بيان الكتب:الذاكرة البشرية مهددة بمرض النسيان، وامام ضعف الذاكرة عند الاديب او المفكر طريق واحد فقط للحفاظ على تفاصيل حياته ولقاءاته. الا وهو التسجيل. وهذا الهاجس في الخوف من فقدان الذاكرة، يشغل الروائي عبدالرحمن منيف مثلما يشغل غيره. خاصة وان معظم ماكتبه منيف له علاقة بذاكرة منتعشة او كما يقول ناشر الكتاب. ان هاجس تسجيل ما يحصل في مرحلة ما، كان يقف خلف اعمال روائية كبرى كتبها، ولعل ابرزها «مدن الملح»، التي حاول فيها تسجيل مرحلة التحول من حياة البداوة الى عصر النفط، وكذلك ارض السواد التي سجل فيها مرحلة من مراحل الصراع مع الاستعمار الانجليزي، كما سجل نمط الحياة في العراق وصورة الشخصية العراقية، وفي معظم رواياته لم يكن حضور التاريخ يهدف الى تحديد زمن الرواية، بل كان مناسبة لتسجيل احداث وقراءة مرحلة. في الحياة تغيب الوجوه كل يوم تقريباً. وتغيب معها معالم وافكار وحكايات. والثقافة كما يطلق عليها د. منيف هي مثل النهر الجاري لا تستقر، وهي تفيض ايضا كالنهر، ومن هذه الانهار توجد الحضارات، من خلال تراكمات الخصب او كما يقول الدكتور عبدالرحمن منيف في مقدمة الكتاب. ان التراكم الذي يتبع سياقا معينا، ثم التنوع الذي يجعل ثقافة تختلف عن غيرها ـ والاختلاف هنا ليس بمعنى التعارض وانما بمعنى التعدد، يعتبران رافدين من اهم الروافد واكثرها اخصابا وامكانية على توليد الجديد. ذاكرة المستقبل للدكتور عبدالرحمن منيف نوع آخر من الكتابة. قد يصعب تصنيفها، وهي متعددة الطروحات بين الحديث عن شخص ما أو حالة ما أو شهادة، أو حتى تسجيل أحداث. فمنذ الصفحات الأولى يطل علينا الراحل جبرا ابراهيم جبرا عبر شهادة منيف في الزوايا من كتبه التي دون فيها جزءاً من سيرته الذاتية خلالها، وكذلك مراجعة العديد من محطات حياته منذ خروجه من فلسطين وحياته في العراق الى رحيله الابدي. جبرا منذ ان وصل العراق كان يقول بجهير الصوت ان العراق امتداد للوطن الذي يحبه ويؤمن به. لكنه ليس بديلا عن فلسطين أرض الزيتون الأمر الذي جعله في منتصف المسافة بين القبائل، وهذا ما سبب له مقدارا غير قليل من صعوبة التصنيف، وتاليا التقييم. ومن جبرا الى توفيق يوسف عواد، ومجموعته القصصية الأولى «الصبي الاعرج» عام 1936، وهنا يأتي دور د. منيف في تقييم هذه التجربة الرائدة في القصص العربي وموقعها الفني والريادي في عموم التجربة العربية،اضافة الى الاسترسال في نقد التجربة فنيا وفق معطيات مرحلة توفيق يوسف عواد وحداثة القص العربي عموما. لقد قدم توفيق عواد في ثنايا كل قصة من قصص المجموعة جملة من المعلومات والعلاقات التي كانت سائدة، بحيث نستطيع من خلالها ان نتبين كما غير قليل من التفاصيل، ما كانت لتحفظ أو لتبقى دون تسجيلها بهذه الطريقة. ثم ينتقل منيف الى تجربته الخاصة في كتابة الرواية وأثر توفيق يوسف عواد في ذلك. لا من خلال كتابات عواد الروائية، بل من خلال العلاقات الشخصية بينهما، والشخصية المتميزة لعواد، والعديد من الحوارات التي دارت بين الكاتبين. والآن.. وبعد ان غادرنا توفيق يوسف عواد، وبقذيفة عمياء نكتشف كم كان كبيرا ومهما، ونكتشف انه كان نبيا ايضا، وربما لهذه الصفة الأخيرة صلبناه. وماذا ايضا؟ اعتقد ان من جملة الاشخاص الذين دفعوني وبقوة لأن اصبح روائيا، هو توفيق يوسف عواد. ويسافر بنا مرة اخرى ليحط عند محمد دكروب، ويتناول كتابه الموسوم «وجوه لا تموت» قراءة ونقدا واستعراضا ومن زوايا مختلفة، يقول عنه الدكتور منيف (محمد دكروب يشرع الابواب ويفتح النوافذ، وقد ساعده عمله الطويل في الصحافة لكي يكون كذلك. إذ بالاضافة لاهتمامه بقضايا الفكر على تنوع هذه القضايا فإنه وثيق الصلة بالسينما والمسرح والرواية والشعر). وجه آخر من وجوه المبدعين الذين فقدناهم. غسان كنفاني الذي ينقلنا منيف الى عالمه الكبير (غسان كنفاني، عدة حيوات في حياة، وجملة شخوص في شخص، وعدد من الكتّاب في كاتب، هكذا كان غسان، أي متعددا ومتنوعا