بيان الكتب: تبدو المكتبة عموما والسورية بشكل خاص بحاجة ماسة للمراجع المتعلقة بالحياة السياسية المعاصرة فالكتابة عنها تضيف الى وثائق الاحزاب والقوى السياسية شيئا جديدا يمكن العودة اليه باستمرار عند محاولة تقصي مشاكلها وصراعاتها وتحالفاتها. وفي خطوة اولية في معالجة قضايا الاحزاب والقوى السياسية في سوريا للمرحلة التالية لعام 1970 وصولا الى العام 2000 يقدم الكاتب والصحافي السوري عماد نداف كتابه الجديد «قضايا الاحزاب والقوى السياسية في سورية» في محاولة لبسط خارطة القوى والاحزاب السياسية على نحو جديد، اذ تشمل هذه الخارطة مجموع الاحزاب والقوى السياسية في سوريا وتبوب قضاياها المعنية بالبحث والنقاش حيث لا يمكن لاي مجتمع من المجتمعات ان يعيش دون احزاب وقوى سياسية لان هذه الاحزاب تظهر ضمن سياق التطور الاجتماعي في كل بلد فتكون انعكاسا له وتعبر عن مصالحه وطموحاته. وبغض النظر عن فعالية كل حزب وتأثيره فانه يبقى ظاهرة ليست غريبة عن المجتمع ويمكن بالتالي مراقبتها وهي تنمو وتفعل في الاطار الذي وجدت فيه ومن ثم ملاحظة اضمحلالها وتلاشيها عندما لا تتمكن من بلورة ذاتها لانها بالضرورة ستفسح المجال لغيرها الاكثر فعالية وقدرة على الاستمرار. ويرى الباحث السوري خاصية اساسية وهي فعالية شعبها عبر التاريخ ودخوله في معترك مختلف الصراعات والفعل فيها وهذه مسألة يمكن اكتشافها في صفحات التاريخ القديم والمنصرم والحاضر والرئيس الراحل حافظ الاسد عبر عن ذلك في اكثر من مناسبة فقال ذات مرة ان الشعب السوري كله يتحدث بالسياسة وهذا يعني ان القوى والاحزاب السياسية ليست غريبة عن هذا الشعب سواء آزرها ام اشاح بوجهه عنها. وطوال ربع القرن الماضي كانت هناك جملة عوامل ومؤثرات فعلت بقوة في الاحزاب والقوى السياسية في سوريا حيث لا يمكن لاي قاريء لهذه المرحلة اغفالها او عدم الاشارة اليها حتى في سياق وضع خارطة اولية لمسارها. فالحركة السياسية العربية بمجملها وقفت عند هذه المؤثرات درستها وحاولت تقييمها بجدية وشكلت موقفا منها حتى ولو انعكس ذلك على بنيتها واوقع الضرر فيها. كما ان القوى والاحزاب السياسية الموجودة في سوريا لم تكن معزولة عن محيطها وانما كانت تؤثر وتتأثر به وهذه عملية موضوعية بغض النظر عن درجة التأثر والتأثير بمعنى ان هذه الاحزاب والقوى السياسية الموجودة في سوريا كانت ضمن الاطار نفسه الذي عاشته الاحزاب والقوى العربية الاخرى مع تميزها بالخاص المتعلق بها موضوعيا وذاتيا. ويشير عماد نداف في هذا الاطار الى ان الاحزاب والقوى السياسية في سوريا توالدت في هذه المرحلة ولم تعد في كتلتها الاساسية، القوى السابقة نفسها فبعد ان كانت اللوحة السياسية في سوريا تشير الى حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري وحزب الاخوان المسلمين وحركة الوحدويين الاشتراكيين وحركة الاشتراكيين العرب والاتحاد الاشتراكي العربي ظهرت مسميات جديدة على هذه اللوحة من بينها اسماء جديدة مثل الطليعة المقاتلة (اخوان مسلمين) ـ رابطة العمل (الشيوعي) ـ المنظمة الشيوعية العربية ـ الراية الناصرية ـ منظمات القاعدة ـ المكتب السياسي ـ البعث الديمقراطي وغير ذلك وعند مراجعة اسباب تشكل هذه القوى الجديدة وطروحاتها السياسية، نكتشف اهمية الاسباب التي ذكرت والمتعلقة بالجوانب القومية والوطنية والديمقراطية اضافة الى قضية