بعد ان كانت المرأة في العصور غير البعيدة علينا مجرد إناء ووعاء لحمل الاطفال وتربيتهم، نراها اليوم وقد تقلدت العديد من المناصب القيادية التي كانت حكراً على الرجل وحده، بل وقد اثبتت الاحصاءات ، ان اعداد الاناث الدارسات في الجامعات والمعاهد المتعددة في تزايد مستمر لدرجة ان نسبتهم زادت على نسبة الرجال، وكذلك الحال على مختلف الاصعدة، وبهذا اصبح من غير المستغرب ان نلمح صوراً لحرب او حتى حروب خفية تدور رحاها بين الرجل والمرأة، فلذلك الرجل اصبح يخاف المرأة ويحذرها ـ بحسب احدى الدراسات ـ لا لشيء سوى لأنها غدت منافسة شرسة استطاعت ان تزحزح الرجل من مكانته المعهودة لترتقي هي في السلم الوظيفي، وتؤكد ان دورها في هذه الحياة قد تجاوز ما يخطر بالبال، فها هي المرأة الطبيبة، والعاملة، والمثقفة، والصحفية، والمدرسة، ورئيسة القسم التي باتت تترأس قائمة من الموظفين الرجال، اولا يحق للرجل بعد كل هذا ـ وهو الذي تعود ان يكون «سي السيد» في البيت و «الرئيس» في العمل ـ ان يخشى تلك الانثى المتفوقة والناجحة والتي يزيدها نجاحها احتراماً لنفسها وثقة بكينونتها.مع كل ما ذكرناه آنفاً قررنا التوجه بتلك التساؤلات والدراسات الى عينة من الجمهور من كلا الجنسين لنستوضح آراءهم حول هذا الموضوع، ولنخرج اليكم بهذا التحقيق. بداية التقينا يوسف عمر ـ موظف ـ والذي يرى ان المرأة اثبتت قدرتها على تولي العديد من المناصب القيادية ولو انها لم تكن تستحق ذلك المنصب لما استطاعت ان تصل اليه، والحقيقة انني ارحب باقتحام المرأة لمختلف الوظائف التي تناسب طبيعتها وتكوينها الانثوي، فعلى سبيل المثال هنالك عدد من الازواج ممن لا يرحبون بأن يكشف طبيب على زوجاتهم وهكذا فإن مجال الطب اليوم نراه زاخراً بالطبيبات صاحبات الثقة اللواتي يراعين الله تعالى قبل اي شيء آخر، مضيفاً ان سبب ازدياد اعداد النساء في الجامعات يعود الى اهمال الشباب لمسألة التزود العلمي، ورغبتهم في دخول سوق العمل مبكراً، بينما نلاحظ تروياً من قبل المرأة. وحول مدى الاتقان في العمل يقول يوسف ان هذا يرجع بالدرجة الاولى الى ضمير الموظف ومدى تفانيه في اداء المهمة الموكلة اليه واخلاصه في ادائه بغض النظر عن الجنس الذي يقوده وعن نفسي، فإنني اؤيد وبشدة ترقي المرأة في وظيفتها التي من المفروض ان تتماشى مع تعاليم الدين والحفاظ عليه وفي اطار التنسيق بين البيت والعمل واعتقد ان الرجل او الزوج الذي يكفهر من ارتقاء زوجته ووصولها لمنصب يعلو منصبه ما هو الا شخص لديه عقدة نقص ولا يؤمن بقدرة المرأة على العطاء وهذا يعني شعوراً بالاضطهاد بداخله. فمن المفروض ان ارتقاء المرأة هو ارتقاء لزوجها لأن هذا ينصب في النهاية في مصلحة البيت والاولاد. ثمرة التربية وتقول زوجته نادية صالحة ـ ربة بيت ـ ان مسألة خوف الرجل من المرأة لمثل هذه الاسباب هو مستبعد لأنه ليس خوفاً بالمعنى المقصود بقدر ما قد يعني طغياناً للطبيعة الشرقية والتربية التي جعلت من الرجل دوماً اهم من المرأة وفرضت عليه طريقة معينة في التفكير تمنعه من تخيل ان رئيسته امرأة، وهكذا نجد ان لدينا جواً من التحدي لاثبات الذات، وهذا تحد ايجابي لو رأينا ما قد يجنيه من ايجابيات على الصعيد الوظيفي، وبشكل شخصي فلو فكرت في العمل فإن زوجي لن يمانع مطلقاً بل ولا اتوقع اية حساسية منه لو وصلت لمنصب اعلى من منصبه، لأنه شخص متفتح وواع ومدرك ان الترقية ليست إلا لمن يستحقها، ومن هو جدير بها، اما لو تحدثنا بالعموم فإنني ومن خلال اطلاعي على خفايا بعض الامور فإنني الاحظ ان معظم الرجال قد لا يتقبلون اوامر من امرأة، فمهما كانت تلك المديرة او رئيسة القسم على قدر من الاحترام والثقة بالنفس فإن هنالك القاباً تطلق عليها من مرؤوسيها الرجال مثل «الحكومة» وغيرها، مما يدل على عدم رضا بالوضع