ايف ميشو، مؤلف هذا الكتاب هو استاذ في جامعة «السوربون»، سبق له ونشر العديد من الاعمال حول الفلسفة والفن بشكل خاص. من بينها: «العنف والسياسة» و«ازمة الفن المعاصر» و«هيوم ونهاية الفلسفة» و«الفن المعاصر منذ عام 1945»، كما اشرف على سلسلة تحت سؤال: «ما هي؟»، مثل «ما هي الحياة»؟ «ما هي الثقافة»؟ و«ما هي التكنولوجيات»؟ أو «ما هو الكون»؟ و«ما هو المجتمع»؟.... الخ. لاشك بان احد أكبر الظواهر التي تثير قلق البشر في عالم اليوم تتمثل في تنامي «العنف» كممارسة بين الشعوب والامم وفيما داخلها.. لكن لاشك ايضا بان هذا العنف ليس بحد ذاته ظاهرة جديدة وانما لعل درجته وشموليته والادوات التي يستخدمها هي التي تجعله يظهر وكأنه معطى جديد، بينما هو ليس كذلك في واقع الأمر. اذ انه قد لازم السلوك الانساني منذ الاصول الاولى وهو ايضا احد «محركات» التاريخ الانساني ذاته وليس هناك ما يسمح بالقول بانه سوف «يفارق» مسيرة التطور البشري كلها هذا ما ينبغي ألا يغيب عن الاذهان بحيث يبدو ان البشر يحملون في ذواتهم شيئاً من «القسوة» و«التوحش» ورغبة الاستمتاع بـ «مشاهدة العنف»، اذ لماذا يستمتع الكثير من الناس عند مشاهدة افلام الرعب؟! تتوزع مواد هذا الكتاب بين اربعة اقسام تبحث بالتالي في التغيرات بالوقائع و«التغيرات بالمشاعر» و«التغيرات بالافكار» واخيراً «ردود افعال وسيناريوهات». ان الوقائع الثابتة للعنف لا تتغير ابداً في تبدياتها حيث انها تعني دائماً القتلى والجرحى والمشوهين والخسائر والخرائب... وغير ذلك مما ينجم عن ممارسة العنف. لكن هذا العنف قد يتم باشكال متنوعة تبعاً للسياق الذي يتم فيه وللادوات التي يستخدمها. ولاشك بان العقود الثلاثة الاخيرة قد شهدت، بفعل التطور التكنولوجي الكبير، تطورات مهمة في ميدان العنف على صعيد الوقائع الراهنة. وقد تبدّ ذلك في خمسة ميادين اساسية يكرس المؤلف لكل منها فصلاً كاملاً. الميدان الاول يتعلق بـ «العلاقات الدولية»، حيث ظهرت حالة من عدم الثبات والاستقرار التي تحلل الامبراطورية السوفييتية السابقة. وتتماشى حالة عدم الثبات هذه مع ايجاد اطار قانوني دولي قد بلغ درجة مهمة من التطور والانتشار بفضل عمل منظمات دولية مثل منظمة الامم المتحدة او بفضل تحالفات ذات طابع اقليمي مثل الاتحاد الاوروبي ومنظمة دول جنوب شرق اسيا، وغيرها، وحيث ان هذه المنظمات والتحالفات تتطور وتتقدم عبر اتفاقيات ومعاهدات تحت اشراف منظمات عالمية مثل المنظمة العالمية للتجارة والتي كانت قد وجدت صيغتها الاولى في اتفاقية الغرفة الجمركية المعروفة باسم «الجات».. او ربما تجد ما يسمح بتقدمها عبر لقاءات دورية للقوى الفاعلة الرئيسية على الساحة الدولية مثل قمة الدول الصناعية الكبرى الثانية او القمم الاوروبية المختلفة. ان هذا كله يبدو بمثابة «متغيرات» حقيقية بالقياس الى ما كان سائداً في ظل «توازن الكتل» وهي متغيرات سمحت باشكال جديدة لـ «التدخل»، وحتى العسكري في النزاعات