الباحث بيتر نايت الذي اشرف على هذا الكتاب الجماعي هو استاذ الدراسات الامريكية في جامعة مانشيستر في بريطانيا كما انه مؤلف كتاب بعنوان «ثقافة التآمر» وكذلك اشرف سابقا على تأليف كتاب بعنوان: «موسوعة نظريات التآمر الامريكية» وفي المقدمة العامة لكتابه الجديد يقول الباحث بان البعض في امريكا يفسرون التاريخ على اساس انه حصيلة مؤامرة كبرى لا اكثر ولا اقل وبصفته مختصا بالدراسات البريطانية والامريكية فانه طالما طرح على نفسه هذا السؤال: لماذا تبدو الولايات المتحدة، اذا ما قارناها بالامم الاخرى، مهووسة الى هذا الحد بافكار المؤامرة والبارانويا؟ وهناك جواب شعبي على هذا السؤال ولكني لا اتبناه يقول هذا الجواب: لا ينبغي ان نلوم الامريكان على الهوس بالمؤامرة او الخوف منها اذا كنا نراهم محاطين بالمكائد التي تهدف الى سلب حريتهم منهم واذا كان تأسيس الامة الامريكية ذاته كان نتيجة لمؤامرة كبرى وبما ان رموز التأمر موجودة في كل مكان في امريكا فان الامريكان يشعرون بالبارانويا: اي بجنون الاضطهاد وهذه البارانويا تشمل كل التاريخ الامريكي من حرب الاستقلال الى وصول عائلة بوش الماسونية الى الحكم او بالتالي فمصير امريكا كان محكوما في بدايته الى نهايته بمؤامرة دولية كبرى ولذلك انتقل الامريكان من النزعة المضادة للماسونية عام 1820 ـ 1830 الى النزعة المضادة للكاثوليكية عام 1840 ـ الى النزعة المكاراثية المضادة للشيوعية عام 1950.. وبالتالي فان الخوف من الغزو الخارجي او التسربات الخارجية هيمن على الساحة السياسية الامريكية طيلة عقود طويلة من السنين. ينبغي العلم ان السيناتور مكارثي راح يلاحق الناس في كل مكان بتهمة الشيوعية وراح يتوهم ان الشيوعية قد تسربت الى جميع المؤسسات الامريكية وتحول خوفه منها الى نوع من الهذيان والبارانويا الكاملة وقد ذهب الكثيرون في امريكا ضحية هذا الجنون ومن بينهم شخصيات سياسية كبيرة وموظفون عديدون لا علاقة لهم بالشيوعية على الاطلاق ولكنهم اتهموا بها ظلما وعدوانا ثم جاء مقتل كندي عام 1963 لكي يقوي من نظرية المؤامرة التي تهدد امريكا ويبدو ان الاوساط اليمينية المتطرفة هي المسئولة عن بث هذه النظرية واشاعتها في كل انحاء البلاد فهي تريد تخويف الناس لكي تسيطر عليهم بشكل افضل. ولكن البعض يقول بأن البارانويا السياسية ليست مرضا خاصا بامريكا فقط فنظام هتلر او ستالين تفوق على الامريكان في اشاعة جو المؤامرة والخوف من المؤامرة والكثيرون في الشرق الاوسط ايضا يفسرون التاريخ على اساس انه مؤامرة والكثيرون في العالم يعتقدون بان المخابرات المركزية الامريكية كانت وراء معظم الانقلابات التي حصلت في العالم الثالث كانقلاب الجنرال بينوشيه ضد سلفادور الليندي في تشيلي مثلا وبالتالي فامريكا التي تخشى على نفسها من المؤامرات هي التي تدبر المؤامرات للآخرين في الواقع ولكن الامريكان ينظرون الى الامور من زاوية معينة فهم يعتقدون ان تاريخهم كله ماهو إلا تاريخ الصراع بين الحضارة والبربرية وذلك منذ ان كانوا قد قضوا على الهنود الحمر، السكان الاصليين للبلاد ففي رأيهم ان الهنود الحمر هم اكلة لحوم البشر وقد ارسل الله العرق الابيض اي الامريكان للقضاء على الهنود الحمر والحلول محلهم وبالتالي فالهوية الامريكية قائمة على العرق الابيض البروتستانتي الاوروبي وكل ماعدا ذلك يشكل خطرا على هذه الهوية ولذلك خافوا من المؤامرة الكاثوليكية في بعض الفترات لان الكاثوليكيين يشكلون داخل المسيحية الاعداء التاريخيين للمذهب البروتستانتي وبالتالي فكل من ليس بروتستانتيا