جان لوجوف، مؤلف هذا الكتاب، هو فيلسوف وعالم اجتماع.. وهو رئيس النادي السياسي المعروف باسم «اوثرمان» وما يعني «التفكير بطريقة اخرى». وقد وضع هذا النادي في اول مهامه التنقيب عن سبل تجديد الديمقراطية في المجتمعات المتقدمة، وللمؤلف مجموعة من الكتب منها: «وهم التسيير الاداري من اجل عودة الحس السليم» و«مايو 1968 الارث المستحيل» و«البربرية العذبة، التحديث الاعمى للمؤسسات وللمدرسة».. الخ. كتاب الحداثة ما بعد التوتاليتارية هو في صلبه دراسة مقارنة للظاهرة التوتاليتارية ولنزعة التحديث التي شهدتها نهاية القرن العشرين. ان مفهوم «التوتاليتارية قد ارتبط حصراً تقريباً بالمنظومة الشيوعية طيلة العقود العديدة التي عاشها الاتحاد السوفييتي ومنظومته وذلك في مواجهة منظومة اخرى كانت سمتها الاولى هي التركيز على الديمقراطية.. تجدر الاشارة هنا الى ان الانظمة الشيوعية السابقة كان تؤكد هي الاخرى على «نسختها» الديمقراطية التي اطلقت عليها صفة الديمقراطية الشعبية، وضمن هذا السياق خلق انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الثنائية الدولية ونهاية الحرب الباردة وضعا جديداً بدا فيه ظهور ملامح توتاليتارية جديدة تحت زعامة «أسياد العالم الجدد» الممثلين خاصة بالامريكيين. هذا وتواجه هذه النسخة «المعدلة» من التوتاليتارية خطابا نقديا شجب بشكل خاص هيمنة «اقتصاد السوق» و«وسائل الاعلام». ان المؤلف يعلن بوضوح وحزم رفضه لاستخدام صفة «التوتاليتارية» لنمط التطور الذي عرفته الديمقراطيات الغربية في فترة ما بعد الحرب الباردة.. لكنه يحاول ان يبني في الوقت نفسه بأن المجتمعات الغربية الديمقراطية قد عرفت عملية تطويرية خاصة تتسم بنقص النزعات الانسانية كما تتسم بإنها متميزة الى حد كبير عن التوتاليتارية بل انها «ما بعد توتاليتارية» ويرى جان بيير لوجوف بأن الديمقراطيات الغربية محكومة بتاريخها الخاص وبآليات تطوره. ينطلق المؤلف في تحليلاته بالتذكير بمقولة سائدة مفادها ان العالم ليس سلعة، انه يؤكد اهمية مثل هذه المقولة لكنه يؤكد ايضا في الوقت نفسه بأنها ورغم ما تثيره من متعة في زمن سيطرة النزعات الاقتصادي لا تكفي لتفسير الاحساس بنوع من القلق في المجتمعات الديمقراطية المتطورة، ان الاطروحات الداعية للنضال ضد «العولمة» و«الاسواق المالية» و«الشركات متعددة الجنسيات» و«البطالة» تدفع اي الاطروحات شرائح كبيرة من الشباب الى نوع من التمرد ضد ما هو قائم، لكنه تمرد دون هوية واضحة، ولا يكفي الاعتماد على مرجعية دكتاتورية السوق، لتفسير حالة الاستياء الاجتماعية السائدة في المجتمعات الغربية هذا لاسيما وان مثل هذه المرجعية تنفي العوامل السياسية والثقافية التي يراها مؤلف هذا الكتاب ذات اثر حاسم في تطورات المجتمعات وآليات عملها و«المناخ» النفسي السائد فيها، ولا يتردد ايضا في وصف «دكتاتورية السوق» بأنها اصبحت نوعا من الفكر الجاهز الذي يردده الكثيرون دون ان يدركوا «كنهه» لكنه اصبح بمثابة موضة وهو فكر جاهز يخفي وراءه التبدل الثقافي والاجتماعي الذي شهدته المجتمعات الغربية خلال العقود الثلاثة الاخيرة. وفي الوقت نفسه الذي يقبل المؤلف فيه واقع تغلغل المنطق المالي والتجاري في مختلف الدوائر والنشاطات العامة، فإنه يتساءل كيف امكن لهذا المنطق ان يفرض نفسه بهذا القدر الكبير من السهولة على المجتمع؟ وكيف كان ذلك ممكنا؟ وفي معرض محاولة الاجابة يؤكد المؤلف بأنه ينبغي الخروج من اطار النزعة الاقتصادية ـ الاقتصادوية، كما يسميها البعض والبحث في البنى الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تسمح بازدهار «النزعات الاقتصادية» ذاتها، لكن ما يتم على ارض الواقع يتمثل في الميل نحو الحديث عن توتاليتارية جديدة يطلق عليها البعض تسمية توتاليتارية السوق ويسميها آخرون بـ «الليبرالية التوتاليتارية» لكنه وبكلتا الحالتين يبدو ان الديمقراطيات الغربية هي عرضة للتشكيك بمصداقيتها.. ان المؤلف يحذر ضمن هذا السياق من الاستخدام السريع وغير الدقيق لصفة التوتاليتارية من جهة ولـ «تعريتها من مضمونها» من جهة اخرى، وبحيث ينتهي الامر الى الخلط بين التوتاليتارية وبين كل اشكال الدكتاتوريات والاخطار، وفي مواجهة مثل هذا الانحراف يشير المؤلف الى النقاش حول مفهوم «التوتاليتارية» قد بدأ في فترة ما بين الحربين العالميتين، لكنه تطور واتسع في ظل الحرب الباردة ولايزال بابه مفتوحاً على مصراعيه في الوقت الحاضر، وقد كان مفكرون وباحثون عديدون قد اطلقوا صفة التوتاليتارية على النظامين النازي والشيوعي، وذلك على اساس وجود عدد من النقاط المشتركة بينهما وفي مقدمتها وجود حزب واحد والخلط «المزج» بين الدولة والمجتمع واعطاء دور مركزي للايديولوجيات وانتشار القمع وممارساته، وليس ضد المعارضين فحسب وانما ايضا ضد فئات كاملة من السكان على اساس العرق أو المعتقد باختصار في الحالتين تصبح «الدولة والحزب والرئيس بمثابة تجسيد لمجتمع منسجم ومتناسق». ان المرجعية الاساسية التي يعتمد عليها مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته تتمثل في حنة ارنت المفكرة الثورية الالمانية التي كانت قد هاجرت مع تسرب الحرب العالمية الثانية الى المانيا وحيث نشرت عام 1951 كتاباً شهيراً لها يحمل عنوان «أصول التوتاليتارية» هذا الكتاب يشكل احدى القواعد النظرية التي يعتمد عليها مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته. وحيث كانت قد اكدت بأن التوتاليتارية تشكل ظاهرة لاسابق لها في التاريخ وذلك باعتبار ان القمع لا يشكل طريقة واسلوباً في الممارسة وانما هو بمثابة جوهر السيطرة التوتاليتارية، كما ان المؤلف يؤكد مع حنة ارنت بأن الظاهرة التوتاليتارية تمثل «الشر الجذري الراديكالي» الذي يواجهه او يمكن ان يواجهه البشر. وفي المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب بأن سمات التوتاليتارية هذه لا تسمح بـ «سهولة استعمالها» وخلطها مع الظواهر المعاصرة التي تشهدها المجتمعات الديمقراطية في المرحلة الراهنة. لكن ومع التأكيد على ضرورة التمييز بين الظاهرة التوتاليتارية كما تم وصفها على اساس المعايير والمفاهيم التاريخية التي حددناها، فإن المؤلف يؤكد ايضا بأنه يمكن «بعد ذلك» فتح النقاش حول «حالة الديمقراطية في المجتمعات المتطورة». ان القرن العشرين قد شهد دكتاتوريات فاشية اوروبية ذات