عندما صعد لي مورين على المكوك الفضائي «أطلانطس» قبل أيام، كان قد تدرب على أدق تفاصيل مهمته طيلة أكثر من عام في مختبر «السباحة بدون جاذبية» التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا. لكن العوم في حوض استحمام كبير، لا يهيئك حقا للعوم الحقيقي في الفضاء أثناء تركيب أجزاء محطة الفضاء الدولية. فوجود المرء في المدار أشبه بالسقوط الحر. كل شيء في حالة حركة. تحتك (أو فوقك) القارات والمحيطات تتحرك بسرعة مشوشة. والشمس تشرق وتغرب في كل ساعة من ساعات اليوم، والظلال التي تلقيها تتحرك معها على نحو غريب ولو حدث انك جذبت اليك مفتاح الربط الميكانيكي مثلا بقوة زائدة ستجد نفسك تدور في مكانك فاقدا السيطرة على حركتك. وحتى الرفيق المخضرم في الطاقم جيري روس، الذي يقوم برحلته الفضائية السابعة، اعترف بأن المهمة ستكون «تحديا» كبيرا. لكن مهما كانت التخوفات والهواجس التي ربما احتفظ بها مورين لنفسه، فإنه تغلب عليها جميعها يوم السبت في الثامن من ابريل الجاري. فقد مر عبر القفل الهوائي للمحطة الفضائية وأنزل قدميه على حافة الذراع الربوطية الممتدة في الفضاء. بعد ذلك اخذ مورين، المتدلي من الفضاء على ارتفاع 250 ميلا فوق الارض نفسا عميقا وشرع في العمل، وراح يربط بعض الادوات ويصل كبلات الطاقة ويشد المسامير الملولبة، فيما كانت الذراع الآلية تحمله من جانب الى آخر حول بدن المحطة الدولية. وفي يوم الثلاثاء انهى مورين وروس ومعهما رائدا فضاء آخران تركيب طوق حديدي طوله 44 قدما ووزنه 14 طنا، وهو القطعة الاولى من العمود الفقري للمحطة والذي يبلغ طوله 300 قدم. وعندما يستكمل تركيبه في عام 2004، سيحمل هذا العمود الفقري ألواحا شمسية عملاقة وتجهيزات حاسوبية معقدة لدعم وحدتي الأبحاث الجديدتين اللتين سترسلهما اليابان وأوروبا. كما سيحول الحزام المعدني المتين محطة الفضاء الدولية من مختبر مداري هزيل، ليس بأفضل من محطة مير الروسية الراحلة، الى قاعدة امامية دائمة تستطيع حقا دعم اعقد وأحدث الأبحاث العلمية. لكن هناك ايضا احتمال بأنه في الوقت الذي يستكمل فيه بناء هذه الدمية المرارية، لن يسمح لأحد اللعب فيها. فقد اصدر رئيس ناسا شين أوكيفي، المعين من قبل جورج بوش شخصيا، اوامره لوكالة الفضاء الامريكية بانهاء تركيب الطوق المعدني والتوقف عند ذلك الحد. اذ هناك عجز كبير في التمويل اللازم لتغطية نفقات الطاقم الاضافي المؤلف من اربعة اعضاء والذي سيشكل اليد البشرية العاملة في مختبرات الأبحاث. وبما ان رواد الفضاء الثلاثة الموجودين على متن المحطة الآن مشغولون في تشغيل المحطة، فإن كل تلك التجهيزات العلمية المتطورة قد تتلف ببساطة دون ان تجد من يستفيد منها. ومن دون امكانية القيام بالابحاث والتجارب العلمية، فإن وظيفة المحطة الدولية ستنحصر في مجرد ترسيخ وجود بشري في الفضاء. قد يكون هذا دورا كافيا لعشاق الفضاء، لكنه سيبخر الدعم السياسي للمحطة. ويقول عضو الكونجرس الامريكي النائب