بيان الكتب: يواجه كورتيا نيولاند هذه الكلمة لمن يسعون الى النجاح فيما يسميه بصناعة النشر المضللة حيث يقول: «من واجبكم ان تلزموا الحذر تجاه الميول الشائعة في مجال الكتابة. عن نفسي فإنني أتمنى أن أستمر في نشر أعمالي حتى لو بلغت الاربعين. لكنني لا أسعى على الاطلاق لان تواكب كتابتي آخر الصيحات في مجال الكتابة. صحيح اننا جميعا حريصون على ذلك، الا ان خطورة هذا التفكير تكمن في عدم الانتباه الى ان الموضة الشائعة تتغير باستمرار». في الثالثة والعشرين من عمره، استطاع كورتيا نيولاند ان ينتشر ككاتب متميز مكنته روايته الاولى، الباحث 1994 من تحقيق النجاح في الوسط الثقافي والادبي البريطاني. وفي تلك المرحلة تمكنت روايته من انتزاع ما استحقته من الاشادة من النقاد حيث أيده الكثيرون منهم لا لاعتبارات تتعلق بحداثيته. وانما باعتباره جزءا من تجربة يمارسها جيل جديد من الكتاب البريطانيين السود الشباب الذين بدأوا بشق طريقهم الى النجاح على نحو وصفته من خلاله صحيفة الجارديان بأنه يشير الى سطوع نجم جديد في سماء الادب البريطاني. رواية كورتيا نيولاند تعالج في مضمونها مشكلات الطبقية والعنصرية والجريمة بوجه عام في المجتمع البريطاني الذي يراوح افراده في قاع حياة المدنية البريطانية ونيولاند بوصفه شخصا يعيش منذ ولادته في تلك الاماكن يبدو لقارئه كما لو انه المتحدث الامين باسم الجماعة التي ينتمي اليها والاقدر على مناقشة قضاياها من خلال كتابته حيث يقول: «نشأت في (شبربوش) وأريد ان استمر بالعيش في هذا المكان لكي يتسنى لي مراقبة ما يحدث. ان كتبي كلها تتحدث عن حياتي، وحياتي هنا تساعدني على أن أتحسس موطئ قدمي». بدأ نيولاند بكتابة أول أعماله الروائية «الباحث» في سن مبكرة، وهي رواية يدور مضمونها حول قصة شديدة الواقعية تقع احداثها في أحد احياء العاصمة البريطانية المتواضعة. وبطلاها شخصان متقاربان يتورط كل منهما في جرائم المخدرات والقتل والتشرد. وكانت صحيفة «الاندبندنت» في ملحقها الثقافي قد وصفتها بأنها «نظرة عميقة خاطفة على تفاصيل كابوس من قاع المدينة حيث العنف لا يمكن التحكم به والادمان والمخدرات هي القاعدة». وكما يقول نيولاند عن روايته هذه فانها عمل روائي الهدف منه تحدي الصورة النمطية السائدة التي يروج لها في كل مكان عن الانسان الاسود التي يرمي من ورائها الى اعادة الاعتبار لأشخاص يتم تصنيفهم على انهم مجرمون ومشردون، وبالاضافة الى هذه الصورة الانسانية فهم أناس يتمتعون بالقدرة على التفكير والشعور والرغبة في التغيير، لقد تربيت في مثل هذه الظروف». يقول كورتيا نيولاند عن تجربته انها تخاطب عددا أكبر من القراء، فهي على الرغم من تحديدها في اطار الادب الاسود إلا انها تشتمل بداخلها على تجربة متعددة العناصر الانسانية تجتمع فيها جنبا الى جنب عناصر الثقافة الافريقية الجمايكية والاسبانية والمغربية والآسيوية وما الى ذلك من التوليفات المكونة من اللونين الابيض والاسود، وبالتالي فإن التعامل معها من هذا المنطلق يصبح عالميا. المكان بالنسبة لنيولاند هو ذاته مكانه الحقيقي الذي ظل يعيش فيه طوال حياته، لادجروف، همر سميث، وايت سيتي، شبربوش، وهي نفسها الأماكن التي لا تتغير في روايته، التي لا تتغير لغتها أو تتعدى حدود الهتاف، هذه حياة الشارع.. هذه ثقافة الشارع.. هي لغة الشارع.. اللغة التي يصفها العديد من النقاد بأنها الأسلوب الكتابي المميز لنيولاند. الشارع هو دائما العنصر الأكثر أهمية في كتابتي، لأنه الشيء الثابت الذي لا يمكنني تغييره، انه الشيء الذي جعلني أبدو على ما أنا فيه الآن. ويتابع: انك كلما نضجت وتحركت واجهتك عناصر أكثر من ماضيك وتبينت لك العناصر الضرورية التي يجب الاحتفاظ بها لنفسك والاشياء غير الضرورية التي تتركها جانبا. كما ان العناصر الموجودة دائما من حولك التي تمثل طريقة للتعامل مع الآخرين. في روايته الجديدة «جلد الافعى» عندما يشعر بطله، جيمس، الشرطي السري، بتفاهة الاشياء التي يقوم بها من اقتفاء اثار الازواج والزوجات المنحرفين الى الانجراف في الامور التي لا تعنيه في الاساس الى مجتمع مختلف تماما يغير اتجاهه وتعينه على ذلك رغبته في تحقيق العدالة فيسعى لبذل جهد من اجل ازاحة الغموض عن قضية مقتل ابنة احد اعضاء البرلمان البريطاني السود المنتمين الى حزب العمال ويواصل تحديه بالتغلغل في الاعماق الداخلية ليشبه المجتمع المنغمس في الرذيلة والاجرام. اما «اليشا» بطلته في رواية المجتمع داخل المجمع فهي اضافة اخرى الى تلك الشخصيات التي ينجح نيولاند في جعلها تكتسب القدرة على اعادة تعزيز قوتها وهي فتاة جميلة مراهقة في الثامنة عشرة من عمرها تصل الى احدى مناطق غرب لندن لتعيش في ذلك المكان الذي يعاني سكانه من الحرمان بمن فيهم مجموعة اخرى من الشباب المراهقين الذين يختار كل منهم اسلوبه في العيش، وبينما يختار البعض اساليب شرعية يفضل البعض الآخر اختيار اساليب منحرفة لكنهم على الرغم من ذلك يشكلون مجتمعا واحدا مترابطا من الداخل يحفزك على قراءة اعماقه. والرواية رغم انها مؤلفة من عدد من القصص القصيرة الا انها تشكل قراءة ضرورية ترتبط في النهاية بقصة واحدة تجسد حياة إليشا في مجتمع جرينسايد. اما كتاب «بنجوين» المشتمل على مئة عمل من الاعمال لكتاب بريطانيين سود فهو من الاعمال التي اراد نيولاند من خلالها ان يعرف بهؤلاء الكتاب الذين لم يتطرق النقاد الى الكثير من اعمالهم ولا حتى الكتاب السود الآخرين ويمكن اعتبار الكتاب لفتة اخرى لنيولاند نحو تعزيز موقعه كأهم كاتب بريطاني اسود وربما من القلائل في هذا المجال في بلاده. مريم جمعة فرج