وعلى الرغم من قصر حياته إلا ان تلك الحياة كانت كثيفة كالسحب الشتائية، ومضيئة كالشهب في ليالي المحاق، وكانت ايضا حافلة بالمعاني والامثولات). ولعل عبدالرحمن منيف يشعر هو الآخر بلوعة وعذاب المنافي فينقلنا بكلمات حزينة الى واحد من أهم الروائيين العرب الذين ظلموا في حياتهم وفي رحيلهم ايضا. غائب طعمة فرمان، بطل المنفى الأبدي حتى في الرحيل الى العالم الآخر، هذا الروائي العراقي الذي ظل يتأمل العودة الى تراب وطنه حتى لحظة مغادرته الحياة. كان هذا أمله المستحيل، وهو أمل كل الادباء والكتاب الذين يعانون من عذابات المنافي وانغلاق أبواب بلدانهم بوجوههم. منيف يستذكر هذا الروائي الرائع، يعيده الى الحياة، ينادي بضرورة تقييم هذه التجربة، وتقييم الانسان الذي ظل العراق ممزوجا بدمه وقلمه حتى اللحظة الأخيرة. (إن المكان في روايات غائب، وهو بغداد الاربعينيات والخمسينيات شديد الحضور الى درجة نستطيع معها ان نستعيد ضجة الاصوات وان نتنسم الرائحة التي ملأت الفضاء ومع الاصوات والرائحة تعود مواكب الايام التي مضت بكل ما حفلت به من ملامح وقوام كأنها الناقلة العائدة من سفر بعيد). ويواصل الدكتور عبدالرحمن منيف سفره وينتقل الى روائي آخر هو وليد اخلاصي هذا الروائي الحلبي الذي تشم في كتاباته روائح أسواق حلب القديمة، وقلاعها وحصونها، كما تتلمس الانسان الحلبي الذي يتميز بتميز هذه المدينة التاريخية الخالدة. حلب، لم تكن فقط بوابة الشرق وطريق الحرير وحامية الثغور، ولم تقتصر على كونها طريق الفرات والبريد ومحطة الرحالة والقناصل والجيوش ولم ينظر اليها باعتبارها توأماً لاشبيلية والقيروان وفاس او صدى لبغداد والموصل ودمشق كانت شيئاً من كل هذا وكانت ايضاً هي نفسها، اي مدينة متفردة شامخة مليئة بأسرارها الخاصة وكبريائها، وهذا ما اراد ان يقوله وليد اخلاصي في روايته المهمة «باب الجمر». نلتقي بعد ذلك في هذا السفر الجميل بالروائي السوري صدقي اسماعيل وتجربته الروائية، والحياتية، وشخصيته المتميزة، وحزنه، وفرحه، ومعاناته حتى ليخيل لنا اننا امام شخصية اسطورية بالغة التميز، ونادراً ما يمكن ان تلتقي بمثلها اضافة الى ابداعاته المتعددة في حقول الأدب المختلفة. ويسافر عبدالرحمن منيف ويحط عند شاعر العرب محمد مهدي الجواهري في ذكراه الثالثة، وهنا يستغرب من هذا الغياب المتعمد لواحد من أهم شعراء العرب في قرن كامل، مثلما يستغرب عن غياب الكثيرين من المبدعين الذين رحلوا، الا ان منيف يجد ان الجواهري وشعره يتحديان كل هذه التوجهات التي تمارس لطمس الابداع. لا خوف على شعر الجواهري سوف يتجدد ويتألق مرحلة بعد اخرى، تماماً كما حصل مع كبار الشعر العربي القديم، امثال المتنبي والمعري وابي تمام والبحتري، اذ ما زال شعر هؤلاء يدرس ويعاد اكتشافه، خاصة وقد امتلك المعاصرون ادوات اضافية، ونظرة جديدة في التعامل مع النصوص والكشف عما فيها من جمال وعبقرية وابداع مما يساعد على تبين مواضع جمالية جديدة واضافية في هذا الشعر. وبعد الجواهري ينتقل منيف الى عرار.. مصطفى وهبي التل ومن ثم يسافر الى حمزاتوف، ومن ثم يتوقف عند الأدب الارمني ويتناول «عشرون قصة ارمنية» ثم ينتقل الى مواقف وشهادات لماذا الهجوم على حيدر حيدر.. والبياتي الذي يواصل البحث عن عائشة حتى لحظة توقف قلبه الكبير. لا اتصور الحياة الثقافية العربية دون ابي علي، دون عبدالوهاب، البياتي، فقد كان انساناً استثنائياً اختلفت معه ام اتفقت، وكان خلف الهدوء الذي يلفه كله نار عاصفة وكان يحب حتى وهو يهجو، وحين ينفض السامر ويخلو المكان كانت تتساقط من عينيه الدموع، ولا يعرف انه كان يبكي نفسه ام عائشه ام الحياة القلقة التي عاشها. يواصل عبدالرحمن منيف هذا السفر الجميل وينتقل في شهاداته التي لا يمكن الاحاطة بها، الا ان هذا الكتاب اضافة الى جديته وعلميته فهو ممتع لأنه ينقل لنا ما لم نتلمسه من كتابات المبدعين الذين تناولهم هذا السفر. عبدالاله عبدالقادر