بيان الكتب: منذ انطلاق مفهوم العولمة، والمطابع لم تتوقف عن اصدار كتب جديدة تشرح معناها وتحدد أهدافها وتربطها بما سبق من نظريات وما سيأتي بعدها. ولأن العولمة فضفاضة كعباءة كبيرة فقد انضوى تحتها كل ما لا يجد تفسيرا له من حركة تسارع المعرفة وتبادلها الكبير بين الشعوب والأمم، وهذا لا ينطبق على الكتاب العربي فقط، بل ان كتباً كثيرة ظهرت في الغرب دخلت تحت هذا المسمى وراحت تصنف المعارف الجديدة حسب التقسيمات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية وغيرها. وهذا كان موضوع كتاب «كان المستقبل تاماً تقريباً» للكاتب الفرنسي الكسندر ليدرمان الذي قدم كتابه هذا كرواية ذات بُعد ايديولوجي. ويضرب المؤلف مثلا حينما حضر قمة سياتل عام 1999، وفي مقهى مجاور طلب عصير برتقال فجاءه النادل بعصير برتقال مصنّع كيماوياً وعندما احتج ليدرمان على ذلك، لم يأبه النادل لاحتجاجه لأنه يؤمن بـ «الحقيقي» الذي يقارب الـ «ما يشبه» وهذا فحوى خلاف كبير بين ثقافات العالم التي ترى الأمور من نصاب مغاير لمفاهيم الآخرين حيث يرون ان الخير هو قيمة مطلقة، بينما هو قيمة نسبية في مجتمعات أخرى. إن مفهوم انتصار ثقافة الآخر على ثقافات أصيلة هو مفهوم استعماري جديد لأن ذلك الانتصار مدعوم بقوة اقتصادية هائلة وتوازيها على مسافة قريبة قوة عسكرية ولا ننسى ان أمريكا لديها عشرات الآلاف من جنودها في بحار العالم وصحاريها وبراريها لتدعم المصالح الامريكية وانتصار ثقافة الهامبورجر هو جزء أساسي من انتصار مفهوم الثقافة الأمريكية على ثقافات قرون ضاربة في عمق التاريخ. وإذا كان هذا المفهوم قد تحول اليوم الى مناصرة الخير ومحاربة الشر فإن التقسيم ذاته يجب ان يخضع لاعادة نظر في مفهومي الخير والشر وان يخضع «الحكم» الى دورة تدريبية ليفرق بين القتل لحماية النفس وبين القتل لتعزيز القوة وسيادتها. وحتى لا نذهب في زاويتنا هذه الى مقاصد بعيدة عن الكتاب المعني بالحديث فإن كاتباً فرنسياً آخر ينضم الى عشرات الكتاب الذين يرفضون العولمة ويصرون على تأكيد الهوية الاستقلالية والشخصية الوطنية، وإذا كانت أوروبا قد بدأت حرباً ضد مفهوم العولمة عبر حماية اقتصادها، فإن فرنسا بدأت حربها باكراً عندما تظاهر الآلاف في باريس ضد والت ديزني (مدينة الألعاب التي أفتتحت في التسعينيات بالعاصمة الفرنسية) ولكن فرنسا لم تكتف بالمظاهرات فقط، بل سعت الى العناية بالثقافة الفرنسية من الداخل وحملت لواء لا لغة في فرنسا سوى لغة هيجو، وهي تعني بذلك تخليص الشبيبة من مفردات أجنبية (الانجليزية الامريكية حصراً) والتي كانت تنتشر بين الأجيال الشابة. فهل نحذو حذوها؟! حسين درويش