فلسطين كما ان ثمة اهمية جديدة بدأت تبرز للجانب الداخلي في الاحزاب كالعلاقات التنظيمية والاسس التي تبنى عليها هذه العلاقات كما ان هناك عوامل اخرى ساهمت في تغيير تلك اللوحة وخاصة على صعيد القوى الماركسية ومن بينها: التجربة الفيتنامية والحركة الطلابية في باريس التي قادها بانديت كوهن وجاك لاكان واخرون كذلك التروتسكية حيث كانت آخر المعطيات التي اتسمت بها القوى الجديدة هي تلك المتعلقة بالعنف واللجوء الى وسائل غير سياسية وهي مسألة لم تكن موجودة على صعيد القوى والاحزاب السياسية في سوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال. وعن تحالفات الاحزاب السياسية يرى الباحث في كتابه الجديد انه منذ عام 1972 خبرت الاحزاب السورية تجربة هامة تمكنت من رسم ملامح الحركة الحزبية فترة طويلة واعطت صورة عن التعددية السياسية في سوريا خارج اطار التناقضات حيث لم تكن هذه التجربة التي اطلق عليها الجبهة الوطنية مثار خلاف بين المشاركين بها على مدار ثلاثين عاما من قيامها، فالذي يعرف دواخل الامور في الاحزاب المشاركة في هذه الجبهة لابد ان يقر انها حصيلة التجربة السياسية السورية التي تمت بعد العام 1958 في اتجاه، مهما تعددت اطرافه فانه يبقى واحدا اي الاتجاه القومي الاشتراكي اضافة شيء من الخصوصية الشيوعية التي أفرزتها الطبيعة البرنامجية للحزب الشيوعي السوري وسياساته. وعن حزب البعث مسار داخل/ خارج السلطة يشير عماد نداف الى ان حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب الوحيد على الساحة العربية الذي انطلق من سوريا ولم يعد حكرا على اهلها وانما اسس نماذج له تعارض بعضها مع الحزب الام فهذا الحزب هو المؤسسة الحزبية الحاكمة في سوريا حتى وان تحالف مع مجموعة احزاب الام فهذا الحزب هو المؤسسة الحزبية الحاكمة في سوريا حتى وان تحالف مع مجموعة احزاب اخرى على اساس ان هذه الاحزاب تجتمع في جبهة واحدة يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي وهو ـ اي حزب البعث ـ حزب حاكم في العراق وحزب قوي في لبنان وحزب نشيط في الاردن وثمة اذرع منه تمتد في العديد من البلدان العربية حتى النفطية منها حيث لا تعود هذه الحقائق الى سبب وحيد وهو انه حزب قومي فهناك احزاب كثيرة تؤمن بوجود الامة العربية وضرورة وحدتها ولكنها لم تخاطر بالذهاب بعيدا خارج حدودها الاقليمية انما يجب الاعتراف بالصخب الذي اثاره الفكر القومي قبل وبعد جمال عبدالناصر والذي جعل العرب ميالين الى البحث عن شكل سياسي يعبر عن هذا الفكر كما يجب الاعتراف بأهلية ما طرحه هذا الحزب في اوقات كثيرة على الصعيد القومي. واذا كان لابد من العودة الى الحركات والاحزاب السياسية التي نشأت في سوريا في القرن العشرين فاننا نذكر مباشرة حزب الشعب والكتلة الوطنية ابان الانتداب الفرنسي كما نذكر في الوقت نفسه حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوري وحزب الاخوان المسلمين بالاضافة الى القوميين السوريين كاحزاب عايشت الاستقلال واستمرت بعده. فبين داخل/ خارج السلطة تتمظهر معطيات جديدة تفرض نفسها على الباحث السياسي وعلى التاريخ الوطني فالصراع الذي خاضه حزب البعث مع تياراته، تحول الى صراع مع قوى واحزاب سياسية جديدة حاولت فرض تعارضها بالقوة (الاخوان المسلمون) او حاولت المعارضة بالتحريض السلبي كالقوى الشيوعية والناصرية وبقايا