمة هذه الثروة في نشر الاسلام ودعمه، كما يعرض سريعا لدور أبو بكر في دعم الرسول بكل ماله.. والغريب انه يمر مرور الكرام على هذين النموذجين فلو كان اساس الرفض والمحاربة للاسلام او القبول به هو المال.. فان نموذجي خديجة وابو بكر يدحضان فرضية المؤلف.. فقد ضحيا بهذا المال الذي يعتبره النابلسي محور حياة مجتمع الجزيرة العربية آنذاك.. وهو ما يشير الى بعد ثان هو بعد ايماني غيبه المؤلف او غاب عنه لاسباب يمكن ادراكها من سياق الكتاب، وهو التغييب الكامل للجانب الروحي في الدعوة الاسلامية. وفي الفصل الرابع والذي يأتي تحت عنوان الفتح بدلا من التجارة يشير النابلسي الى ان الفتوحات الاسلامية التي تلت فتح مكة ودخول قريش في الاسلام اصبحت مصدر عيش بديل في ظل انهيار الوضع الاقتصادي وتعطل خطوط التجارة. وهنا يشير الى ان قريشا التي خافت من الاسلام على تجارتها لو علمت انه سيفيدها ـ مثلما حدث فيما بعد دخولها فيه لكانت اقبلت عليه منذ البداية، وازاء استقرار الاوضاع بعد انتصار الاسلام انتقلت قريش من الرعاية والسيادة في التجارة قبل الاسلام الى الزعامة والسيادة السياسية والعسكرية ومن ثم الزعامة المالية الناتجة عن الفتوحات بعد الاسلام. الفتوحات الاسلامية اما بالنسبة للفتوحات، فمتغافلا عن دورها في نشر الاسلام، يشير النابلسي الى انها، خاصة في عهد عمر بن الخطاب، ادت الى طفرة مالية هائلة حتى احتار ابن الخطاب كيف يوزع المال الكثير والغزير.. «ايكيله كيلا، ام يعده عدا» مما اضطر الخليفة عمر الى انشاء اول ديوان في الدولة الاسلامية بمساعدة موظفين اساسيين لادارة هذه الاموال الطائلة، كما ذكر ابو يوسف في كتابه «الخراج» وهو يشبه ـ دونما تحفظ ـ ما حصل في ذلك الوقت بما حدث في الجزيرة العربية عشية حظر تصدير البترول عام 1973 وارتفاع اسعاره ثم الثروة الهائلة التي انهالت فجأة على الجزيرة العربية كالسيل العرم في العام 1974، المهم انه يخلص الى ان هذه الطفرة المالية كان لها نتائج سلبية انعكست على حياة العرب في تلك الفترة. ويعدد هذه المظاهر وهو ما يحتاج الى نقاش كبير ليس هنا مجاله باعتبار ان ما يذكره ترد عليه مآخذ عديدة توردنا في جدال لا يتسع له المقام. ثم يختتم النابلسي كتابه بالحديث عن مال العرب بعد الاسلام.. فيشير الى ان المال كان له بعد ظهور الاسلام قيمة كبرى ومقام رفيع لا يقل قيمة ومقاما عن الدين نفسه.. وهو ما يستدعي التساؤل اذا كان الوضع كذلك فلماذا لم تنقد قريش في البداية لهذا الدين الذي يولي اهمية كبرى للمال.. وهو الشيء الوحيد ـ حسب الكاتب ـ الذي تحرص عليه وتضعه نصب عينيها. ويوضح ان الرسول وضع في زمنه اسس النظام المالي الاسلامي المعروف الآن ويرتكز على الزكاة والجزية، الخراج.. وهو يرى بعد عرض مفصل لمقولته تلك ان ربط المال بالاسلام على نحو لم تشهده الاديان السماوية الاخرى ادى الى ما يعتبره شيخوخة مبكرة للحضارة الاسلامية.. وهي مقولة عامة وجدالية وتحتاج الى اثبات.. فمن الخطورة بمكان اطلاق الاحكام هكذا دون ضوابط، خاصة في شأن يمس قضية محورية كتلك التي يتعرض لها سواء الكتاب بشكل عام أو هذا الفصل. وختاما.. ان الدراسة النقدية للتاريخ الاسلامي مطلوبة وواجبة.. غير ان ذلك يجب ان يتم بروح علمية حيادية تستهدف تعزيز فهم المسلمين لتاريخهم، وغير المسلمين لدور الاسلام التاريخي، اما ان ترفع مثل هذه الدراسة رايات العلم وتتخلى عنه لدى التطبيق، مع قدر غير قليل من المغالطات فهذا يشكك في الهدف من مثل هذه الدراسات.. خاصة اذا كانت صادرة عن دار أو دور نشر تضع محاربة الاسلام كهدف أول على رأس أولوياتها. مصطفى عبدالرازق