فرانسوا ثوال هو احد الاخصائيين الأوروبيين المعروفين في ميدان الابحاث الجيوسياسية. وقد أولى اهتمامه بشكل خاص لمنطقتي آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وكان قد نشر عام 1997 كتابا تحت عنوان «ملخص جيو سياسي لمنطقة الخليج» كما نشر بالاشتراك مع اندريه دوليه كتابا آخر تحت عنوان «الشرق الاوسط ومشكلة المياه»، وقد بلغ مجموع مؤلفاته حوالي ثلاثين عملا أغلبيتها في مجال الاستراتيجيات والجيوسياسة. العالم المفتت هو كتاب جديد يخص دراسة ظاهرة التشظي الجيو سياسي التي تشهدها عدة مناطق في العالم، حيث يرى المؤلف في هذه الظاهرة وسيلة جديدة للسيطرة ولكن هل هي فعلا ظاهرة جديدة.. أولم يكن من الشائع تطبيق قاعدة فرق تسد من قبل السلطات الاستعمارية من اجل احكام سيطرتها على الشعوب الاخرى؟! بكل الاحوال يرى المؤلف بأن القوى الكبرى تلجأ اليوم الى مثل هذه الطريقة من اجل تأمين رقابتها وهيمنتها على الشعوب الصغيرة المنكفئة على نرجسيتها بحثا عن هويتها وعن تطلعها نحو الاستقلال. ظاهرة تفتت العالم تبدو جلية عبر ملاحظة سريعة وبسيطة وهي انه كان يوجد عام 1945 اي عند نهاية الحرب العالمية الثانية 50 دولة في العالم وهناك اليوم حوالي مئتي دولة. ان اسئلة عديدة تطرح في هذا الاطار، اذ مع ماذا يتناظر مثل هذا التفتت؟ ومن هي القوى التي تكمن وراء تفتيت العالم؟ ومن يستفيد من هذه البلقنة المعممة؟ وهل تشكل هذه الظاهرة عاملا في احلال السلام بفضل تزايد عدد القوى العاجزة عن دخول نزاعات ام هي عامل في الحروب بسبب الامكانات المتزايدة للمجابهات! اذا كان عدد دول العالم قد ازداد بنسبة اربعة اضعاف منذ اواسط القرن العشرين فإن الجغرافيا السياسية للعالم قد شهدت خلال قرنين من الزمن تحولا كبيرا، اذ وفي مكان الامبراطوريات الاثنتي عشرة التي كان يتألف منها العالم اصبح هناك عدد كبير من الكيانات القومية ذات البنى الهشة غالبا ولكنها مع ذلك هي بمثابة دول ذات سيادة حسب القاموس المستخدم في ميدان العلاقات الدولية. ان مؤلف هذا الكتاب ينطلق من هذه الملاحظات الصغيرة حول تفتيت العالم على اساس مفهوم السيادة الذي تبنته مجموعات بشرية جعلت من الاستقلال السياسي قيمة عليا بالنسبة لها، وعلى اساس هذه الملاحظات يقوم المؤلف بتحليلات فيها الكثير من الجّدة أدت به الى طرح اسئلة جوهرية حول آليات عمل العولمة وتنظيم العالم. وكذلك حول العلاقات بين الدول والامم المختلفة مع ما تنطوي عليه هذه العلاقات من مفاهيم القوة والامن والحرب والسلام، بكل الحالات هناك عدة تفسيرات بخصوص هذه الظاهرة التي يرى البعض ان اصلها يعود الى «الصدفة» التي تقوم على اساسها الحرب والفتوحات وتغير الانظمة والهزائم والمعاهدات وعلى اساس هذه الامور كلها تتشكل الدول او تنحل ويعيدها آخرون الى مبدأ الضرورة الذي يدفع مجموعة من البشر الى المطالبة باستقلالها السياسي باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، ويقول بعض آخر بأن مبدأ تفتيت العالم الى كيانات صغيرة انما يقوم على مفهوم الانانية حيث تريد كل مجموعة بشرية معينة بمحاولة الاحتفاظ بثرواتها لنفسها دون مشاركة الآخرين بها خاصة اذا كانوا غير مفيدين للبلاد هذا وتشكل المنفعة الاساس الرابع لتفسير ظاهرة تفتت العالم وحيث ان القوة الكبرى تعمل بوعي وتصميم على تجزئة العالم عبر استخدام مختلف اشكال الخصوصيات القومية والعقائدية وغيرها من اجل تأمين سيطرتها السياسية والاقتصادية. لكن ومهما اختلفت المدارس والتفسيرات يظل القرن العشرين بمثابة قرن النزعات الانفصالية وتفتيت العالم، الامر الذي كانت له نتائجه المباشرة والعميقة على العلاقات الدولية، ومن اولى النتائج المهمة واقع ان الاقوياء ازدادوا قوة والضعفاء ضعفا. ان هذا الكتاب يندرج في الواقع في اطار سلسلة من الاعمال الكبرى التي جعلت من مسألة تنظيم