البعث القديم. ويؤكد الباحث والصحافي السوري عماد نداف وفي عهد الرئيس بشار الاسد وعلى ارضية الحوار الذي نشأ لتنشيط الفعل السياسي في الاحزاب الوطنية السورية طرحت مجموعة قضايا تتعلق بالمسار التاريخي لحزب البعث وقد شعر الناس ان انتخاب الرئيس الاسد بالاجماع في المؤتمر القطري (العام 2000) كان تصويتا على مشروعه السياسي في حزب البعث وقد القى قادة الاحزاب في الجبهة كلمات هامة في هذا المؤتمر. ولم تستطع الجبهة الوطنية استقطاب جميع القوى فالبرامج المغايرة دفعت القوى خارج السلطة الى اتجاهات تعارض الاتجاه الاساسي للسلطة السياسية وهنا حدث التعارض وتغلبت سلطة الدولة واخذ على مرحلة الصراع تلك مآخذ شتى هضمها الصراع العربي ـ الاسرائيلي في تطوراته المتلاحقة فالصراع مع اسرائيل حد كثيرا من تنامي الحوار الموضوعي بين الاحزاب حول آليات السلطة السياسية وتنامي اشكال التحالف والحوار الديمقراطي. حول القضايا الخلافية في الاتجاهات الناصرية في سوريا تجدر الاشارة الى انه لايمكن التعرض لحركية القوى الناصرية في سوريا وتطورها او تراجعها الا من باب تاريخية هذه القوى وتداخلها مع مجموعة القوى والاحزاب القومية وبينها حركة القوميين العرب الا ان المرحلة الحالية التي تمر بها هذه الحركة تجعل من المتاح امامنا الاطلاع ولو جزئيا على القضايا الخلافية في الاتجاهات الناصرية. فالقوى الناصرية في سوريا تعرضت منذ تبلور التيار الناصري الكاسح في الخمسينيات والستينيات الى تحولات هامة، ما لبثت ان افرزت اتجاهات يحمل كل منها خصوصية وخطة السياسي الخاص، فثمة من شغلته الماركسية فتأثر بها وثمة من راوح في الأفكار التي حملها في بداية الطريق بالاضافة الى اتجاهات كثيرة. أما الاشتراكيون العرب وازمة التفتت فلم يعد من السهل استعادة القوة التاريخية للاشتراكيين العرب، الذين لمع نجمهم في الخمسينيات مع بروز شخصية الزعيم السياسي الحموي اكرم الحوراني الذي اثر في الانقلابات السورية وأججها احياناً واثر في الحياة السياسية السورية حتى في زمن الوحدة حيث شغل منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبدالناصر. فقد تعرضت حركة الاشتراكيين العرب لمجموعة هزات قوية خلال النصف الثاني من القرن العشرين حيث تتعلق اولاً بتوقيع اكرم الحوراني على وثيقة الانفصال ومخاصمته لعبدالناصر علنياً وثانياً بسخط حزب البعث العربي الاشتراكي عليه وادراج اسمه في عدد اليمين المناور ثم ابعاده عن سوريا الى ان توفي في اواسط التسعينيات وثالثاً وهو الاهم توجه زعامات الاشتراكيين العرب ـ وتحديداً في حماة ـ الى اقامة مجموعة خاصة بهم، استبعدت السياسي على حساب الشخصي فتاهت مما ادى الى ذهاب مجموعات الى الاخوان المسلمين ومجموعات الى رابطة العمل الشيوعي وانعزال الكثيرين عن العمل السياسي وتشتت المجموعات الرئيسية الباقية بخلافاتها غير العميقة الى مجموعة عبدالغني قنوت ومجموعة عبدالغني عياش ومجموعة الدكتور عبدالعزيز عثمان التي تمت بعد وفاته مع ابنه المهندس غسان عثمان، كذلك جاء مرض عبدالغني قنوت الذي امتد فترة طويلة قبل وفاته في مارس 2001، ليضعف جماعته وخاصة مع خروج مجموعة كوادر قومية نتيجة الترهل والمراوحة في العمل ورداً على تعيين احمد الاحمد اميناً عاماً مساعداً. وقد مثل هذه المجموعة الكاتب الفلسطيني حمدان حمدان الذي اشتهر بكتابه عن أكرم