المحلية التي تكاثرت، او على الأقل اصبحت مشهودة اكثر. الميدان الثاني هو ذلك الذي يخص التنافس من اجل السلطة او من اجل تبني برامج سياسية للتحرك.. في هاتين الحالتين يتمثل التغير في واقع ان فكرة الثورة قد او تبخرت كي تخلي المكان لاشكال من السلوك السياسي التي تفتقر الى منظور سياسي واضح وانما يمكن ان تندرج جميعها تحت راية مقاومة العولمة او تحت لواء دعوات ذات طابع فوضوي. وميدان ثالث لحقل «التغيرات على صعيد الوقائع» يتبدّى داخل المجتمعات الديمقراطية حيث يتنامى شعور بعدم الاستقرار والأمن، هذا اذا لم يكن الامر يتعلق بمواجهة صريحة مع زيادة ممارسة العنف.. وأقل ما يمكن ان يقال في هذا الميدان يتمثل لدى المؤلف، بان هناك تنامياً كبيراً في الممارسات السلوكية «غير الحضارية» وزيادة الجنح الصغيرة على صعيد الحياة اليومية للبشر، ويبدو في هذا السياق ميدان التغير الرابع في طريقة تعامل وسائل الاعلام المختلفة مع مختلف اشكال العنف اذ انها تساهم بشكل فعّال في نشرها وتعميمها واحياناً تضخمها وهذا ما يدعو المؤلف الى الحديث عمّا يسميه بـ «العنف المشهور اعلامياً». «المتغير» الخامس الأخير على صعيد الوقائع ـ يتمثل في ان العنف وبكل اشكاله قد اصبح خاضعاً اكثر فأكثر لانماط من الرقابة التقنية التي تحدّ منه من زاوية رجال الامن وتعطيه امكانيات أكبر واوسع من موقع الفاعلين له. هذا الى جانب تطور اليات امكانية احكام الرقابة اكثر فأكثر على الحياة الاجتماعية عبر استخدام مختلف اشكال الوقاية والمساعدة الاجتماعية.. وغيرها. وحيث ان الدول المتقدمة كلها، بل والعديد من الدول النامية، تمتلك «ترسانة من وسائل الرقابة التي تستخدمها دون تردد وتحسّن منها باستمرار». اما «التغيرات على مستوى العواطف» فان المؤلف يحدد نقطة انطلاقها في «فترة الغبطة» التي اعقبت نهاية الحرب الباردة لكنها سرعان ما خبت وانطفأت لتبرز من جديد هشاشة الاحساس بالاستقرار بعد انهيار «العدو» الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي بالنسبة للعالم الغربي.. ثم ان العولمة لم تطل الاقتصاد وفقط لكنها ايضا تبدّت على صعيد «تعميم الاحساس بغياب الامن وذلك على المستويين: الشخصي المتعلق بالحياة العادية والدولي مع تزايد الصراعات والحروب المحلية وعلى اسس جديدة اثنية وعقائدية وحدودية بشكل خاص. كما ان تركيز وسائل الاعلام على احداث العنف وتعميمها وتضخيمها قد انتج عالماً بعيداً عن الواقع احياناً ومحكوماً بالمشاعر والانفعالات.. وبالتالي بعيداً عن الفرد. هكذا ايضا غدا العنف السياسي والاجتماعي والتكنولوجي بمثابة موضوع خاضع لنفس مستلزمات الآلات والمنظومات المبرمجة».. وهذا لا يجعله اقل اثارة للرعب وانما يجعله بارداً وميكانيكياً». وضمن هذا المنظور بدا انه من الضروري اعادة ادراج البعد الخاص بالانفعالات والمشاعر والمصالح عند دراسة ظاهرة العنف، وعدم الاكتفاء بمواقف واحكام مسبقة على قاعدة الانتماء الطبقي او البنى