طبيعة توتاليتارية شنت في الواقع حربا ضد الديمقراطية لكنها هي التي ذاقت الهزيمة والانهيار.. والسؤال هنا: هل نحن اليوم امام صيغ جديدة من محاولات نفي الديمقراطية، باسم «توتاليتارية الاسواق والعولمة؟». يجدر هنا التذكير بما كان المؤلف جان بيير لوجوف قد كتبه عندما تحدث عما اسماه بـ «البربرية العذبة» في كتبه السابقة وخاصة في كتاب له حمل هذا العنوان تحديداً، وذلك في معرض وصفه لآليات التحديث التي ظهرت خلال عقد الثمانينيات الماضي، ويرى بأن هذه البربرية العذبة قد شهدتها مجتمعات ديمقراطية، لكنها لم تترافق مع اعمال عنف او مع ممارسات قمعية متطرفة، بالمقابل يبدو انه من المنطقي والمشروع ان تسمح مثل هذه الظاهرة بطرح الاسئلة حول العلاقة بين التوتاليتارية وما تشهده المجتمعات الديمقراطية الراهنة، ان المؤلف يحلل باسهاب في هذا الكتاب لحظتين يراهما حاسمتين في تكون المرحلة الجنينية للتبدلات الاجتماعية ـ التاريخية الجارية حاليا.. وتتمثل اولى هاتين اللحظتين التاريخيتين باحداث الطلبة في فرنسا خلال شهر مايو من عام 1968 وسنوات «الاحتجاج» التي تلتها.. اما اللحظة التاريخية الثانية فيجدها المؤلف في «الموجة الليبرالية» و«ميول التحديث» التي شهدتها سنوات الثمانينيات الماضية ،ومن خلال تحقيق هاتين الفترتين يحاول المؤلف ان يبين آليات «تحلل واعادة تركيب» التبديات الاجتماعية التي استجدت آنذاك. تجدر الاشارة ايضا الى ان مؤلف هذا الكتاب يولي اهمية خاصة لدراسة الحالة الفرنسية لكنه يؤكد بالوقت نفسه بأن التطور الحاصل لا يعني المجتمع الفرنسي وحده وانما يعني تبدلا تاريخيا شهدته العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين وهو تبدل عرفته المجتمعات الديمقراطية بشكل خاص وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان التحليلات الاقتصادية والسيكولوجية ايضا لا تعطي هذا التبدل التاريخي حقه من الاهتمام والتحليل. ما سبق يتعرض له المؤلف في القسمين الاول والثاني من كتابه والمكرسين لدراسة التوليتارية والايديولوجيا في مسيرة التحديث، السمات المشتركة ونقاط الاختلاف» و«المرحلة الجنينية في عملية التفسخ الاجتماعي»، اما القسم الثالث والاخير فإنه يخص اشكال مناهضة التوتاليتارية وحيث يصف هذه المناهضة بأنها منحرفة وذلك سبب الطريق المسدود الذي تسلكه حركات مناهضة العولمة والدور الكبير الذي تلعبه وسائل الاعلام وحيث يلعب الصحفيون في احيان كثيرة دور كلاب الحراسة الجدد. كما جاء في عنوان كتاب لـ «سيرج حليمي» وحيث اعتبرا ـ حليمي اولا ثم مؤلف هذا الكتاب جان بيير لوجوف حاليا ـ بأن الاعلام والاعلاميين قد اصبحوا بمثابة ادوات في يد اصحاب القرار الاقتصادي ومدراء الشركات الكبرى وبحيث ان عملهم قد تحول الى نوع من الدعاية تيمنا بالنموذج ـ الموديل ـ الامريكي، يقول المؤلف «لقد تم وضع الاعلام والدعاية على نفس المستوى بحيث انها كلها ستساهم في تعزيز سيطرة سادة العالم الجدد، ان المسألة لا تقتصر اذن على نشر الايديولوجية الليبرالية بل انها اصبحت بمثابة صناعة للرأي العام تمارسها وسائل الاعلام المختلفة بنوع من «الردع السري» بحيث ان الدعايات والافلام