بيان الكتب: بعد كتابته عملين روائيين، تدور موضوعاتهما حول الحياة في مناطق معينة من العاصمة البريطانية لندن يعاني معظمها من مشكلات تتعلق بحالة الحرمان المادي والاجتماعي والسياسي كان على كورتيا نيولاند اما ان يغير مساره او ان تظل اعماله الى الان حبيسة، تلك الصورة النمطية ومع ذلك فان روايته الجديدة مازالت تسير في الاتجاه نفسه. ديانا ايفنز المحررة الثقافية في «الاندبندنت» اجرت الحوار التالي مع هذا الكاتب الذي بدأ بالصعود سريعا نحو القمة ونقدم هنا ملخصا لابرز ما قاله كوريتا نيولاند: مرة في كل شهر تخلع الحية جلدها. تأخذ عملية التخلص من الجلد ما بين سبعة الى اربعة عشر يوما ولا تكون مريحة على الاطلاق وخلال هذه العملية يصبح مزاجها عكرا قابلا للاهتياج ثم ترفض طعامها لكن ما ان ينتهي كل شيء حتى يشعر هذا المخلوق بدفق من الارتياح كما لو ان عبئا ثقيلا قد ازيح عنه ووضع على الارض. بالنسبة للكاتب فان ولادة اي عمل ابداعي هو في حد ذاته نوع من التغيير الضروري العميق بل والمزعج وبخاصة عندما يكون الكاتب اسيرا في جلده وعندما يحاول ان يحرر نفسه من خلال ابتكاره لشيء مختلف، شيء لا يمكن ان يتوقعه الآخرون وبالتالي يبدو من المهم ان يتعرف القاريء على كوريتا نيولاند احد اهم كتاب بريطانيا السود وبالتحديد روايته الاخيرة «جلد الافعى». هذه الرواية البوليسية المثيرة يصدرها نيولاند بعد اصداره روايتين سابقتين تدور موضوعاتهما الاساسية حول حياة الشباب في المجتمعات البريطانية السوداء في مناطق سكنية مثل جرينسايد اول هذه الاعمال «الباحث» نشرها وهو لم يتجاوز بعد الرابعة والعشرين تلك الصورة المليئة بالحيوية الجزلة التي يدور مضمونها الرئيسي حول حروب المخدرات والقتل والعنف استطاعت بفعل موضوعها وخطابها القوي ان تمنحه اسم افضل روائي بريطاني اسود. اما روايته الثانية فهي «المجتمع داخل المجمع» هي نافذة يطل من خلالها على عوالم الجريمة والاغتصاب والفقر ويمنح شخصياته القدرة على اعادة تعزيز قوتها في اطار هذا العمل الروائي الاستثنائي كما يمنح نفسه فرصة التحول الى متحدث باسم الاقلية والناقل للحقائق المتعلقة بالمعاناة الصعبة المستحيلة التي يرفض الكثيرون سماعها. في رواية «جلد الافعى» تصبح الحياة في جرينسايد المكان الذي يمضي فيه المؤلف طفولته مجرد تاريخ لا اكثر شبح في حياة بطله ايروين جيمس الشرطي السري وبالنسبة لنيولاند فان شيئا كهذا هو الذي يجعل الكتابة غاية في الصعوبة وليس موضوعاته القوية الصادمة المتمحورة حول الجريمة والعنصرية والظلم وحوادث الانتحار. لكن رواية نيولاند الجديدة حتى نهاية مخطوطته التمهيدية لم تكن في الحقيقة لتحتوي على صوت بطله ايروين كان نيولاند قد اجبر نفسه على الانفصال خلال تلك المرحلة التي ظل يعيش فيها في احد احياء غرب لندن حتى اللحظة الحاسمة التي استطاع فيها ان يخلع جلده. عندما تحين لحظة الكتابة يشعر بالقلق «ان هذا هو اصعب عمل كتبته وانا اشعر بالخوف طوال الوقت الذي استغرقته كتابته ومازلت اشعر بذلك لكنني كنت اعرف مسبقا بانني لو كتبت عملا آخر عن جرينسايد الآن فسيكون هو العمل الذي احلم به طوال ما تبقى من حياتي الابداعية لن يهمني ما فعلته لكنهم سيعرفون انني الرجل الذي يكتب عن الحياة في قاع المدن