يعالج هذا الكتاب كما يدل عنوانه، مفاهيم الدفاع في أوروبا على ضوء السياق الاستراتيجي الجديد الذي اعقب انهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة. ان اعادة التأمل بالمفاهيم الدفاعية في أوروبا فرضه في الواقع بروز انماط جديدة من الازمات التي كانت حرب كوسوفو والازمات التي عاشتها منطقة يوغسلافيا السابقة اهم الامثلة البارزة عنها وحيث ان ازمة كوسوفو استدعت تدخل الحلف الاطلسي عسكريا ضد صربيا ورئيسها آنذاك سلوبودان ميلوسيفيتش الذي تتم محاكمته اليوم بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. وخلال حرب كوسوفو عام 1999، ادرك الاوروبيون مدى هشاشة امكانياتهم بالقياس الى الامكانيات الكبيرة التي تملكها الولايات المتحدة الامريكية.. لقد كان هذا الدرس دافعا كبيرا لدى الاوروبيين من اجل اعادة النظر بشكل جدي وعميق في مفاهيمهم الدفاعية وفي امكانيات اعادة النظر بتوجهاتهم وسياساتهم على صعيدي الدفاع والامن ولا سيما على صعيدين اساسيين يخصان الوسائل والتجهيزات والخطط من جهة والاطارات التي يعمل الاوروبيون ضمنها مثل المنظمات الدولية للأمن والدفاع وعلى رأسها منظمة شمال الاطلسي. ان الموضوع الاساسي لهذا الكتاب الصادر عن مؤسسة التوثيق الفرنسية التابعة لوزارة الخارجية يخص المفاهيم الدفاعية الاوروبية وتحولاتها في الفترة الواقعة بين توقيع اتفاقية ماستريخت عام 1997 وحتى قمة نيس في جنوب فرنسا خلال شهر ديسمبر من عام 2000، ومما يتفق عليه الجميع هو ان هذه الفترة قد شهدت تطورات مهمة في المشهد الامني والدفاعي الاوروبي وفي مواجهة هذه المتغيرات يبدو بوضوح ان الدول الاوروبية تميل نحو ايجاد صيغة دفاعية مشتركة على صعيد دول اوروبا الغربية بالطبع. وذلك بعد فترة من النزاعات الداخلية غير المعلنة على صعيد المفاهيم الامنية وخاصة على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية والحلف الاطلسي وحيث كانت بريطانيا والمانيا تميلان «تاريخيا» للانصياع وراء القيادة الامريكية بينما كانت فرنسا تؤكد على اهمية ايجاد مفهوم دفاعي اوروبي مستقل بالتنسيق مع الولايات المتحدة والحلف الاطلسي. تجدر الاشارة هنا الى ان الجنرال شارل ديجول كان قد اخرج بلاده من البنى العسكرية للحلف الاطلسي منذ اواسط عقد الستينيات الماضي مؤكدا آنذاك على استقلالية الصوت الفرنسي في تأمين الدفاع الاستراتيجي عن البلاد. وتبحث المساهمات المختلفة في هذا الكتاب عن توجهات مختلف دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة والنتائج التي ترتبت على هذه التوجهات على الصعيد الامني الاوروبي، وخاصة الاتفاق على انشاء قوة عسكرية دفاعية اوروبية. لكن المؤلفين يتفقون تقريبا بالاجماع على ان الفرق لا يزال كبيرا بين الطموحات الدفاعية الاوروبية وبين واقع ما تحقق على الارض من هذه الطموحات، على الاقل يبدو ان هناك وعيا كاملا بالتحديات المطروحة على اوروبا في سياق ما بعد الحرب الباردة