هذا الكتاب ساهم فيه ما لا يقل عن ثلاثين باحثا وباحثة من مختلف أنحاء العالم. وبالتالي فلا نستطيع ان نعرف بهم جميعا. وانما سنكتفي بتقديم الباحثين الامريكيين اللذين اشرفا عليه وقدما له وختماه ايضا. الاول هو مايكل ادواردز مدير قسم المجتمع المدني، في مؤسسة فورد الشهيرة التي يقع مقرها في نيويورك. وقبل ان ينضم الى هذه المؤسسة كان موظفا كبيرا في البنك الدولي بواشنطن ومسئولا عن شئون المجتمع المدني هناك. وآخر كتاب صدر له كان بعنوان «المستقبل الايجابي: التعاون الدولي في القرن الواحد والعشرين». يضاف الى ذلك انه ذو خبرة واسعة في شئون المنظمات غير الحكومية. وأما الباحث الثاني جون غافنتا فهو استاذ في معهد الدراسات التنموية في جامعة سوسيكس بالولايات المتحدة الامريكية. وقد أشرف هناك على برنامج يخص كيفية مساهمة المواطنين في ادارة الشئون العامة. وكان قد أمضى سنوات عديدة في الاهتمام بالمجتمع المدني ونضال المواطنين داخله وذلك بصفته عالم اجتماع في جامعة تينيسي بأمريكا ايضا. وقد نشر مؤلفات عديدة عن قضايا السلطة ومساهمة المواطنين في ادارة الشئون العامة. يقول الباحث مايكل ادواردز في المقدمة العامة للكتاب: «قبل عشر سنوات ما كان أحد يتحدث تقريبا عن المجتمع المدني في أروقة السلطة. كانوا يعتبرونه شيئا هامشيا لا أهمية له». ولكن الجميع أصبحوا يتحدثون الآن عن ضرورة مساهمة المواطنين في اتخاذ القرار ومشاركتهم في دعم سياسة التنمية. وقد ظهرت مؤخرا مفاهيم جديدة «كالدبلوماسية الجديدة»، و«السلطة الناعمة»، و« المركب المتعدد الجوانب». وعلى الرغم من ان هذه المفاهيم غير مفهومة جيدا ولا تزال مطبقة بشكل ناقص إلا انها وضعت المجتمع المدني في مركز المناقشات التي تتم في السياسة الدولية. كما واصبح دوره معترفا به فيما يخص حل المشاكل على المستوى العالمي (أي العولمة). في الواقع ان المجتمع الذي هو عبارة عن حقل صراع أكثر مما هو شيء منسجم وموحد. وعلى الرغم من اننا نعلق عليه الآمال بصفته مفتاحا للسياسة التقدمية في المستقبل، الا انه يشكل مسرحا لتصارع المصالح المختلفة. يضاف الى ذلك ان مؤسسات العولمة لا تزال سجينة نظام الدولة القومية، وبالتالي فيصعب عليها ان تشرك المواطنين في ادارة الشئون العامة. فنحن لا نعيش في دولة العولمة حتى الآن مهما حكينا عن العولمة وعصر العولمة. نحن نحلم بتشكل جماعة بشرية واحدة في المستقبل، ولكننا لا نعيش فيها الآن، وانما نعيش في دولنا القومية. ولكن يخشى اذا ما تشكلت دولة العولمة يوما ما ان يكون القوي فيها هو وحده صاحب الرأي والسلطة، والضعيف لا رأي له. لا ريب في ان حل هذه المشاكل مطروح على القرن الواحد والعشرين. وهدف هذا الكتاب الذي ساهم فيه العديد من الباحثين واساتذة الجامعات هو دراسة الحركات الاجتماعية التي ظهرت مؤخرا والتي تناضل ضد العولمة الرأسمالية. انها حركات منبثقة عن المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم وكثيرا ما تنظم المؤتمرات والمظاهرات لدعم الفقراء والمضطهدين والمحرومين. وهي تشكل أمل المستقبل من أجل تصحيح سياسات الحكومات الرأسمالية واعادة التوازن الى النظام العالمي الذي ازداد الاغنياء فيه غنى والفقراء فقرا في عصر العولمة. ولكن منذ البداية يطرح الباحث الامريكي هذا السؤال: ما هو المجتمع المدني؟ في الواقع انه يصعب تحديده بشكل قاطع، او جامع مانع. ولكن المساهمين في هذا الكتاب استخدموا المصطلح بالمعنى الواسع للكلمة. انه يعني الحقل أو المجال الذي يجتمع فيه الناس لكي يغلبوا مصالحهم المشتركة على مصالحهم الفردية. انهم يجتمعون ليس من اجل تحقيق منفعة خاصة أو الحصول على سلطة سياسية، وانما من أجل مساعدة السلطة على حل المشاكل المطروحة على المجتمع. ومنظمات المجتمع المدني تعني كل الجمعيات والروابط التي تشتغل داخل هذا الحقل أو المجال: أي حقل العمل العام المشترك. كما وتعني الاحزاب السياسية، والمنظمات غير الحكومية وسوى ذلك. ولكنها تستبعد من صفوفها الشركات أو المنظمات الهادفة إلى تحقيق ربح خاص على حساب المصلحة العامة. إن المنظمات غير الحكومية مشكلة أساسا على قاعدة عدم الربح أو تحقيق المكاسب الشخصية. ولهذا السبب فانها هيمنت على المناقشات الخاصة بالمجتمع المدني العالمي. ولكنها في الواقع ليست الوحيدة في هذا المجال. فهناك هيئات ومنظمات أخرى غيرها. وعلى الرغم من ان المساهمين في هذا الكتاب يعترفون بأن منظمات المجتمع المدني قد تختلف احيانا في برامجها وتوجهاتها إلا انهم ركزوا أبحاثهم فقط على تلك التي تشترك في بعض القيم الاساسية: كاحترام حقوق الانسان، والتقيد بالديمقراطية، والحرص على حماية البيئة الخضراء، والدفاع عن حقوق المرأة ... إلخ. منذ سنوات قليلة فقط حصلت مظاهرات ضخمة ضد مؤتمر منظمة التجارة العالمية المنعقد في «سياتل» بأمريكا. وعندئذ سمع العالم كله، وربما لأول مرة، بوجود منظمات مضادة للعولمة الرأسمالية. وأصبح مصطلح المجتمع المدني العالمي رائجا بدءا من ذلك التاريخ. ويحصل ذلك كما لو ان العالم كله تحول الى مجتمع واحد، فما يضر بعضه يضر كله، والعكس صحيح. عندئذ استشعر الناس لأول مرة بوجود ترابط بين مصالح مختلف الدول والمناطق التي تشكل الكوكب الارضي. فاذا ما ازداد التلوث في امريكا بسبب المصانع والغازات فان العالم كله يتأثر بذلك وليس فقط امريكا. وقل الامر ذاته عن البرازيل، أو الصين، او الهند، أو أي منطقة اخرى صناعية في مناطق العالم. باختصار: اصبحت مصالح العالم مترابطة ومتشابكة. واصبحت البشرية على سطح الكرة الارضية كأناس موجودين على سفينة في عرض البحر. فإما ان نغرق جميعا، واما ان ننقذ انفسنا جميعا. هذا هو وضع البشرية في عصر العولمة. ولهذا السبب شكلت المنظمات المضادة للعولمة الليبرالية التي لا تفكر إلا في الربح والفائدة والجشع. لقد تشكلت لكي تدافع عن المجتمع المدني في شتى أنحاء العالم: أي المجتمع المدني العالمي الذي يتجاوز القارات والقوميات. وهذا نوع من التفكير الجديد فعلا وما كان موجودا في السابق. في الماضي كنا فقط نهتم بالمشاكل داخل اطار الدولة القومية الواحدة. اما الآن فاننا نفكر فيها على مستوى العالم كله. وهنا تكمن احدى السمات المميزة للقرن الواحد والعشرين. وبهذا السبب فان الباحثين يتحدثون