القائم، وهذا الوضع مع حساسيته الا انه يزيد المرأة ثقة بالنفس ورغبة في العطاء كي تثبت لنفسها ولمن حولها انها جديرة لتولي المناصب القيادية التي طالما احتكرها الرجال، وأن قدرتها على البذل وتفهم مصاعب الحياة العملية تفوق كافة الاحتمالات. المستوى التعليمي وفي السياق ذاته يؤكد ضياء اسماعيل ـ موظف ـ ان الامر برمته يتوقف على طبيعة عمل الرجل ومستواه التعليمي، فالزوج المتعلم والمثقف لن يقف حجر عثرة في طريق زوجته بل انه سيكون بمثابة دافع لها لمزيد من التقدم والرقي، فحسب اعتقادي ان التعليم يلغي عقدة النقص بداخل الرجل وفي الوقت ذاته ينمي بداخله حب العطاء والخير لنفسه والمقربين اليه، لذا فمن المفروض على الزوج ان يحب الخير لزوجته او اخته او قريبته مثلما يحبه لنفسه، بل واكثر من ذلك فإن عليه المساعدة كي تصل تلك المرأة لمنصب مرموق، شريطة عدم الاخلال بواجباتها المنزلية، فالتنسيق مطلوب كي تحصل على التأييد، فعلى سبيل المثال ان رضا الزوج قد ينقلب الى كره واضطهاد لعمل زوجته اذا ما لاحظ ان العمل يأخذها عن بيتها والتزاماتها تجاهه وتجاه ابنائه، وهكذا تكون المرأة قد جنت على نفسها وعلى بيتها وتحولت الى آلة لا ترى امامها سوى العمل، مستطرداً ان اي رجل يمنع زوجته من العمل بدون سبب وجيه فإنه لابد من البحث بداخله عن عقدة النقص التي تجعله يرضى لنفسه مالا يرضاه لها، فمن الطبيعي ان ترقي المرأة في السلم الوظيفي يجب ان يشكل دافعاً للرجل كي يرتقي هو الاخر، ولكن حتى لو لم يحدث ذلك اي حتى لو لم يحصل الرجل على الترقية فأتصور انه يكفيه فخراً ما استطاعت زوجته او اخته او قريبته ان تحققه، لأن الفشل يخص فرداً بعينه بينما النجاح يشمل كافة الافراد. بين الامس واليوم ومن جهته يقول سهراب محمد ـ موظف ـ ان الرجل الشرقي اعتاد ان يكون صاحب الكلمة على المرأة وهو الذي يملي عليها اوامره وطلباته وعليها هي التنفيذ الفوري دون مراوغة، وهكذا التصقت هذه الصور بالأذهان، اما اليوم فإن ما نراه هو العكس من خلال وجود عدة النساء صاحبات رأي وقرار، وعلى الرغم من ان هذه الصورة يمقتها الرجال الا ان الواقع يؤكد وجودها، لذا فما على الرجال سوى الاقتناع بها، فالمرأة اليوم ليست هي امرأة الامس، حيث انها درست ودخلت المعاهد والجامعات ويحق لها بعد كل هذا التعب والكد ان يكون لها نصيب في المضمار العملي، وليس عيباً عمل المرأة ما دامت محافظة على نفسها وما دام ما تقوم به هو في اطار شرعي لا يمس طبيعتها الانثوية ولا الأخلاقيات والمثل التي تربت عليها، والحقيقة اننا اليوم نفخر بوجود هذا الكم الهائل من الفتيات والنساء ممن يرتقين يوماً بعد آخر السلم الوظيفي لينافسن الرجال، وما دامت الصورة بهذه النضارة فإن على كل زوج وابن واخ ان يشعر بالسعادة لما استطاعت ان تحققه المرأة اليوم من صمود في وجه تيارات تدعو لها بالدونية لدرجة انها تمكنت من السير بعكس ذلك التيار لتحقق ذاتها وكينونتها في بيتها وعملها على حد سواء. نموذج مثالي ولعل من النماذج الرائعة والمثالية التي يجب ان نعرضها في سياق تحقيقنا لهذا اليوم هو قصة كفاح منيرة صفر ـ رئيسة قسم الانشطة الكشفية والارشادية بوزارة التربية والتعليم والشباب والتي بدأت العمل بكل جهد وتفان واخلاص ممزوج بدعم حقيقي من الزوج الذي طالما ساند زوجته ودفعها للأمام كي تصل الى ما وصلت اليه، حيث تقول بداية ان مجتمعنا اليوم يختلف كثيراً عن مجتمع الامس القريب، واصبحت لدى الرجل قناعة بأن المرأة بمقدورها ان تحقق من النجاح والتقدم ما يستطيعه هو، لأن المرأة بطبيعتها تبحث عن المثالية في كل شيء في البيت والعمل لذا فإنها حين تكلف بعمل معين فإنها لا ترضى سوى بأن تنجزه بالشكل اللائق، وهي على الرغم من كل مسئولياتها المنزلية والوظيفية والزوجية الا انها تستطيع الموازنة