الشذوذ والإدمان كانا السبب في افول نجم اوسكار وايلد ككاتب مبدع عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هذا فضلا عن موته المبكر «46 سنة» وحيدا، فقيرا، غريبا حتى انه دفن دون مراسيم. حدث ذلك بعد أن هجر زوجته الكونتيسة «لويد» وولديه «سيول 1885» و«فيفان 1886» مدعيا أنه سيبتعد عن بيته لمدة طويلة بحيث لم يعد يتذكر رقم منزله، وقطع علاقاته مع جميع افراد عائلته وأصدقائه، وانتهى بأن أصبح متيما بفتى ينتمي الى اسرة من اللوردات وهو الأمر الذي أدى به في النهاية الى المحكمة التي كشفت عن طبيعة العلاقات الشائنة فأدين بالاعتداء على قاصر وحكم عليه بالإعدام اولا ثم بالسجن سنتين مع الأشغال الشاقة والنفاذ وبعد اطلاق سراحه سنة 1897 محطماً لم يتمكن من مواصلة حياته بشكل طبيعي ومات ابداعه قبل أن يموت هو سنة 1900. واوسكار وايلد الفتى الوسيم المولود سنة 1854 هو الابن الثاني للسير وليام وايلد الجراح البريطاني الذي وجد نفسه يوما أمام فضيحة عاطفية تناولتها الصحافة انذاك سنة 1864 عندما ادعت احدى مريضاته «ماري ترافرز» انها خدرت واغتصبت. أما أمه جين وايلد فكانت شاعرة تبلغ ستة أقدام طولا وكانت تحب الاغواء. ويبدو ان سلوك الابوين اثرّ في سلوكيات الابن! وفي سنة 1878 سافر اوسكار الى لندن حاملا شهادته الجامعية من اكسفورد ورغبة حارقة للنجومية، فهو نرجسي الهوى، كيف لا وقد تعلم من والدته ان ينظر الى الحياة كإنجاز فجعل من كل شيء مشهدا حتى كتب مرة: «انا أوقظ التخيّل في قريني لكي يبدع الأساطير والخرافات من حولي». وكصورة تكميلية لنرجسيته فان ملابسه لم تكن يوما من صنع الخياطين وانما من خلال مصممي ازياء المسرح حيث كان يشعر اوسكار انهم الأكثر فهما للمؤثرات المأساوية، حتى انه كان يضع وردة عباد الشمس على ثقوب ازراره. ومقابل هذه الحياة العبثية كان هناك ابداع انتهى مع اخر عمل له وهو مسرحية «أهمية ان تكون ارنست» سنة 1895 التي اعتبرت من قبل الكثيرين افضل وأجمل عمل كوميدي معاصر في اللغة الانجليزية. ولكنه تزامن مع أفول نجم اوسكار وسجنه حتى أنه انتهى الى محاولة طمس ماضيه بتخفيه تحت اسم مستعار وهو «سابستيان ملموث» الى يوم وفاته في فندق بباريس. ومن أشهر اعمال اوسكار «مروحة الليدي وندمير 1892»، «سالومي 1893»، «امرأة بلا أهمية 1893»، «زوج مثالي 1895». وتحولت روايته «شبح كانترفيل» الى فيلم سينمائي. اما روايته «صورة دوريان جراي» فقد وضع روحه فيها الى جانب نرجسيته العالية. والرواية التي مثلت فيلماً في الأربعينيات وترجمت الى اللغة العربية، ترجمها لويس عوض مدرس الادب الانجليزي بجامعة فؤاد الأول. وفيها تحدث اوسكار عن رسام «بازيل هولورد» أعجب بجمال ونضارة شباب «دوريان جراي» فرسم ذلك الفتى الوسيم ذو العينين الزرقاوين الصافيتين والشفتين الحمراوين، صاحب الشعر الذهبي المتموج. وبعدما انتهى من رسمه رفض عرض الصورة في أي مكان وهو الأمر الذي اعتبره صديقه اللورد هنري تون ضربا من الغباء نظرا لروعة الصورة. والرسام «بازيل» الذي اختفى منذ بضع سنوات وأثار فضول الخاص والعام، وظنّ الناس في تأويل احتجاجه أعجب الظنون، علل رفضه عرض الصورة أنه وضع فيها من نفسه أكثر مما ينبغي لرسام ان يضع في صورة قائلا: عرضها يعني ان تقف روحي عارية أمام انظار المتطفلين الأغبياء! ارتبط دوريان جراي بعلاقة قوية مع اللورد هنري وراح يزوره في بيته وتعرف على زوجته وأخته التي لوث سمعتها فيما بعد، حينها صارحه دوريان بحبه للممثلة سيبيل فين التي تعرف عليها وهي تمثل على المسرح كأحسن ما يكون، ولكنها بعد الخطوبة تنكرت لفنها واكتفت بحب دوريان وهو الامر الذي لاحظه الجميع وفي مقدمتهم دوريان. وذلك ما دفعه في النهاية الى تركها بعد ليلة مجهدة، فهو كان يحب الفنانة الموهوبة لا الفتاة صاحبة الوجه المليح، وهو الأمر الذي لم تحتمله سيبيل فانتحرت. عاد