العالم موضوعا وذلك بدءا من كتاب المؤرخ الامريكي الشهير بوب كندي الذي نشره في أواخر فترة الحرب الباردة حيث كانت لا تزال تسود الثنائية الدولية بين معسكرين رأسمالي وشيوعي وكان الكتاب المعني يحمل عنوان حياة الامبراطوريات وموتها وكان كتاب المفكر الامريكي ذي الاصل الياباني فرنسيس فوكوياما الخاص باعلان الانتصار النهائي لليبرالية مع ما رافق هذه الاطروحة من واقع يؤيدها عبر الازدهار الكبير الذي شهدته البلدان الغربية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومته، لكن المفكرالامريكي صموئيل هنتنجتون حدد انقساما جديدا في العالم سيؤدي حسب رؤيته الى ما اسماه بتصادم الحضارات وهذا هو نفس العنوان الذي اختاره لعمله الشهير حول هذا الموضوع. وكان الفرنسي جون كريستون روفان قد قدم عملا تحت عنوان الامبراطورية والبرابرة الجدد قال فيه يوجد انقسام آخر بدلا من انقسام الشرق ـ الغرب خلال عدة عقود من الزمن وهو الانقسام بين الشمال ـ الجنوب، اضف الى هذا كله صدور كم كبير من الكتب جعلت من العولمة او الاقليمية او من احادية السياسة الخارجية الامريكية موضوعا لها. هذه الآراء كلها تبدو بالنسبة لمؤلف هذا الكتاب آراء تبسيطية بل وانها كاريكاتورية قامت وسائل الاعلام بنشرها لدى الرأي العام الذي تبناها الى هذه الدرجة وتلك ثم انها اي الآراء ليست كافية لادراك حقيقة نزاعات مثل تلك التي شهدتها مناطق البلقان والشرقان الادنى والاوسط وافريقيا وهناك ايضا احداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن التي تتطلب الغوص بعيدا في تحليل واقع العالم وبناه من اجل ايجاد بعض المرتكزات الثابتة التي تساعد على الفهم والتحليل. ان الرؤية التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب هي اكثر تعقيدا وهي تنطلق من واقع عملية انقسام جديد للعالم من قبل الدول. هذا الى جانب توزع غير متكافيء بين مجموعتين تضم احداهما قلة من القوى ـ الدول ـ المسيطرة بينما تشمل الاخرى اغلبية الدول الخاضعة لسيطرة المجموعة الاولى، واذا كان فرانسوا ثوال يؤكد على وجود استراتيجية «فرق تسد» لدى القوى الكبرى فإنه يبين ايضا بأن عوامل اخرى اشرنا لها سابقا وتتمثل في «الصدفة» و«الضرورة» و«الانانية» و«المصلحة» قد فعلت فعلها من اجل بروز دول جديدة في اوضاع لها «خصوصياتها» دائما. في المحصلة يبدو هذا الكتاب بمثابة «قراءة اخرى» للعولمة بالاعتماد على رؤية جيوسياسية ذات منظور تاريخي يفسر المؤلف على اساسه عملية التجزئة التي تعرضت لها كيانات الماضي الكبرى، هذا مع التأكيد على ان اشكالاً جديدة من التبعية قد نشأت بفعل حركة شهدها العالم خلال العقود الاخيرة خاصة وباتجاهين متناقضين تقريبا يتمثلان في العولمة من جهة وفي التجزئة من جهة اخرى. ان المؤلف يقوم في الفصول الاولى من الكتاب بدراسة مجموعة من «الحالات العيانية» في مختلف قارات العالم بنية شرح آليات التطور التاريخي التي عرفتها باتجاه افق التجزئة والتفتت. هكذا يقوم بدراسة الحركات الانفصالية التي شهدتها القارة الامريكية «العالم الجديد» خلال سنوات 1785 ـ 1820 على قاعدة السعي للاستقلال عن الامبراطوريات الانجليزية والبرتغالية والاسبانية «المكتشفون الذين استعمروا»، وكذلك دراسة عملية التحلل الطويلة التي عرفتها الامبراطورية العثمانية من خلال «تفتيت مناطق البلقان» و«بلقنة العالم العربي» ويشير المؤلف ضمن هذا الاطار الى قيام الباحثين المهتمين غالبا بايجاد نوع من التشابه بين العالم العربي الحديث وامريكا الاسبانية من حيث المصير الذي آلت المنطقتان له ففي الحالتين تسود لغة واحدة تقريبا ومعتقد ديني غالب واستعمار واحد ـ العثماني او الاسباني.. ومع ذلك كله شهد هذان المجالان الجغرافيان ولادة عدد كبير من الدول وهي دول متنافسة في اغلب الاحيان وحيث ان المنطقة كلها باستثناء المغرب الذي