اليوم عن الحركات الاجتماعية الدولية وليس فقط عن الحركة الاجتماعية الاوروبية، او العربية، او الهندية، او الصينية، او الروسية، او الامريكية، والافريقية ... إلخ. وهي حركات ذات فروع منبثة في مختلف انحاء العالم. ان هذه الحركات العابرة للقارات والقوميات كثيرة، ولكن لا يوجد مواطنون عالميون كثيرون لتشكيل المجتمع المدني العالمي بالمعنى العميق للكلمة. لا ريب في انه يوجد مواطنون عديدون ينتمون الى مختلف اقطار العالم ويتحدثون عن قضايا العولمة ومشاكلها. ولكن حقوق وواجبات المواطنية على المستوى العالمي لم تحدد جيدا بما فيه الكفاية حتى الآن. وذلك لانه لا توجد دولة عالمية واحدة ولا ثقافة واحدة، وانما دول عديدة وثقافات عديدة. ولكن على الرغم من ذلك فان مكانة المجتمع المدني أو دوره في الشئون الدولية قد ازداد كثيرا بعد انتهاء الحرب الباردة. فلماذا حصل ذلك؟ بعض الباحثين يعزون الظاهرة لأسباب ثلاثة، أولها ان الناس في السنوات الاخيرة فقدوا أملهم في النظام الليبرالي الرأسمالي على الطريقة الغربية. فلم يعد احد يعتقد بأنه يشكل مشروعا كونيا قادرا على تحقيق التنمية والقضاء على الفقر في العالم. لهذا السبب لجأوا الى منظمات المجتمع المدني لكي تخفف من آلام الفقراء وتجد حلولا لمشاكلهم بقدر الامكان. وثانيها هو انه حصلت مؤخرا ثورة في نظرية العلاقات الدولية. فعندما يتحدث كوفي عنان مثلا عن «الدبلوماسية الجديدة» فانه يقصد بذلك ظهور دبلوماسية على مستوى العالم: أي دبلوماسية تليق بعصر العولمة. وأما الدبلوماسية القديمة فكانت تحصر اهتمامها بهذا الجزء أو ذاك من مناطق العالم. بدءا من القرن الواحد والعشرين لم يعد ذلك ممكنا. فكل مشكلة محلية لها أصداء عالمية وينبغي ان تدرس من خلال منظور عالمي واسع دون ان يعي ذلك نفي خصوصياتها المحلية. وبالتالي فقد اصبح البعض يتحدثون عن ضرورة وجود حكومة عالمية تتجاوز في اهميتها وقدراتها حكومات الدول القومية الموجودة. وهذا لا يعني الغاء الدولة القديمة كليا، وانما يعني تجاوزها في بعض الاحيان. والواقع ان الدولة القديمة في اوروبا اصبحت متجاوزة بعد تشكل الوحدة الاوروبية فيما يخص بعض المجالات. ولكنها لا تزال موجودة فيما يخص مجالات اخرى عديدة. فالدولة الفرنسية لم تنته بعد تشكل الاتحاد الاوروبي ومقدمته المركزية في بروكسيل. وقل الامر ذاته عن الدولة الألمانية، أو الانجليزية ... إلخ. والحكومة العالمية اذا ما تشكلت يوما ما سوف تكون أوسع من الاتحاد الاوروبي لانها ستشمل جميع دول العالم. في الواقع انها موجودة الآن بشكل ما من خلال الامم المتحدة ومجلس الامن. واما السبب الثالث الذي أدى الى زيادة الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في الشئون الدولية فهو انه جيد بالنسبة للأعمال والبزنس. فتجاوز الحدود القومية التي تفصل بين الدول واقامة شبكة من العلاقات الواسعة على مستوى العالم سوف يؤديان بالضرورة الى زيادة التبادلات التجارية كما الثقافية والسياسية. وأما الباحث الثاني المشرف على الكتاب جون غافنتا فيطرح الموضوع من وجهة نظر متشابهة ومختلفة في آن