والمسلسلات التلفزيونية تشارك في المشروع الكبير الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الامريكية والمتمثل في عملية الامركة التي تتغلغل في اعماقنا عبر عيوننا مما نراه، وهذا تحديدا ما كان قد وصفه المفكر الفرنسي ذو الاصل الاسباني اينيا سيو رامونيه رئيس تحرير مجلة «لوموند دبلوماتيك» بـ «الدعاية الصامتة» التي تمارسها التلفزة والسينما. كذلك يتحدث رامونيه وينقل عنه مؤلف هذا الكتاب، عن «الاستبداد الشهي» الذي تفرضه الولايات المتحدة الامريكية وعبر التواطؤ السلبي لضحايا هذا الاستبداد. ان مختلف المسلسلات الامريكية الشهيرة مثل «دالاس» او المفتش كولومبو لا تقدم مجرد شخصيات تلفزيونية فحسب وانما تقدم اولا وأساسا مفهوما سياسيا للحياة اليومية. ان مؤلف هذا الكتاب يصدر في الواقع حكما اخلاقيا يقول فيه ما معناه «بأن الدعاية هي افيون الشعوب وحيث ان وسائل الاعلام تستطيع ان تنشر افكارا وتؤسس لسلوكيات كما يكون مرسوما عليها» هكذا تكون وسائل الاعلام قد انحرفت فعليا وواقعيا عن وظيفتها الاساسية التي تتمثل بتقديم اعلام موضوعي لاولئك المعنيين بها، اذ انها تتجه لهم من اجل تحقيق هدف واحد هو السيطرة على عقولهم، وينقل المؤلف في هذا السياق كلمة مشهورة لأحد رواد التضليل الاعلامي «جوبلز» الذي قال «اننا لا نتحدث كي نقول شيئا ما، وانما كي نحصل على اثر، على نتيجة»، وهذا ما يرى به مؤلف هذا الكتاب نوعا من المفهوم البافلوفي، أي نسبة الى بافلوف الذي قام بتجارب على الحيوانات بحيث انه قد اثار لديها ردود افعال انعكاسية على اساس وقائع معينة (الكلب الذي يسيل لعابه عندما يرى الصحن الذي تعود صاحبه ان يقدم به الطعام ولو كان فارغا) هكذا ايضا تريد الدعاية ان تثير رغبة الاستهلاك لدى اولئك المعنيين بها، وبالتالي تثير ايضا ردود الفعل المطلوبة وشراء السلعة موضوع الدعاية. ويجد المؤلف هنا مرة اخرى مرجعياته لدى حنة ارنت التي قامت عام 1969 بتحليل وثيقة صادرة عن البنتاجون حول الطريقة التي اتخذت فيها الولايات المتحدة القرارات الخاصة بالسياسة الامريكية حيال فيتنام كانت صحيفة الـ «نيويورك تايمز» هي التي كشفت عن تلك الوثيقة وقد كشفت ارنت في تحليلها للوثيقة عن الاشكال الجديدة للكذب التي يمارسها اخصائيو العلاقات العامة في الادارة الامريكية وحيث لم يعد الهدف المطلوب هو البحث عن غزو العالم واحتلاله وانما جلبه عبر معركة يتمثل رهانها الرئيسي في عقول الناس، ان مثل هذا الواقع لا يمكن الا ان يؤدي كما يؤكد المؤلف الى الطريق المسدود. وما يشير اليه المؤلف هو اننا نعيش اليوم في عالم شبيه الى حد كبير بالعالم الذي وصفه الكاتب الانجليزي جورج اورويل في كتابه المعروف «1984» والذي نشره عام 1948 مع تغيير تسلسل الرقمين الاخيرين، وقدم فيه رؤية استشرافية للمستقبل تطابقت الى حد كبير مع ما عرفه الواقع فيما بعد، حيث كان قد تحدث عن مجتمع يجد كل انسان فيه نفسه تحت رقابة الأخ الاكبر كما جاء في عنوان احد الفصول الاخيرة من الكتاب، هذا الى جانب تدمير اللغة وتزمت القوة الاكبر.... وفي المحصلة الابتعاد عن الديمقراطية للدخول في «حظيرة» نوع من «البربرية العذبة»