لم يخضع ابداً للباب العالي العثماني، كانت تحت السيطرة العثمانية ولفترة طويلة من الزمن، منذ القرن الخامس عشر وحتى مطلع عقد العشرينيات في القرن العشرين. ويرى المؤلف بأن بدايات انسحاب الامبراطورية العثمانية من منطقة البلقان في القرن التاسع عشر قد انعش الاطماع الاوروبية حيال العالم العربي ـ الجزء العربي من الامبراطورية العثمانية ـ هذا لاسيما وان هذه المنطقة من العالم كانت تفتح لهم بوابات افريقيا واسيا وحيث كان مشروع التوسع الاستعماري الاوروبي يتجسد على ارض الواقع لكن في الوقت نفسه تزامنت المشاريع الاستعمارية مع وجود تنافس قوي بين فرنسا وانجلترا خاصة في تطلعاتهما نحو العالم العربي، هكذا واعتباراً من عام 1830 قامت فرنسا باحتلال الجزائر ثم تونس عام 1880 وفرضت حمايتها على المغرب عام 1912، اما النفوذ الانجليزي فقد تركز على حوض النيل، اي مصر والسودان واتمت ايطاليا المشهد الاستعماري عبر السيطرة على ليبيا، كما حاولت اسبانيا القيام بمغامرة استعمارية جديدة من خلال احتلال مناطق في شمال المغرب والشاطيء الاطلسي له.. وفي عشية الحرب العالمية الاولى لم تكن الامبراطورية العثمانية تسيطر من العالم العربي سوى على الشرق الاوسط ـ المشرق ـ وشواطيء شبه الجزيرة العربية. وفي مطلع عقد العشرينيات كان السواد الاعظم من العالم العربي قد انتقل من الوصاية العثمانية الى وصاية الاوروبيين الذين مارسوا سيطرتهم السياسية بوسائل مختلفة مثل الانتداب والحماية والاستعمار، لكنه وهذا ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب وابعد من التسمية القانونية لشكل الهيمنة الاوروبية مارس الاوروبيون دوراً مركزياً على صعيد رسم الحدود في المنطقة العربية التي كانت قد تحررت للتو من السيطرة العثمانية، هذا وقد لعبت لندن بشكل خاص دوراً واضحاً في رسم الحدود الداخلية التي اصبحت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بمثابة حدود يعترف فيها القانون الدولي. يقول المؤلف: ان لندن قد صاغت ـ نحتت ـ الجزء الاكبر من العالم العربي، باستثناء المغرب، وحضرت بذلك ونظمت عملية التجزئة القادمة، ويفتح المؤلف هنا قوسين ايضا ليشير بأن السعودية كانت ايضا بمثابة استثناء في هذه السيرة التطورية حيث انها كانت قد بدأت تتشكل عبر ديناميكية خاصة منذ الحرب العالمية الاولى انطلاقا من نجد. ومن خلال قراءة تاريخية لمجمل التطورات التي شهدها العالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الاولى وحتى الآن يخلص المؤلف الى القول بأن هذا العالم العربي الذي حلم دائما بالوحدة ـ لم يتوقف عن الانقسام حدودياً، ويجد المؤلف تفسير هذا الواقع المفتت في عدم التجانس السوسيولوجي والجغرافي والطائفي احيانا، ولكن ايضا بسبب الاستراتيجيات المتعاقبة للدول التي خلفت الامبراطورية التركية ـ فرنسا، وانجلترا وايطاليا، هكذا ادت عمليات الانطفاء المتعاقبة للامبراطورية العثمانية في البلقان والقوقاز والعالم العربي الى الشروع بمسيرة «تفتيت» استمرت 90 عاماً بالنسبة للجزء الاوروبي كما يحدد المؤلف قرنا ونصف القرن للمناطق الاخرى التي كانت تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية، وقد اجتمعت مسائل الهوية والمصالح الاقتصادية كي يتم استخدامها من قبل القوى الاوروبية الكبرى في منظور ايجاد دول جديدة تخدم مصالحها ومشاريعها. وعلى غرار دراسة آليات «تفتيت» العالم العربي يتعرض مؤلف هذا الكتاب لدراسة حالات اخرى مثل انهيار الامبراطورية النمساوية ـ الهنجارية والحكم القيصري في روسيا. وفي جميع الحالات يطرح فرانسوا ثوال المسألة في اطارها التاريخي ليختتم عمله بدراسة آليات تحلل «الفيدراليات الشيوعية». لكن هل يخبيء الأفق انقسامات جديدة في العالم؟ «ان مشاريع التفتيت الكبرى قادمة» هذا هو المنظور الذي يرسمه مؤلف هذا الكتاب للمستقبل