البريطانية وسيكون ذلك مملا. يقيم نيولاند في شقة صغيرة متواضعة في المكان الذي كتب تحت سقفه كل اعماله، مسرحياته وكتبه واعماله الروائية هنا المكان يشبه عش الفنان مليء باللوحات الكبيرة الحجم والاضاءة المركزة وقطع الاثاث البسيطة، الاشياء التي تحمله باستمرار على التفكير. على الرغم ان كورتيا نيولاند الآن في الثامنة والعشرين الا انه يفصح عن ذلك بحذر شديد ويتحدث عن عدم رغبته في الموت كل ما يريده هو القليل من الحرية بعدما ارهقته قيود الشهرة في سن مبكرة يقول انا مجرد راو للقصة هذا هو أسوأ ما يمكن ان يقال عن الصورة النمطية المتعلقة بالكتابة عن المشكلات العرقية الاسلوب الذي يفرضون عليك من خلاله القيود كلما تحركت خارج منزلك. لقد شعرت بالاضطهاد وبالرغبة في تغيير الاتجاه الذي تسير فيه اعمالي ومن جهة اخرى فان الناس غالبا ما يقولون بانني غير قادر على ذلك وانني لن اكتب سوى الروايات «الرواية الاقطاعية» وعلى الرغم من انني مصمم على ان تنتمي اعمالي الى العالم ذاته الا انني اريد ان اشعر الآخرين بخطأ افكارهم المسبقة في الحكم على اعمالي. اريدهم ان يفكروا فيما يمكن ان افاجئهم به في المرة المقبلة. على الرغم من تميزها كرواية الا ان رواية «جلد الافعى» تبدو متشابهة جدا مع سابقاتها من الاعمال التي كتبها نيولاند وبالنسبة لكثيرين تبدو متدرجة تحت مسمى روايات جيمس بوند على الرغم من ان احداثها تقع في مكان مختلف هو لاوجروف وعلى الرغم من ان ادواتها هي الآن هاتف متحرك ومسدس صديء كاتم للصوت. تبدأ رواية جلد الافعى بمشهدين احدهما يؤرخ للحظة سيئة في حياة بطله الذي يتعقب في ساعة الغروب شخصا مشتبها به فيراه القاريء وهو يتابع حركة الاخرين فوق جسر فوكسهول لعله يعثر على شخص متورط في قضية قذرة احد اطرافها امرأة مرتزقة شرسة وزوجها الثري واللحظة الثانية تؤرخ لساعة اكثر سوءا يستدعى فيها بطل نيولاند الشرطي السري لحل لغز جريمة قتل ابنة عضو في البرلمان. السود المشتبه بهم اعضاء في الجناح اليميني منتمون الى احدى المنظمات المعروفة السوداء. وفي مشهد آخر يعرف القاريء شيئا عن المواجهة التي تقع بين هذه المنظمة وبين منظمة اخرى منشقة في المجتمع البريطاني الاسود وايا كانت فهي مواجهة اراد لها نيولاند ان تظهر فقط حالة العداء البغيضة بين افراد هذا المجتمع التي تجسد من خلالها العنصرية نفسها في صورة اخرى اكثر بشاعة هي الجريمة المنظمة عوضا عن صورتها الدامية التي يشاهدها احدنا في الشارع. رواية «جلد الافعى» هي اعمال نيولاند تعاملا مع السياسة كما ان بطله ستيفن لورنس هو واحد من بين العديد من رجال الشرطة السريين يقول: «هناك الكثير من جرائم القتل، الكثير من الاعتداءات التي تستهدف الملونين سواء كانوا سودا او اسيويين هذه الجرائم تظل الغازا محيرة ولا يعرف مرتكبوها». ومع ذلك فانا لم ارم من وراء كتابتي هذا العمل الى جعله سياسيا لكن اعتقد بما انني اسود وبما انني اكتب عن السود فان هذا يضفى على اعمالي طابعا سياسيا لا مجال للفرار من هذا الشيء اما لو قلت اشياء لا يحبها الناس، البيض او السود فهذا لايضايقني لان كل ما اريد ان اقوله هو الحقيقة». تأتيك اصوات انداده من بعد. بعض هؤلاء يحضرون الى مكانه لعقد لقاءات فيما بينهم «اليكس ويتل، ستيفن