يعتبر خطرا محتملا على الهوية الامريكية. نقول ذلك مع بعض الاستثناءات بالطبع لأن عائلة كنيدي كاثوليكية وليست بروتستانتية، وربما كانت العائلة الكاثوليكية الوحيدة التي وصلت الى قمة السلطة في أمريكا. أما الرؤساء الآخرون من أمثال نيكسون وبوش وكلينتون وكارتر... الخ، فجميعهم من أصل بروتستانتي. وفي السنوات الأخيرة عادت نظرية المؤامرة الى الواجهة من جديد. أقصد النظرية التي تفسر التاريخ أو أحداثه المهمة على أساس انها ناتجة عن مؤامرة سرية تحاك في الظلام، فمثلا راحت السيدة هيلاري كلينتون تتهم الأوساط اليمينية الامريكية بالتآمر على زوجها اثناء فضيحة مونيكا لوينسكي، فمن المعلوم ان اليمين أراد محاكمته وإذلاله وتنحيته عن السلطة. وربما كانت نظرية المؤامرة صحيحة هنا، وهناك، وفي قضايا أخرى كمقتل كنيدي، ولكن التاريخ كله لا يمكن تفسيره عن طريق المؤامرة. ومعروف ان الافلام والمسلسلات البوليسية الأمريكية قائمة ايضا في معظمها على نظرية المؤامرة، والاغتيالات، والمخابرات، والقصص المرعبة... الخ. وكل ذلك يزيد من اشاعة جو المؤامرة في الأوساط الشعبية الامريكية. ولكن المشكلة هي ان الافلام الامريكية منتشرة في معظم بلدان العالم وتلقى رواجا كبيرا. وهذا دليل على ان الشعوب الأخرى تحب ايضا تفسير الاحداث على أساس انها مؤامرة سرية. وبالتالي فالأمر ليس مقصورا على الامريكيين، واحيانا ندخل في نوع من الهذيان أو البارانويا ونتخيل ان المؤامرة موجودة في كل مكان. والواقع ان بعض الباحثين أصبحوا يتحدثون الآن عن وجود ثقافة المؤامرة، وهي ثقافة منتشرة في مختلف الأوساط، وبخاصة الأوساط الشعبية. ولم تعد هذه الثقافة محصورة في الأوساط اليمينية المتطرفة كما كان عليه الحال في الماضي، وإنما أصبحت في السنوات الأخيرة تشكل بارانويا شعبية نصف جدية ونصف هزلية. وأصبح الناس يشتبهون على طول الخط بالرواية الرسمية للأحداث، سواء أكانت هذه عن السلطات الحكومية أو الهيئات العلمية العليا. فبعد عمليات الاغتيال السياسي في الستينيات انتشرت روايات المخابرات المركزية الامريكية في السبعينيات، هذا بالاضافة الى أزمة «ووترجيت» التي أطاحت بنيكسون. كل ذلك ساعد على ترسيخ نظرية المؤامرة باعتبارها أداة فعالة تستخدمها المعارضة السياسية، وأصبحنا نعيش في عالم وكأنه تسيطر عليه قوى خفية، قوى مرعبة قادرة على كل شيء، فهي تستطيع ان تتحكم بحياتنا، وعقولنا، وحتى أجسادنا. والخوف من ان نكون تحت رحمة مؤامرة كبرى ذات نوايا وأهداف غامضة راح يترسخ في الخيال الشعبي بشكل عميق. ولم تعد نظرية المؤامرة تعبيرا عن مخطط جهنمي هادف الى تضليلنا وتوريطنا فقط بقدر ما أصبحت حقيقة واقعة بشكل يومي، وبما ان قوى ومؤسسات العولمة تؤثر الآن على ملايين البشر عبر الكرة الارضية بأسرها، فإنه ليس من المدهش ان نشعر بأننا ضحايا مؤامرة سرية. وهذا الشعور أصبح منتشرا في أقطار العالم العديدة. ولكن العقلية الهذيانية، أي عقلية البارانويا التي ترى يدا خفية أو مخططا خفيا وراء كل حدث وفي كل مكان منتشرة في امريكا أكثر من غيرها من بلدان العالم.. لماذا؟ لأن الامريكي متعود على الاستقلالية والحرية الفردية أكثر من غيره. وبالتالي يصعب عليه ان يتقبل تدخل الحكومة في كل شاردة وواردة في حياته. وفي حين ان الشعوب الاخرى ترى في ذلك ميزة ايجابية لانه يعني اهتمام الحكومة بشئون الشعب ورفاهيته ورعايته، فإن الامريكان يرون فيه اعتداء على الحرية الشخصية، وبالتالي فإن خوف الامريكي في أن يكون واقعا تحت تأثير المحيط الاجتماعي والقوى الخارجية لا يمكن فصله عن الايديولوجيا الليبرالية الفردية. إن الدراسات التي يتضمنها هذا الكتاب تبين ان الفكر القائم على نظرية المؤامرة يشترك في خصائص عديدة مع الطرق الشائعة لتصور العلاقات بين الافراد والمجتمع في امريكا. فالباحث فريدريك جيمسون مثلا يرى ان هذا الفكر ما هو الا التصور المعرفي الفقير للانسان في عصر ما بعد الحداثة. انه عبارة عن نوع من السوسيولوجيا الشعبية التي يستخدمها الناس لفهم مجرى حياتهم في مجتمعات بلغت غاية التعقيد في عصرنا الراهن في الغرب وبخاصة في امريكا. كل شيء يحصل كما لو ان الانسان مضطر الى تفسير الظواهر عن طريق نظرية المؤامرة السرية التي لا يفهمها أو لا يستطيع ان يمسك بكل خيوطها. يضاف الى ذلك ان المعلومات في عصر ما بعد الحداثة أصبحت تنهال علينا من كل حدب وصوب، وبالتالي فلم يعد من السهل علينا ان نفرز الصحيح عن الخاطيء. وأصبح الانسان مضطرا الى تفسير ما يسمعه بحسب مداركه وسعة معرفته أو عدم سعتها، فماذا تصدق؟ وماذا تكذب؟ ومن يعرف ان يميز بين الصحيح والخاطيء في سيل المعلومات هذا؟ وبالتالي فمن السهل ان نقول بأن المؤامرة ناتجة عن عقلية هذيانية، عقلية البارانويا. هذا التفسير لم يعد كافيا الآن، فنحن نعيش في عصر تحركه أيد خفية، أو هذا ما نشعر به على الأقل. ونلاحظ ان الباحثين الذين شاركوا في تأليف هذا الكتاب تناولوا نظرية المؤامرة من مختلف النواحي. وقد كتب الفصل الأول باحث اسمه سكيب ويلمان وهو استاذ بريطاني في معهد جورجيا للتكنولوجيا. وبحثه هذا جزء من كتاب شامل يتحدث عن نظرية المؤامرة والمصادفة في ثقافة ما بعد الحداثة. وكان قد نشر سابقا مقالات عن الأدب المعاصر، ودراسات روائية حديثة. يرى هذا الباحث ان الانتشار الواسع لنظريات المؤامرة في التسعينيات قدم مادة غزيرة للمعلقين السياسيين والنقاد الثقافيين من أجل بلورة فلسفة متماسكة من حماقات البارانويا (أو الهذيان) بصفتها كأيديولوجيا. ففضح نظرية المؤامرة، أي تفسير الأحداث على أساس انها ناتجة عن مؤامرة سرية اصبح ممارسة شائعة وشبه اجبارية في السنوات الاخيرة. ولذلك حظي كتاب جيرالد بوسنر عن مقتل كندي بدعاية ضخمة في وسائل الاعلام فهو يرفض نظرية المؤامرة ويقول بأن قاتل الرئيس اوزوالد تصرف بمفرده ولم تكن هناك مؤامرة ولا من يحزنون.. وكان هدف المعلقين السياسيين في ذلك هو اعادة العقلانية الى ساحة الشعب والاوساط العامة لان التفكير المنطقي اصبح شبه معدوم بعد انتشار نظرية المؤامرة والقوى الخفية.. وهي نظرية تقوم اساسا على تفسير الاحداث بشكل لا منطقي ولا عقلاني، ولكن اذا كان القبول بنظرية المؤامرة بلا قيد او شرط مرفوضا، فان رفضها القاطع بحجة العقلانية والمنطق شيء مرفوض ايضا فالتاريخ ليس منطقيا كله ولا عقلانيا، وانما تلعب القوى اللاعقلانية والسرية دورا كبيرا فيه احيانا. ولا نستطيع ان نتجاهل الدور الذي تلعبه الأجهزة السرية من خلف الستار فمؤامرتها ومخططاتها اصبحت شيئا معروفا وملموسا ويعبر عن حقيقة لا عن وهم، وهناك بحث كتبه تيموثي ميلي استاذ الادب الامريكي في جامعة ميامي، وكان قد اشتهر سابقا بتأليف كتاب بعنوان: امبراطورية التآمر او المؤامرة: ثقافة البارانويا في امريكا ما بعد الحرب الباردة. يرى هذا الباحث ان نظرية التآمر غدت الثقافة السياسية للولايات المتحدة في الفترة الجمهورية الاولى الى الوقت الحاضر وفي بعض الاحيان كانت ذات تأثير عميق على الرأي العام الشعبي، ولكن تأثير هذه النظرية لم يكن في اي يوم من الايام كبيرا كما هو عليه الحال الآن. فقد قال احد الكتاب