بين جميع المتطلبات، والحقيقة انني اوجه رسالة شكر لزوجي الذي شجعني اولاً على اكمال دراستي الجامعية والذي لايزال يحثني على بذل الكثير من العطاء والذي اراه يفخر بكل انجازاتي على مختلف الأصعدة، بالاضافة الى كونه اباً حنوناً يساعدني في تربية ابنائنا، ففي حالة اضطراري للسفر اجده يستغل كل وقته من اجل الاطفال حتى اعود، فهو متفهم جداً لكل التزاماتي الوظيفية ولا يرضى بالاخلال بها مهما كانت الظروف، مضيفة ان شعاري هو «لا شيء مستحيل» وعلى المرأة افهام زوجها منذ البداية بكافة متطلبات عملها، وكسب ثقته، واعتقد ان الرجل الذي يحاول احباط عزيمة زوجته انما هو اناني وغير مبالٍ، لأن المرأة حين تفكر في العمل وحين ترتقي في السلم الوظيفي انما تضع نصب عينيها مصلحة دولتها التي بذلت لها الكثير وحان الوقت بعد كل ذلك لأن ترد الجميل الى دولتها بالعمل الصالح المتقن. حرب نفسية وفي الاطار ذاته تقول مريم محمد امين ـ مسئولة قسم السيدات ببنك الامارات الدولي ـ ان مسألة تخوف الرجل الشرقي مما وصلت اليه المرأة يعد أمراً طبيعياً وهو الذي تعود ان يكون السيد والآمر والناهي سواء في البيت او العمل، وهكذا فإننا نراه يغار من الطموح الذي يغلب على امرأته ويحاول بشتى الطرق احباطها خاصة لو شعر ولو للحظة واحدة ان زوجته ستفوقه منصباً، ومكانة في المجتمع، بينما هناك الاقلية من الذين قد يتقبلون الامر ويقفون بجانب المرأة كي تحقق ما تصبو اليه، ومن خلال خبرتي الشخصية فإنني ارى ان الزوج يلجأ عادة الى ما يسمى بالحرب النفسية ضد زوجته في محاولة منه لاثنائها عن مواصلة طريق التقدم الوظيفي، حيث يقوم بإفهامها انها مقصرة في اداء مهام بيتها وانها تعطي جل وقتها للعمل، حتى لو لم يكن هذا صحيحاً، وهذا رد فعل طبيعي منه وعلى المرأة هنا اخذ الموضوع بالسياسة، ومحاولة عدم اقحام اي عمل في البيت، وعن نفسي فإن طبيعة عملي تتطلب مني في بعض الاحيان الاشتراك في دورات معينة ومكثفة تنتهي بامتحان معين، وهنا لا املك سوى المراجعة في اثناء فترة الدوام الرسمي، وهكذا تستطيع المرأة التوفيق التام بين العمل والبيت، وقد لاحظت أن عناد الرجل وكبرياءه قد يكونان من الأسباب التي تدفع المرأة في كثير من الاحيان في محاولة لاثبات خطأ ما يزعمه الرجال وصحة ما تعتقده هي وتؤمن به من قدرة المرأة على دخول معترك الحياة العملية. نجاح متبادل اما خبيرة التجميل الاماراتية هيفاء فترى ان سر نجاحها وشهرتها يعود بعد توفيق الله سبحانه الى زوجها الذي خصص لها صالوناً خاصاً بداخل منزله كي تمارس فيه هوايتها، وهذا ما دعا بالكثيرات الى الانجذاب نحو صالونها وبالتالي الى ما وصلت اليه من شهرة، مضيفة انه رغم كونها موظفة في الفترة الصباحية الا ان هذا لم يمنعها من مهنة التجميل، بل انني حين شعرت بنوع من التقصير تجاه زوجي واطفالي قررت ترك الوظيفة كي اتفرغ للصالون مساء، وقد جاء القرار بمحض ارادتي ودون تدخل من زوجي الذي اعتبره من اروع الازواج الذين يبحثون عن النجاح لهم ولزوجاتهم، فهو يؤمن ان اي نجاح للزوجة هو نجاح للزوج في الوقت ذاته، وبالتالي فإنهما يرتويان من البئر ذاتها، واتوقع وجود ازواج آخرين ممن يدفعون بالمرأة دفعاً للأمام ويحاولون معرفة طبيعة المهارة التي تمتلكها وبالتالي تنميتها بشتى الوسائل المتاحة، اما عن تلك الفئة الاخرى والتي هي على نقيض الاولى فإنه من الاجدر بهم ان ينصتوا لصوت العقل بدلاً من الجحود والاستكبار، فدورة الحياة في تغير مستمر وكذلك عملية التفكير عليها ان تتغير للأفضل كي نرتقي بانفسنا ومجتمعنا، فما العيب في وجود خبيرات تجميل من ذوات الثقة، او طبيبات، وعالمات، ومثقفات ومعلمات وصاحبات قرار ان كل هؤلاء النسوة يضعن في اعتبارهن الارتقاء بالمجتمع بما يتناسب مع عاداته وتقاليده وقيمه. رابعة الزرعوني