تومبسون، راجيف بالاسو برمانيان» عدد من الكتاب الشباب السود والآسيويين الذين افرزتهم الحركة الثقافية في السنوات الخمس الاخيرة والذين اثاروا حولهم الجدل على نحو متفاوت في اثناء موجة من الانتشار بدأت بنيولاند في سنة 1994 واصداره رواية «الباحث» المنتمية الى ادب ما بعد الحداثة والتي تسلط الضوء على تجربة الجيل الثاني من البريطانيين السود في الوقت الذي ظلت فيه التجربة بعيدة عن تناول غيره من الكتاب الآخرين ليصبح نيولاند بعدها رائد هذه الرواية الحديثة في بريطانيا. خلال السنوات السبع التي اعقبت تجربة نيولاند اتيح لتجربة الادب البريطاني الاسود ان تصبح اكثر نضجا واكثر تنوعا وفي تلك المرحلة لعب نيولاند دورا هاما في البرهنة على ذلك بسعيه الى العمل على اعادة نشر اعمال الكتاب البريطانيين السود «مجموعة بنجوين للادب البريطاني الاسود» لكن مما تجدر ملاحظته ان كتاب بريطانيا لم يعد لديهم في الوقت الاخير هذا الاهتمام بالكتابة عن قضايا التمييز والعنصرية او حتى الكتابة عن شخصيات سوداء في الاساس. وهناك الكثير من الاعمال الروائية الرائجة أو المنتمية الى الادب الراقي والحديث لكتاب سود يقرأ لهم الناس ويستمتعون بكتاباتهم وبالتالي اليس في ذلك ما يشير الى ان تجربة نيولاند قد توفر لها فضاء واسع من الحرية والشعور بالامان لكي تستمر او تحافظ على اسبقيتها؟ يوضح الموقف قائلا أنا كاتب اشعر بالامان لكن ليس في مجال عملي لانني اشعر بان فرصتك لكتابة ما تريد قد تضاءلت. الناشرون بدورهم ينأون بأنفسهم عن الاهتمام بتجربة مؤلف يكتب عن شيء مثل حياة المواطنين البريطانيين السود والمجتمعات التي يعيشون فيها على نحو سافر غير متحفظ ودون اي شعور بالخجل، ويتهافتون على الترويج للكاتب الذي يسعى جاهدا الى عدم الاعتراف بهويته كأسود. هذا شيء مخيف بالفعل». نوع آخر من القلق تكشف عنه تجربة نيولاند هو ما يتعلق بالتقسيم الطبقي في المجتمع البريطاني فالمعروف ان نيولاند رجل عصامي انتهت حياته الدراسية وهو في الخامسة عشرة بالحصول على مؤهل تعليمي بسيط. وفي اثناء ذلك كان يمر بمعاناة قاسية بسبب ما تعرض له من سوء الفهم من قبل الكتاب الاخرين وهو يقول عن هذه المرحلة: «كانوا يتعاملون معي بصفتي ابله» ومن قبل اصحاب دور النشر. ويتابع هناك قلة من السود لهم الانتماء الطبقي نفسه ويأتون من الخلفية ذاتها التي انتمي اليها يعملون في مجال صناعة الكتاب ولهذا فان هناك نقصا في القدرة على فهم ما تقوم به. هذا النقص يحدد ايضا ما يجب على الناس كتابته لكن وانت تعمل من اجل الترويج للابداع الادبي الاسود فانك تفعل ذلك من منطلق انك مدين لهؤلاء الكتاب وغيرهم من الكتاب السود بان تعرفهم على الجذور التي ينتمون اليها ليقفوا بانفسهم على ما يجرى من حولهم «تواضع ايها الاخ، اهبط الى الارض وسر بيننا شاهد كل شيء الواقع اننا لا نضر احدا». لاشك في ان نيولاند يضحك الآن وهو يتمدد مستمتعا بجلده الجديد (عمل الاخير) بالخوف الذي يحف بهذه التجربة وبما يمكن ان تسفر عنه من نتائج لكن الحقيقة الصادمة عنه كما يجب ان يعرفها الآخرون هي تصالحه مع الخوف. وسواء كانت رواية «جلد الافعى» ستحقق نجاحا باهرا ام غير ذلك على المستوى النقدي والجماهيري فان هناك الكثير مما يعتزم كورتيا نيولاند قوله