الامريكيين مؤخرا: لقد دخلنا في عصر التآمر، وهو عصر يتميز بالروابط والعلاقات السرية، وقد شاعت هذه النظرية وازدادت اهميتها في فترة ما بعد الحرب الباردة. واصبح الامريكان ينظرون الآن الى احداث عديدة بصفتها ناتجة عن المؤامرة، نذكر من بين هذه الاحداث: الصراعات السياسية والحروب الاهلية او التحقيقات والتحريات البوليسية، او القضايا القانونية، او النشاطات الحكومية وانواع اخرى من الظواهر والاحداث كل هذا اصبح الناس يعتقدون انه ناتج عن مؤامرة سرية. فالحرب الاهلية اللبنانية مثلا ناتجة عن مؤامرة سرية حاكتها او نسجت خيوطها ايدي المخابرات الاسرائيلية والامريكية، وقس على ذلك.. اما الباحث دوجلاس كلينير فقد كتب فصلا بعنوان: الافلام البوليسية ونظرية التآمر ويمكن ان نقول ايضا «الملفات السرية ونظرية التآمر تشخيص نقدي او دراسة نقدية». وفيه يحلل المسلسلات البوليسية الامريكية والتحقيقات السرية التي تقدم بها اجهزة اف.بي.آي ومنذ البداية يطرح المؤلف هذا السؤال: هل دخلنا في عصر التآمر والبارانويا؟ فالكتب والمسلسلات التلفزيونية التي تتحدث عن الكائنات الغريبة، وعمليات الخطف والملاحقة والاغتيال اصبحت رائجة جدا في امريكا. ونادرا ان ترى مسلسلا تلفزيونيا الا وهو يتحدث عن هذه الموضوعات التي تأسر انتباهك كمشاهد منذ البداية وحتى النهاية، والواقع ان ذلك يعكس نوعا من الازمة المتزايدة، في المجتمع الامريكي وانعدام الثقة بمؤسساته، فانتشار مثل هذه الظواهر ليس دليل صحة وعافية. ما هو سبب ذلك يا ترى؟ يعتقد الباحث المذكور ان جملة الاحداث التي حصلت في الستينيات والسبعينيات جعلت المجتمع الامريكي يفقد ثقته بنفسه نذكر من بين هذه الاحداث ما يلي: مقتل الرئيس كندي واخيه روبرت كندي عندما كان مرشحا لرئاسة الجمهورية، ثم اغتيال قادة الاقلية السوداء المناضلين ضد التمييز العنصري، في طليعتهم مالكوم اكس، ومارتن لوثر كنج، ثم مقتل قادة منظمة النمور السوداء، وقد امتدت اصابع الاتهام في الغالب نحو مكتب التحقيقات الفيدرالي، والمخابرات المركزية الامريكية بصفتهما الجهتين المسئولتين عن عمليات الاغتيال هذه. وهكذا اصبح كل الناس يخشون كل الناس، ولم يعد احد يثق بأحد، كل واحد اصبح يرى الايادي الخفية تلعب في كل مكان، على هذا النحو انعدمت الثقة بالمؤسسات الامريكية واصبح الناس يفسرون كل شيء عن طريق نظرية المؤامرة حتى لو كان حدثا طبيعيا او عاديا. اما الباحث جون أ. ماكلور فقد كتب الفصل الاخير تحت عنوان: نسيان المؤامرة. والباحث المذكور هو استاذ الاداب الانجليزية في جامعة روتجيرز وكان قد نشر سابقا كتابا بعنوان: «كيبلنج وكونراد: الادب الروائي الكولونيالي. وقد كتب مؤخرا عدة دراسات حول عودة الدين في ثقافة ما بعد الحداثة. يرى هذا الباحث ان الادب الامريكي المعاصر وكذلك السينما والتلفزيون كلها مليئة بقصص المؤامرات، معظم هذه القصص تعتمد على مجموعة خاصة من الفرضيات، والحاجات والصياغات الروائية، فالمؤامرات تحولها المجموعات السرية الحاقدة والمتواجدة في آن معا في العالم الرسمي والمناطق الخارجة عليه. في الواقع انها تشكل خطرا على الثقافة الديمقراطية والمصلحة العامة، ومقاومتها تشكل عملا محفوفا بالمخاطر وهو عمل يقوم به بعض الافراد البطوليين المرتبطين غالبا بالمؤسسات الأمنية. وهذه المؤسسات تمتلك عادة سلطات استثنائية، اخلاقية وفكرية في آن معا، ان هؤلاء الافراد الاستثنائيين قادرون على اختراق المجموعات السرية الارهابية وعلى كشف مخططاتها ومؤامراتها. وهكذا يجنبون المجتمع خطرها وشرها.