الاحتفال بالمناسبات المهمة ظاهرة عالمية سواء أكان في البداية أو النهاية أو تعبيرا عن قدوم عهد جديد أو تغيير جذري في أسلوب الحياة، ومن هنا يمكن القول ان السياحة تشكل احتفالا من نوع خاص بقدوم الاجازات السنوية، حيث ان لكل فصل من فصول السنة نكهته السياحية الخاصة والمميزة. ولمدينة اسطنبول التركية نكهة التاريخ وتجربة سياحية مميزة، وعلى الرغم من ان البعض يصفها بأنها تبدو كالبصلة حيث «قشرتها» الخارجية تبدو متعبة وخصوصا بسبب التلوث الناجم عن كثرة المهاجرين الى المدينة سعيا وراء حياة أفضل، اضافة الى الضغوط غير المحتملة التي واجهتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك ظلت مجموعات السياح تتدفق على المدينة بحثا عن الطبقات الداخلية لـ «البصلة» التي تشكل حقا تجربة غير اعتيادية وخبرة فنية تطالع السائح وتجعله «فضولياً» بالقدر الكافي لكي يجوب أنحاء المدينة. فكل طبقة من طبقات هذه «البصلة» الاسطنبولية أو كل جزء من هذه المدينة يعود الى مرحلة تاريخية مختلفة، تعود الى أزمان سحيقة، وتحكي اجزاؤها قصة التاريخ التي مرت احقابه حتى وصلت الى أيامنا الحالية لتجسد المعالم الحضارية المعاصرة التي ستكون في القريب جزءا من تاريخ اسطنبول المتجدد والحافل في آن. واعتبرت المدينة مركز اشعاع حضاري في المراحل التاريخية القديمة والعصور السحيقة، حيث كانت السفن الفارسية واليونانية تبحر الى اسطنبول القديمة التي عرفت فيما بعد باسم «بيزنطة» في القرن السابع قبل الميلاد. فبيزنطة كانت غنية بسبب التجارة والملاحة الى ان اختارها الامبراطور الروماني قسطنطين عاصمة له في عام 324 ميلادية، وهي ذات موقع ممتاز ومتميز وذات أهمية استراتيجية لوقوعها على مفترق طرق عالمي يربط انحاء العالم القديم. وقام قسطنطين بتحصين المدينة بأسوار عالية، حيث تحيط بها حدائق عديدة رائعة الجمال تقسم المدينة اليوم الى قسمين، ومن حكم هذا الامبراطور لاسطنبول أصبحت تعرف بـ «القسطنطينية» أو مدينة قسطنطين، وذلك على مساحة كبيرة في البداية ولكن مع مرور السنوات والعقود أصبحت تضيق بسكانها الذين كانوا يزدادون في نمو مضطرد بسبب الامكانيات والفرص التجارية التي كانت تتمتع بها المدينة والمكانة السياسية التي كانت تحظى بها. ومن أبرز معالم المدينة الأثرية «الهيبودروم» وهو عبارة عن مسرح يتسع لمئة ألف مشاهد حيث يعرض أعمالا فنية لأعراق مختلفة، وهناك ايضا القصر الكبير الذي يضم مجموعة من القاعات والحجرات تمتد من «الهيبودروم» وحتى تصل الى البحر وجزء صغير من هذا القصر بقي حتى اليوم اضافة الى الموزاييك الذي اكتشف في العام 1933 ويشكل هذا القصر حاليا الجزء المركزي من متحف الموزاييك. ولعشرة قرون خلت كان الامبراطور قسطنطين يحارب مجتاحا مناطق عديدة من أراضي الفرس الى البلغار ومن أراضي الفينيقيين الى المناطق العربية، ولكنها كانت مسألة وقت قبل ان تخضع المدينة لفاتحين أقبلوا واستقروا فيها وعيا منهم بموقعها الاستراتيجي الممتاز، حيث اضطلع بهذه المهمة