الحوراني. ويخلص الباحث والكاتب الصحافي عماد نداف الى القول بأن تاريخ الاحزاب والقوى السياسية التي ظهرت في سوريا حتى الان يكشف عن الطرق والوسائل والآليات التي بلورت هذه الاحزاب وجعلتها قادرة على اظهار برامجها والدفاع عنها والدعاية لها، حيث يلاحظ في هذا التاريخ غياب الآليات والنواظم القانونية والاعتماد السياسي على حال الامر الواقع او اكتساب الشرعية القومية والوطنية والاجتماعية لبعض هذه الاحزاب بتضحيات كبيرة جعلت من الصعب توقيف سيرورتها واعاقة نموها فاستمرت بالرغم من كل الظروف حيث يمكن اجمال هذه الآليات بالتجمع حول افراد بذاتهم ومحاكاة الافكار التي يطرحونها في الاماكن الاجتماعية او الجماعات والمدارس او في المساجد على اعتبار انه لم يظهر بعد حزب مسيحي في سوريا. وقد ادى هذا الى الاعتماد على المرجعيات الفكرية او الدينية الشعبية في ابراز المواقف السياسية التي كانت الحلقات المنظمة هي بذورها التنظيمية الاولى وبهذا المعنى لم يكن من السهل تنظيم هذه العملية وشرعنتها وفق القانون. كذلك آلية الانشقاق وهي ظاهرة ملفتة في الحركة السياسية في سوريا حيث هناك عشرات الاحزاب التي ظهرت وتنامت او ظهرت وتلاشت، كذلك الكيدية السياسية كمصطلح لتوصيف حالة بعض الاحزاب المتشابهة التي لا تحمل حتى وجه خلاف واحد عن الاحزاب التي نشأت عنها وقد حصل هذا مع بعض الناصريين. هذا بالاضافة الى الاتكاء على ألق الماضي والبحث عن تراث سياسي قديم ومحاولة احياء اسمه من جديد كالاشتراكيين العرب، في حين برزت فكرة الاحزاب الجديدة مؤخراً حيث سعى رياض سيف لتأسيس حزب جديد هو (السلم الاجتماعي) كما حاول كل من محمد صوان ورضوان عثمان ومعن شيشكلي والدكتور نبيل الجابي اضافة الى عضوي مجلس الشعب عادل جاموس وابراهيم عبدالحميد تشكيل حزب جديد تحت اسم التجمع من اجل الديمقراطية والوحدة. ويشير الباحث نداف الى ان بعض آليات نشوء وتشكل الاحزاب السياسية في سوريا تؤسس واقعياً الى مواقف وتعارضات مفتعلة لا تفيد ولا تخدم الهدف الاساسي من التعددية السياسية وهذا يعني ان البحث عن سبل شرعية وطبيعية لظهور الاحزاب وتنامي دورها هو ضرورة تاريخية تتطلبها عوامل الصراع والوحدة في الحركة السياسية السورية وتتطلبها حركة التطور المتنامية وقوة المجتمع التي تزداد مع ازدياد عدده واتساع معرفته وآفاقه. وهنا من الضروري التوقف عند حقيقة هامة هي ان الوجود الطبيعي والمبرمج الذي يصونه الدستور وينظمه للأحزاب، لا يمكن ان يضر بالوحدة الوطنية ابداً وانما يمكن ان يفيد عملية التطور السياسي في البلاد ويفعلها على ارضية المبادئ العامة التي تجمع ولا تفرق، حيث يخطئ كل من يعتقد ـ من الاحزاب ـ انه يحمل الحقيقة المطلقة وحتى اذا كانت هذه الحقيقة بين يديه فإنه مضطر للنضال السلمي من اجل اقناع الناس بها وبجدوى اقامة المجتمع على اساسها وهذا لا يتم الا من خلال الحوار الواسع والفعال مع الاخرين وفق آليات الاحترام المتبادل المعترف عليها في العالم كله. هذا ويفرد الباحث والكاتب الصحافي عماد نداف فصولاً خاصة للحديث عن حالات خاصة من علاقة المرأة بالاحزاب والتمثيل الحزبي في مجلس الشعب وصحافة الاحزاب في سوريا كما يفرد ملحقاً للحديث عن شخصيات هامة في الحياة السياسية السورية كناظم القدسي ومأمون الكزبري وخالد بكداش وجمال الاتاسي وانطون مقدسي واكرم الحوراني وغيرهم. غزوان عمر