معا. وهو يعطي لدراسته التي تختتم الكتاب العنوان التالي «النضال المدني أو المواطني على المستوى العالمي: الدروس والتحديات». وهي دراسة قيمة وتلقي أضواء جديدة على الموضوع. ومنذ البداية يقول بأن نضال المواطنين عبر الكرة الارضية اصبح معترفا به كجزء لا يتجزأ من خطاب وممارسة السياسات الديمقراطية على الاقل على المستوى المحلي. فلا يوجد نظام ديمقراطي على وجه الارض إلا ويسمح للمواطنين بممارسة هذا العمل النضالي. وهم يقومون عبر المنظمات الجماعية، او الحركات الاجتماعية، او الحملات المدافعة عن قضايا فكرية او سياسية.. عبر كل ذلك يجد المواطنون الوسيلة لاسماع اصواتهم والتأثير على القرارات التي يتخذها الحكام. ولكن هذا النضال المدني اصبح يتجاوز حدود الدول القومية لكي ينتشر في شتى انحاء العالم. ولهذا السبب قال احد المفكرين العبارة التالية: «كما ان القومية كانت صاعدة في أواخر القرن التاسع عشر، فإن المواطنية العالمية أصبحت صاعدة في أواخر القرن العشرين». بمعنى آخر: لقد أصبح الاطار القومي ضيقا بالقياس الى هموم الحركات الاجتماعية الجديدة وطموحاتها. فحياتنا اصبحت متأثرة بظاهرة العولمة شئنا أم أبينا. نعم ان حياتنا اليومية متأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر بممارسة الشركات المتعددة الجنسيات، وبالتجارة العالمية، وتدفق الرساميل المصرفية، ووسائل الاعلام الدولية، والسياسات التي تتبعها المنظمات الكبرى. ولم يعد أي حاكم يستطيع ان يغلق عليه ابواب دولته أو بلده ويقول: لا علاقة لي بالخارج او بما يجري في العالم. فالخارج اصبح يدخل عليه الى عقر داره غصبا عنه. كان بعضهم يقول: فكر عالميا، واشتغل محليا. ونحن نقول العكس: فكر محليا بالتأثيرات التي قد تحدثها المؤسسات والقوى الدولية عليك، ثم حاول ان تعمل عالميا من خلال التأثير عليها لكيلا يكون تأثيره عليك سلبيا أو ضارا. من يستطيع أن يخطط لبلده اقتصاديا الآن دون أن يأخذ بعين الاعتبار تأثير المنظمات الدولية عليه كالبنك الدولي مثلا، او صندوق النقد الدولي، أو منظمة التجارة العالمية؟ وبالتالي فالعمل العالمي أو الشمولي يعني عملا يمارس تأثيره على المؤسسات الدولية أو ضد المؤسسات الدولية. ونقصد بها المؤسسات التي تؤثر سياساتها وبرامجها على أي عمل محلي أو سياسة محلية. وبالتالي فالقومي أو حتى الاقليمي اصبح متأثرا بالضرورة بالعالمي. ولهذا السبب شهدنا في السنوات الاخيرة بعض المظاهرات الاجتماعية الضخمة الموجهة ضد العولمة الرأسمالية ومؤسساتها الكبرى التي تتحكم باقتصاد العالم. نذكر من بينها المظاهرة التي نظمتها القوى المضادة للعولمة في بريطانيا عام 1998 ضد اجتماع الدول السبع أو الثماني الكبار في العالم. وهي الدول الصناعية التي تسيطر على مقدرات البشرية. وقد شارك فيها حوالي الستين ألف شخص وطالبوا بالغاء ديون العالم الثالث أو شطبها تماما. وفي عام 1998 أيضا تظاهر مئتا ألف من الفلاحين والعمال والمثقفين في مدينة حيدر اباد بالهند ضد سياسات منظمة التجارة العالمية ومظاهرات ايضا في «سياتل» ثم في «جنوة» بايطاليا والتي انتهت بالعنف والدم