عمل الكسندر ليدرمان لفترة طويلة في اطار العمل الانساني الذي نظمه الممثل الكوميدي الفرنسي الراحل «كولوش».. وقد تمثل ذلك العمل بتأسيس سلسلة من المطاعم، التي تقدم الطعام مجانا عمليا للبؤساء والذين لا يستطيعون تأمين سبل عيشهم.. وقد سميت تلك السلسلة باسم «مطاعم القلب» هذا وكان الكسندر ليدرمان مؤلف هذا الكتاب قد اصدر عملا سابقا نال شهرة كبيرة تحت عنوان «رأس مال القلب». هذا الكتاب الجديد «كان المستقبل تاما تقريبا» هو بمثابة «تحقيق حول العولمة» حيث ان مؤلفه امضى قرابة عام ونصف العام وهو يتجول في ارجاء العالم من «سياتل» الى «دافوس» ومن بكين الى نيويورك ومرورا بمحطات كثيرة مثل برشلونة وسنغافورة وبوسطن. وقد قابل اثناء اسفاره بعض الرموز الكبيرة الفاعلة في العولمة، ويحاول في التحليلات التي يقدمها التنقيب عن الجذور التاريخية لظاهرة العولمة وخصوصياتها كما شرحها علماء وباحثون من مختلف المشارب والاهتمامات، وقد حرص المؤلف على ان يشرح وبدون تحيز ابعاد ورهانات هذه «الثورة الجديدة» كما يسمي «العولمة». انه يعرض ويستعرض مختلف الآراء بذهنية منفتحة بعيدا عن «الكليشيهات» التي تندد بالعولمة «البربرية» او التي تمجد بها على اساس انها ستجلب الرفاه والازدهار للجميع. ان المؤلف يقوم اذن برحلة في «قلب العولمة» وكان وراء فكرة هذه الرحلة «رسالة الكترونية» التقطها عبر «شبكة الانترنت» وتضمنت موقفا داعما من قبل احد الامريكيين لاصدقاء «جوزيه بوفيه» المناضل الفرنسي المعروف ضد العولمة والذي ذهب مؤخرا الى «رام الله» في فلسطين لاعلان تضامنه مع الرئيس الفلسطيني المحاصر ياسر عرفات.. وكانت رسالة دعم المواطن الامريكي لاصدقاء «بوفيه» مشفوعة بحوالة مالية بالدولار كمساهمة في جمع المبلغ المطلوب لتخليصه من السجن. ان الدلالة الرئيسية التي وجدها مؤلف هذا الكتاب لـ «الرسالة الالكترونية» تمثلت في اظهار اهمية عدم الانسياق وراء «الكليشيهات» السائدة حاليا، و بشتى الاتجاهات.. ومن هنا تحديدا نشأت فكرة هذا الكتاب. ومن الدروس الأولى التي يرى المؤلف بأنه قد تعلمها، من خلال رحلته في «عالم العولمة» ادراكه بأن المحاكمات العقلانية وآليات التفكير في اطار العولمة انما هي شديدة التباين والاختلاف، فمفهوم الزمن مثلا لا يمتلك السرعة نفسها اذا تم النظر له من نيويورك او بروكسل او الصين.. بل ان بعض البلدان تحرص على محاكاة عصر السرعة بينما الى بلدان اخرى لم تدخله اصلا.. وعلى قاعدة مفهوم السرعة والتسارع، يناقش مؤلف هذا الكتاب تصريحات الرئيس الامريكي جورج بوش عندما تحدث بعد احداث 11 سبتمبر 2001 عن هجمات ضد اهداف في افغانستان.. وضمن الاطار نفسه ايضا يقارن بين المفهوم الامريكي لـ «الضربات الجراحية» الذي ظهر اولا اثناء حرب الخليج التي تم تجريبه واقعيا فيها ليتم اللجوء له ايضا فيما بعد اثناء حرب كوسوفو وبين مفهوم استراتيجي آخر يعود عمره لآلاف السنين ذكره له في احدى المقابلات محاور صيني حيث قال: «ان شن مئة معركة وتحقيق مئة انتصار، امر جيد، ولكن هذا ليس افضل الاحتمالات اذ ان التوصل ودون معركة الى تجميد جيش العدو في مكانه هو الامر الممتاز» وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان الاستراتيجيات الحديثة الامريكية منها او الصينية الشيوعية، تستقي الكثير من دروسها مما كان قد جاء به الاستراتيجي الصيني الكبير «صن تسو» قبل خمسمئة سنة من الحقبة الميلادية. هكذا تبدو العولمة وكأنها قد ساهمت في زيادة ايقاعات تسارع تبادل المعلومات والمعارف والمنتوجات ولكنها في الوقت نفسه لا تعمل على انهاء الفوارق وانما قد تعمقها. ان مؤلف هذا الكتاب يسهب طويلا في وصف جزئيات صغيرة من اجل ان يرسم اجواء «العولمة» اذ لعل التحضيرات التي رافقت انعقاد قمة «سياتل» في شهر نوفمبر من عام 1999 كانت بمثابة مؤشرات على واقع العولمة عبر اجراءات الامن وجموع الصحفيين من كل القارات.. الخ، بقدر ما جرى في القمة نفسها، او ليس من ابرز مظاهر العولمة تأمين العلاقة مع العالم عبر بث الاخبار مباشرة؟ ومن خلال «الاشياء الصغيرة» ايضا يقارن المؤلف بين «قيم» العولمة و«قيم» الثقافات المتوارثة منذ عدة اجيال.. انه الفرق بين «العابر» و«الابدي» على حد تعبيره. الفرق بين كأس من عصير البرتقال مصنوع من مواد كيماوية او من برتقالة جرى عصرها. ويرى المؤلف بأن البون شاسع بين الحالتين انه بون ثقافي ينطلق من «برتقالة» لكنه يصل الى مفاهيم «الهوية» نفسها نقطة الانطلاق في مثل هذا الشرح كانت واقعة صغيرة حين طلب مؤلف الكتاب كأسا من عصير البرتقال في استراحة المقهى حيث كانت تجري قمة سياتل فجاءه النادل بعصير مصنوع من مواد كيميائية فأصر من ناحيته ان يكون عصير برتقالة حقيقية. «كان النادل لا يأبه سوى بشيء واحد هو التجارة دون الاهتمام بمصدر الاشياء والسلع، اما انا فقد كانت رغبتي بالبرتقالة نتيجة تقاليد اسرية وموروث ثقافي». وعلى اساس شرح الفرق بين «الموروث الثقافي» وبين الانسياق مع المنطق التجاري الذي دفع النادل الى اعتبار الـ «ما يشبه» بمثابة «الحقيقي» يعطي المؤلف تعريفا للعولمة على أنها «برتقالة». ويقارن المؤلف على مدى فصل كامل بين رؤيتين للعولمة وما تفرضه من انتماء للحداثة هي الرؤية الامريكية والرؤية الاوروبية. وفي لقاء مع احد صحفيي قناة الـ «سي.ان.ان» الاخبارية الامريكية الشهيرة قال هذا الصحفي: «انني اعرف أوروبا جيدا، اذ سبق وعملت في محطة ال« بي بي سي» واعرف الكثير من الفرنسيين، انكم مصابون دائما بأعراض مرض الوهم الكبير والاسوأ انكم لا تهتمون سوى بالجانب الاخلاقي، انكم تعانون من 50 سنة تخلفا عنا» وفي المحصلة يؤكد المؤلف بأن الامريكيين يرون ان «القارة القديمة» ـ اي اوروبا ـ تشبه حاليا ما كانت عليه فرنسا عام 1940 التي لم تكن قد خاضت الحرب، وكانت تنقصها هذه التجربة، ما يهم في الموقف الامريكي هو «الانتصار» وليس حساب عدد القتلى». وضمن السياق نفسه يرى المؤلف في «سياتل» على الصعيد الاعلامي نقيض ما جرى اثناء حرب الخليج الاخيرة. فاذا كانت قناة الـ «سي ان ان» الاخبارية التلفزيونية الامريكية قد استأثرت بتغطية اخبار تلك الحرب وكأنها «لورنس العرب بنسخة جديدة» وحيث لم يكن احد يستطيع ان يكذب «الرواية» الامريكية للاحداث، فان «سياتل» قد شهدت وفود صحفيين من كل مكان لتغطية ما يجري في القمة وفي الشارع ايضا.. هكذا اذن قلبت العولمة بصيغة ما المعايير. واذا كان الامريكيون يرون ان اوروبا «متخلفة» عنهم فانهم يعتبرون انفسهم في الوقت نفسه بمثابة «ورثة» الفكر الانساني وخاصة «نسخته الاوروبية» ولم يتردد «تيم ليستر» احد مسئولي الـ «سي ان ان» في القول «ببساطة نحن هيجليون نسبة الى هيجل احد اهم فلاسفة اوروبا وصاحب المنطق الجدلي «البورجوازي» الذي قال ماركس فيما بعد بأنه قد وضعه على قدميه لأنه كان يمشي على رأسه بالمقلوب «ثم اضاف: «ان يكون المرء هيجليا يعني أن يتأقلم مع روح العصر ويفهم التيارات التي تزخر بها الثقافة الشعبية وايجاد افضل وسائل الاعلام لجذب انتباه الناس واقتراح قراءة لهم تستجيب لآمالهم واحلامهم. وكما كان الامر في سينما الامس وقد كانت هذه هي المهمة التي وضعها ابطال التاريخ الكبار امام اعينهم. ولنأخذ مثالا على ذلك نابليون، اننا اليوم ننجح في تحقيق ما كان قد صبا اليه». وهذا هو اذن فهم «العولمة» بالمعنى الذي اراده المؤلف عند اختياره لكتابه عنوانا يقول: «كان المستقبل تاما تقريبا» وبهذا المعنى ايضا كان الانتقال من وسائل الاتصال التقليدية الى شبكات الانترنت بمثابة التخلي عن ذهنية «صاحب الحانوت الصغير» الى آفاق السوق العالمية.. وهذا ما فهمه الامريكيون وحاولوا تطبيقه في ظل العولمة. ان هذا الكتاب عن العولمة يمكن قراءته في الواقع كرواية تجذب لها القارئ مهما كان موقعه الايديولوجي منها. رحلة في قلب العولمة من سياتل وحتى دافوس وبرشلونة ونيويورك