دوريان وتأمل صورته فوجدها تنطق بمعاني الوجه بجلاء تام أثار الرعب في قلبه. لقد أخذه الغرور مرة وأعماه حب الدنيا فصلى الى الآلهة ان تجعل الصورة تحمل أوزار حياته وان تُبقي له على شبابه النضر الى يوم يموت، وقد كان! حدث ذلك رغم ايمانه ان الآلهة تسترد ما تمنح. وعندما أيقن دوريان ان الصورة باتت تستجيب لكل ما يحدث في الحياة وقت حدوثه، خطر له ان الصورة ان هي الا مرآة روحه فهي تسجل كل تغير ينتاب روحه، وتساءل هل بين الأحياء الذين ذاقوا طعم الحياة من يرفض ان يشتري الشباب الدائم مهما غلا ثمنه؟ وعلى الرغم من اعتقاده ان صلاته اجيبت فإن خياله جمح في انه ربما يكون هناك تفسير علمي لما يحدث. وذهب الى أكثر من مذهب لتعليل ما رأى، كان آخرها قانون الحب المخبوء في كل شيء! بقى شبابه نضرا على الدوام فيما شمل التغيير كل من حوله وكذلك الصورة، الا وجهه بقى كما هو. وبعد مرور ثماني عشرة سنة على انتحار سيبيل جاء شقيقها جيمس لينتقم من دوريان معتقدا انه تسبب في انتحار شقيقته، ايقن دوريان الماكث في الظلمة انه مقتول لا محالة فطلب من شقيق سيبيل ان ينظر الى وجهه في الضياء، وبعدما نظر جيمس الى وجهه النضر المفعم بالشباب والبراءة ايقن انه من المستحيل ان يكون المتسبب في موتها، فصاحب هذا الوجه لابد وان يكون طفلا صغيرا وبريئا لحظة انتحار شقيقته. ودوريان الذي باع روحه للشيطان وأصبح ممسوخ النفس، منحط الخلق، يعيش في العار ملوثا محيط دائرته التي يعيش فيها معتمدا على جماله ونضارة الشباب التي يتمتع بهما ممارسا فن الخداع، ولولا ذلك لعاش ابيض الصفحة لا يعرف الدنس. لقد فسد دوريان جراي، وما أفسده الا شبابه. كان دوريان يتابع التغيرات التي تجري على صورته المخبأة في غرفة منعزلة في بيته، والمغطاة على الدوام بحجة ان الضوء ربما يفسدها. ويذهب الى افتراضات منطقية وغير منطقية فيما يرى فيزعم تارة ان هناك صلة لا نعرفها بين روح الانسان وبين دقائق الذرات التي تتألف منها الألوان والأشكال على اللوحة، وبذلك تسجل دقائق الذرات خوالج النفس وتحقق للنفس احلامها، او ان هناك تغيراً في قماش الصورة وألوانها. وأحيانا يعزو ذلك الى تغيرات في خياله وحده في الوقت الذي يشاهد ان خطاياه تفعل باللوحة ما تفعله الديدان بالجثث. ولكنه في الوقت نفسه موقن ان الصورة تنطق بشر دفين بعد ان كان يعتقد ان الصورة ستكون نبراسا يهتدي به في ظلام الحياة فقد كانت ضميره الحي ومقياس الخير والشر. حدث كل هذ الشر بعد ان افتتن دوريان بكتاب استعاره من اللورد هنري ادى الى الفتك بروحه حتى اعتقد ان يجد في الشر ما يحقق فكرته عن الجمال. ولما فاحت رائحة الشر جاء بازيل يعظ دوريان فرد عليه دوريان قائلا: لقد فات الأوان يا بازيل، ثم اطلعه على السر بعد ان اخذه الى حيث اللوحة التي تغيرت كثيرا عن يوم اكتمل انجازها بيد بازيل، وهناك سرت في صدر دوريان كراهية لبازيل وكأنما استوحاها من مرأى صورته، وتحرك فيه احساس كإحساس الحيوان المطارد وامتدت يده الى مدية منسية غرسها في عنق بازيل فقتله. حدث كل ذلك دون تخطيط بعد ان كان قد فكر من قبل بحياة جديدة ونقية حالما بالتوبة. حاول ان يبرر عمله الاخير بأن بازيل رسم صورة قضت على حياته، وانه ما كان ليغفر له تلك الاساءة. كما انه تخلص من الجثة بإذابتها في الأحماض بمساعدة احد ضحاياه السابقين الذين أفسد حياتهم بما يمتلكه من شر. ولكي يطمس اخر آثار الأدلة التي يمكن ان تدينه، الصورة، فقد قرر تدميرها محدثا نفسه: ان المدية التي قتلت الرسام فلتقتل عمل الرسام! سمعت صرخة، دخل الخدم على اثرها الى الغرفة فشاهدوا على الحائط صورة رائعة لسيدهم وقد سجلت جماله الفذ وشبابه النضر، وعلى الارض شاهدوا رجلا ميتا في ثياب السهرة وقد غارت في قلبه مدية، وكان الرجل مغضن الوجه يابس البدن كريه الملامح ولم يتبينوا هويته الا بعد ان فحصوا الخواتم التي يلبسها!!