عن ولاية انديانا تيم رويمر، الذي حاول مرات عديدة اجهاض المشروع: «هذه محطة وعدت بالقيام بثماني مهام مختلفة والآن انحصرت وظيفتها في مهمة واحدة. هل تستحق ان ينفق عليها 125 مليار دولار؟». ان وقف بناء المحطة سيكون اجراء قاسيا متطرفا وسيشل الرحلات الفضائية الامريكية المأهولة. لكن الانذار الذي اطلقه اوكيفي ـ بوضع المشروع ضمن قيود صارمة على النفقات، وإلا ـ ربما يكون الهزة المفاجئة التي تحتاجها ناسا الآن. ففي وقت تزاحم فيه وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي إيه) لتوظيف المزيد من العملاء الذين يتحدثون العربية فيما تطالب وزارة الدفاع بمليارات الدولارات لمكافحة الارهاب بدأت وكالة الفضاء تبدو وكأنها ترف يمكن للبلد العيش بدونه. منذ بداية مشروع محطة الفضاء الدولية، راحت ناسا تستنفذ. ميزانيتها بنهم لافت للانتباه. ففي عام 1993، كان من المفترض ان تكلف المحطة الدولية ناسا 174 مليار دولار وبحلول عام 1998، ارتفعت التكلفة الى 26 مليارا. ولسد هذا العجز استنفد مهندسو البرنامج كل الأموال المخصصة للتجارب العلمية» كما يقول خبير سياسات الفضاء جون لوجزدون. لكن الحيلة انكشفت. فقد خلصت لجنة خاصة لاحتواء النفقات في شهر نوفمبر الماضي الى ان الخمسة مليارات دولار التي قالت ناسا انها تحتاجها لاستكمال مشاركتها في بناء المحطة عام 2006، مبلغ غير معقول وغير موثوق. وسلط هذا الاضواء من جديد على اداء نظام المحاسبة في ناسا، والذي فشل ثلاث مرات خلال العقد الماضي في تفسير كم تنفق الوكالة وعلى ماذا. ويقول عضو الكونجرس شيروود بويليرت: «إذا كانت ناسا مذنبة فخطيئتها الكبرى انها مفرطة في تفاؤلها وبعيدة عن الواقعية. وفي حين ان أداءهم في التكنولوجيا رائع، فإن اداءهم في الادارة ليس كذلك». ونظرا للويلات المحيطة بناسا في هذه الفترة بدأ البعض يتساءلون عن مدى ضرورة ارسال البشر الى الفضاء في المقام الأول، فالبشر يشكلون حمولة صعبة إذ انهم يحتاجون الى كبسولات مضغوطة وبذلات فضاء ومؤن لا تنتهي من الاوكسجين والماء. ويجادل الانصار بأن الايدي البشرية ضرورية للقيام بأبحاث وتجارب انعدام الجاذبية، مثل استنبات بلورات شبه ناقلة فائقة النقاء، أو دراسة آلية هرم الجسم. لكن إذا كانت نفقات الابحاث العلمية باهظة لدرجة لا تتحملها ناسا، فإن المبرر الوحيد لوجود البشر في الفضاء هو الحفاظ على حلم استعمار الشمس. وبالنسبة لهكذا مغامرة، فإن محطة الفضاء الدولية ليست سوى مخططا تمهيدي فج ومكلف وغير كفؤ، لفكرة اقامة قاعدة فضائية دائمة تمثل نفسها بنفسها. ويقول خبير ناسا توم يونج ان الطريقة الوحيدة لفهم المشاكل التي تواجه البشر في الرحلة الفضائية الطويلة، هي ابقاء طواقم بشرية في الفضاء لفترات طويلة. وقد بدأت محطة الفضاء الدولية تعطي الخبراء دروسا ستكون ملائمة للمراجعة والاستخدام، إذا ما قررت ناسا ارسال رواد فضاء الى المريخ وحتى الآن لا يزال هذا الحلم مبتذلاً كما في أي وقت مضى