التي تؤمن السيطرة. يقول المؤلف: علينا اليوم ان نعيد اكتشاف العواطف ومدى قوتها، والاهواء وما تتمتع به من طاقات، والمصالح واساليب دهائها. وذلك على اساس انه لا يمكن الفصل في مسألة العنف بين الظاهرة نفسها وبين ما تثيره من عواطف واهواء. هذا لاسيما وان علماء النفس يعترفون جميعهم تقريباً بالسمة الكونية ـ يونيفرسال ـ بالاستعدادات البشرية الاساسية على صعيد الانفعال والعاطفة، لكن مع التأكيد الذي يمكن ان تلعبه الثقافات في «قنونة» الانفعالات والعواطف. وما يؤكد عليه المؤلف هو انه في الوقت الذي يشيع فيه الاحساس بـ «عدم الأمن» فإنه لا يمكن القول بان حالة من الهلع والحقد هي التي تسود، وحتى لو ان مثل هذه العواطف والاهواء انما هي موجودة وتشكل تهديدات «في حالة كمون».. ان المؤلف يخالف بوضوح هنا الرأي القائل بان «الحرب الاهلية قد بدأت» على الصعيد الكوني الشامل» او «انها لم تبدأ بعد على الاقل». ثم ان عواطفنا هي نفسها تحمينا ضد العنف واغراءاته، انها تحد من هذه الاغراءات. كما ان عائقاً اخر يحول دون اللجوء الى العنف ويتمثل في «حالة التفعل» التي تثيرها الخشية والخوف من المخاطر الناجمة عن فقدان الطمأنينة التي تبعثها حالة العيش بهدوء في النفس. ويرى المؤلف انه في مواجهة التحديات والتهديدات يبدو انه يكفي تقديم اجابة شجاعة واضحة يتفق عليها الجميع من اجل الحد من العنف والارهاب وتعزيز السلام في المناطق الاهلة بالمخاطر وتأكيد ضرورة احترام القانون والتقاليد المدنية ـ الحضارية. واذا كان المؤلف يؤيد مواجهة «الارهاب» بـ «الحرب» فانه يستدرك مباشرة ليقول: «لكن انتبهوا شريطة الا تستهدف مدنيين ابرياء او تسبب كوارث انسانية او تؤدي الى وضع دولي معقد وغير مستقر». و«تغيرات ايضا على صعيد الافكار» وحيث تبدو الصعوبة الاولى في التمييز بين «الوقائع» وبين كيفية ترجمة هذه «الوقائع» في رؤيتنا للعالم اذ وامام اية كارثة كبرى يتم الخلط في الاسباب التي تثير الاخرين حيالها، وهل يكون الاكثر بروزاً هو التأثر بالكارثة نفسها وما يكون قد نجم عنها من خسائر وضحايا او هو الاحساس بعدم الأمن الذي يحسه البشر حيال حياتهم هم.. ان المثال الذي يسوقه المؤلف بهذا الصدد هو ما شهدته مدينة نيويورك يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي، هذا لاسيما وان مثل هذه الاعمال تثير ما يشبه فكرة «نهاية العالم» الأمر الذي لابد وان تكون له اثاره على صعيد المفاهيم الخاصة بالعنف نفسها اذ في مواجهة احداث تبدو جديدة يتم الشروع بطرق جديدة للتحدث والتعبير كما ترتسم تحليلات جديدة في الافق. وضمن هذا السياق يبحث المؤلف في آثار حقبة ما بعد الحرب الباردة على الفكر السياسي التقليدي الذي لا يعطي في الواقع اية مكانة لدور العنف في صياغة الوعي السياسي العام.. هذا بينما تبدو السياسة من المنظور الراهن، كما يحددها المؤلف، بمثابة «دوران للسلطة واحتمالات للعنف». كتاب حول العنف ومتغيراته في عصر العولمة