تتكشف مياه البحر قبالة سواحل تايلاند داخل خليج يدعى فانجنجا عن سلسلة من الجزيرات الضئيلة، مشكلة واحدا من اروع المشاهد الطبيعية في العالم، وتنهض من قلب هذه المياه كهوف ومغاور وصخور شاهقة، وشعاب صخرية وكأنها منحوتات طبيعية حفرتها على مر القرون بصبر واناة مياه بحر الاندامان. وعلى الرغم من انها كانت تتمتع بمكانة رفيعة في قلوب اهالي البلاد الا ان علماء الاثار قد عثروا على سبب آخر يزيد من روعة المكان. ففي قلب هذه التشكيلات الصخرية العجيبة تختبيء اعمال فنية من نوع شديد التميز، وهي رسومات بدائية خطتها يد الانسان قبل الوف السنين على هذه الصخور. تبلغ مساحة خليج فانجنجا حوالي 155 ميلا مربعا ويحتشد جوفه بحوالي 160 جزيرة في الصخور الكلسية والكثير منها مطرز بتشكيلات متآكلة من متاهات صخرية طبيعية وكهوف بحرية. بعض هذه الجزر تندفع كالابراج من قلب الماء، وفيما لايتجاوز ارتفاع اقصرها 40 قدما، فان اطولها يصل الى 980 قدما كما ان طول بعض هذه الجزر يصل الى عدة اميال ويأوي على سطحه قرى للصيادين. وفي اواخر السبعينيات تواترت القصص على لسان الاهالي حول رسومات غريبة شاهدها بعضهم وفي اوائل الثمانينيات خرج الباحث في الآثار جان بوبيه، الذي كان قنصلا سابقا لبلاده فرنسا في تايلاند، ليكون اول الاختصاصيين الذين يتفصحون هذه الرسوم، وما رآه كان سلسلة من الكهوف معظمها بالكاد يرتفع فوق مياه البحر، تخفي داخلها وتحديدا على جدرانها رسومات لرموز وصور مخطوطة بمادة المغرة اي ثاني اوكسيد الحديد ويقول بوبيه!! طوال سنتين من البحث، كنت قد مسحت كل الكهوف وعددها حوالي 15 كهفا. وتتضمن هذه الرسوم التي تزين جدران الكهوف صورا لاسماك وطيور وحيوانات غريبة غير معروفة وصورا بشرية واشكالا هندسية ورموزا غير مفهومة وغيرها الكثير وهناك على سبيل المثال صورة لشكل يشبه الدلفين يطل عليه رسم نصفي لنسر وتوجد صورة لعملاق يحمل ترسا. ويعتقد علماء الاثار مثل بوبيه ان البشر كانوا موجودين في منطقة فانجنجا منذ وقت طويل ربما يعود للعصر الجليدي الاخير اي اكثر من 10 آلاف عام وفي ذلك الزمن كان مستوى سطح البحر اكثر انخفاضا مما هو عليه اليوم بكثير بما يجعل الكثير من هذه الجزر الحالية جبالا وحينها ربما استخدم البشر الاوائل هذه الكهوف والمغاور منازل لهم، لكن بعد انقضاء العصر الجليدي ارتفع مستوى سطح البحر، قبل ان ينخفض من جديد، الى ارتفاعه الحالي. يقول بوبيه: قبل حوالي 3000 عام كان مستوى سطح البحر اعلى بما يتراوح بين 13 الى 15 قدما من مستواه الحالي ومعظم مخابيء هذه الرسوم كانت توجد عند ذلك المستوى حينها وبالاعتماد على ارتفاع الرسومات وتحديد مستوى سطح البحر استطاع العلماء تقدير زمن رسم هذه اللوحات الجدارية ويعتقد هؤلاء ان فنون فانجنجا الجدارية تعود الى العصر الحجري الحديث بين 5000 و3000 قبل الميلاد كما يعتقدون ان هذه الرسوم هي من نتاج «تشاو لي» اي «قوم الماء» وهم قبيلة