حشود من العثمانيين، وخلال مئة وخمسين عاما قاموا ببسط سلطانهم ونفوذهم على معظم اجزاء الاناضول الغربي والبلقان متخذين «بورصة» عاصمة لهم في أول الأمر ثم «اضنة» وقاموا بتهديد البيزنطيين واضعاف سلطانهم حتى تمكن السلطان محمد الفاتح من فتح القسطنطينية عام 1453 ميلادية. وقام بتغيير هويتها الدينية المركزية وبتحويل كنيسة «أيا صوفيا» الى مسجد. ونتيجة لذلك تحولت المدينة من كونها العاصمة المسيحية للامبراطورية الرومانية الشرقية الى العاصمة الاسلامية لأمة أوجدت امبراطورية من أكبر الامبراطوريات التي شهدتها الكرة الأرضية. وبعد العام 1453 ميلادية قام العثمانيون ببسط سلطانهم والتوسع غربا وجنوبا الى ان وصلوا الى ذروة المساحة التي بلغتها الامبراطورية في القرن السادس عشر مع السلطان سليمان المشهور بسليمان القانوني، كان وقتها يحكم بريطانيا الملك هنري الثامن، فيما يحكم فرنسا فرنسيس الاول، وشهد هذا الوقت بروز العثمانيين كأقوى دولة على مستوى العالم برمته عاصمتها اسطنبول. وبعد التحولات السياسية في مطلع القرن الحالي وبعد نهاية الامبراطورية العثمانية استقر الامر بمصطفى كمال الذي سماه الاتراك «اتاتورك» والذي بنى الدولة التركية الحديثة وصارت اسطنبول في عهده احدى المدن التركية حيث اتخذ انقرة عاصمة للدولة بدلا من العاصمة الاولى «اسطنبول» وصارت في عهده ايضا مدينة تجارية اكثر منها مركزا دبلوماسيا ويقطنها الاناضوليون الريفيون سعيا وراء لقمة العيش. وتعتبر اسطنبول الحالية اكبر بكثير من اسطنبول القديمة حيث امتدت المساحات المبنية فيها لاميال عديدة وضمت التجمعات السكانية الضخمة والمراكز التجارية كأية مدينة حديثة في العالم، وانشئت حولها منطقة صناعية تشكل 25% من الناتج القومي التركي ويسكنها اليوم اكثر من عشرة ملايين نسمة يشكلون خمس عدد سكان تركيا مما يجعلها اكبر مدينة في القارة الاوروبية وهي المكانة نفسها التي حظيت بها المدينة منذ ثلاثة عشر قرنا خلت. كما ان اسطنبول اليوم تعتبر القلب النابض لتركيا التجارية كجمهورية علمانية ديمقراطية يسكنها 55 مليون نسمة، وكعضو في الناتو والمجلس الاوروبي والجماعة الاوروبية. وفي الثمانينيات وبعد حكم تورجوت اوزال كرئيس للحكومة ومن ثم كرئيس للجمهورية تحول الاقتصاد المغلق الى اقتصاد مفتوح مما ادى الى تدفق المئات من السلع الغربية الى الاسواق التركية ومن ابرزها انتشار الوجبات الغذائية الامريكية السريعة. ويشكل السكان في هذه المدينة معلما بارزا فيها حيث سكن المدينة العديد من الاعراق شكلت خلية نحل ضمت شعوبا عديدة بل ان السلاطين العثمانيين انفسهم قدموا من اسيا الوسطى فيما لايزال يقيم الاتراك فيها الكثير من المجمعات التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي السابق وكذلك الصينيون الذين يتحدثون اللغة التركية بطريقتهم الخاصة واليونانيون والافارقة وبعض اليهود وبالرغم من ان الاتراك لا يتحدثون الا لغتهم الا انهم يرحبون بالزوار بطريقة راقية وانسانية لابعد الحدود