من الرحل سكنت منطقة بحر لاندامان، واول الشعوب التي استوطنت الاقليم. وحتى اليوم لايزال لتشاو لي تأثير قوي على ثقافة المنطقة. ففي كل عام ولدى اكتمال البدر بين شهري يونيو ونوفمبر تقيم مدينة كرابي في الخليج مهرجان قوارب تشاو لي ويتضمن المهرجان اطلاق نماذج عن القوارب التي صنعها الاسلاف، حيث يعتقدون ان ذلك يجلب السعادة والرخاء لهذا الشعب البحار. والشيء الآخر المثير في هذه الرسومات هو انها غير متوقعة في مثل هذا الجزء من العالم، اذ ان تايلاند ومعظم آسيا باستثناء الهند لاتوجد فيها عادة ابداع رسومات صخور قديمة والمناطق التي تتبادر للذهن لدى ذكر هذا الفن هي امريكا الجنوبية واوروبا واستراليا ذلك ان المناخ الجاف لهذه المناطق يوفر الظرف المثالي لحفظ مثل هذه الاثار القديمة. ويقول الدكتور تشبنجدال من متحف الاثار واصول البشر في جامعة كامبردج: «ان الرسوم على الصخور لا تحب الحرارة ولا الرطوبة وحتى لو وجهت الدعوة للخبراء لرؤية رسومات فانجنجا فان ضمان قدومهم لن يكون سهلا كما ان حفظ هذه الاعمال ليس بالشيء السهل، لان المحافظة على شيء موجود على جدار ولا تستطيع تحريكه او السيطرة على ظروفه المحيطة به ليس بالمهمة التي تجذب اهتمام الخبراء ولسوء الحظ فان هذه الرسوم موجودة في مكان لا تتوقع اصلا ان تجدها فيه لان كل الظروف غير مواتية لها. كل هذا جعل بوبيه يحس بانه في موقف صعب فهو يرغب في لفت انظار الناس الى هذه الكهوف وجذب الاختصاصيين ليأتوا لدراستها ولهذا فهو يأمل في ان يتمكن من فك رموز هذه الرسائل التي تعود الى 5 آلاف عام مضت ورغم صعوبة الوصول اليها الا انه يعتقد ان اكتشافه سيجذب الكثير من الزوار في منطقة تشهد كثافة في حركة السياحة اصلا غير انه يخشى ايضا من ان ازدياد عدد الزوار للكهوف سيصبح تهديدا مباشرا لامكانية معظمها اي انه وصل الى عقدة المنشار التقليدية التي تواجه من يريد الحفاظ على معلم اثري. هنا يبرز مثال مهم هو كهف لاسكو في فرنسا الذي اكتشف عام 1940 وعثر فيه على رسومات تعود الى 17 ألف سنة مضت ظلت محفوظة دون ضرر الى ان افتتح الكهف امام الزوار وفي غضون سنوات بدأت الرسومات بالتدهور نتيجة لرطوبة انفاس البشر داخل الكهف. الحل الجذري للمشكلة كان توجيه الدعوة للخبيرة في هذا المجال مونيه بيترال لتعيد رسم 990 في المئة من الرسومات الاصلية على جدران وسقف كهف مجاور لكن هذا جرى بدون غش فقد استخدمت التقنيات والمواد نفسها التي استخدمها سكان الكهوف في رسومهم ومنذ 40 عاما والكهف الاصلي مغلق امام الزوار الذين يكتفون بالتفرج على رسومات لاسكو 2. من ناحيته يخطط بوبيه لشيء شبيه بذلك لكن المشكلة هي ان عدد الكهوف هنا كبير والرسومات اكثر ولا سبيل للعثور على ما يكفي من الكهوف لرسومات مقلدة ويظل الامل الوحيد الماثل امامه الآن هو التوعية بضرورة احترام هذا الارث من جانب الاهالي مقابل ان تتعود هذه الكهوف على وجود البشر داخلها. جلال الخليل