إذا كان المسرح الراقص قد غاب طويلا عن الحركة المسرحية في سوريا، فقد شهدت الأعوام الثلاثة الماضية محاولات تأسيسية جادة في هذا السياق، تمثلت بتجربة جهاد مفلح وفرقته إنانا، تجربة لاوند هاجو في فرقته رماد، وتجربة، نورا مراد في الدمج ما بين التمثيل والرقص التعبيري، وهاهي اليوم وزارة الثقافة ومديرية المسارح وفي تظاهرة هي الاولى من نوعها على الساحة السورية، تحتفلان باليوم العالمي للرقص التعبيري، وترعيان بهذه المناسبة العرض المسرحي الراقص «انعكاسات» الذي يقدم حاليا على مسرح القباني بدمشق، من تصميم وإخراج لاوند هاجو وأداء عزة سواح، يحيى بيازي والطفلة جيدا الفرا. العرض هو الثاني بعد «خلق» لفرقة رماد الخاصة التي كانت قد تأسست العام الفائت، وفي افتتاحه، قام المخرج بقراءة كلمة يوم الرقص العالمي، التي أعلنت عن بداية الاحتفال السنوي باليوم العالمي للرقص في سورية، وجاء في الكلمة «أن يوم الرقص العالمي كان قد أقر عام 1982 بمبادرة مشتركة من لجنة الرقص العالمي ومعهد المسرح العالمي، وقد تم اختيار يوم التاسع والعشرين من ابريل يوما عالميا للاحتفال بالرقص التعبيري، لأنه يوافق تاريخ ميلاد مبتكر البالية الحديث جان جورج نوفير، الذي وضع في كتابه «رسائل عن الرقص والباليه» عام 1761 نظريات حديثة بهذا الخصوص، وتمكن من خلال التدريس البرهنة على إمكانية استخدام مجموعة كبيرة من الحركات الراقصة انطلاقا من الوضعيات الخمس للبالية الكلاسيكي للتعبير عن المشاعر الدرامية في الرقص.وقد كان تأثير نوفير عميقا إذ أنه لم يكن فقط علما من أعلام الرقص في عصره، بل كان مبتكرا للعديد من الأعمال التي كانت ولا تزال تصنف أعمالا إبداعية على درجة عالية من الأهمية، وفي كل عام وبهذه المناسبة يقع الاختيار على شخصية معروفة في مجال الرقص لتوجيه رسالة يتم توزيعها عالميا هدفها توحيد عالم الرقص وتكريم هذا الفن الراقي والاحتفاء بعالميته، متجاوزين كل الحواجز السياسية والثقافية والعرقية، بمعنى أوضح جمع صفوف البشرية حول فن الرقص الذي يمثل لغة عالمية واحدة تحت شعار الصداقة والسلام، وقد وجهت كلمة الرقص العالمي لهذا العام الراقصة الأمريكية كاترين تنهام.بعد هذه الكلمة سارت فصول «انعكاسات» على شكل لوحات تفصل ما بينها وقفات إظلام وموتيف موسيقي يتكرر، وقد ربط اللوحات التعبيرية الراقصة فكرة انعكاس الموضوع على الذات وتعددية الأثر بتعدد الذوات، فالمشهد الأول ابتدأ بثلاثة أشكال كبيرة احتلت خلفية الخشبة تشبه الموشور، تحرك في داخلها أبطال العرض ثم تقدموا إلى الأمام ليروا حكاياتهم كل منها في لوحة تعبيرية راقصة، وعلى خلاف تجربة لاوند السابقة «خلق» التي تناولت موضوع العلاقة بين الجنسين بأبعادها الأسطورية والحلمية، فإنه تناول في عرضه هذا موضوعا راهنا ويوميا لامس الحياة، فالعرض يتحدث عن حالة الخواء الروحي التي تعيشها الأجيال الشابة وافتقادها للرومانسيات والأحلام، عن التأثيرات السلبية لأجهزة الإعلام المرئي، عن أزمة البحث عن العمل وأزمة الحب والعلاقة بالجنس الآخر، عن تعاطي المخدرات والتهويمات الدينية الغيبية التي تشل حركة شباب اليوم، وكل هذه الموضوعات الاشكالية والمعقدة التي تثير الكثير من الجدل والأسئلة حول التحولات السلبية التي طرأت على عالم اليوم، يمسكها لاوند ويقدمها بقالب فني ممتع وجذاب تداخلت في تراكيبه مرشحات الحلم والواقع، المحلي والعالمي، ونسجته لمسة خاصة تؤمن بأثر الفن وقدرته على الارتقاء بالنفس البشرية باتجاه آفاق أرحب وأجمل الفضاء المسرحي خال من الأغراض تماما، ومتروك بكليته للعبتي الإضاءة والجسد، والرقصات مصممة بحيث تقتفي خطوات البالية الحديث، وتمزجها ببعض خطوات الرقص الشرقي، مع استفادة من مدرسة فيليب جانتي للرقص التي تضفي الحس الساخر على الحركة، ومدرسة مارتا غراهام التي تلغي أية حواجز ما بين الأرض والقدم، وإلى جانب التصميم الحركي للرقصات، ثمة فسحة كبيرة متروكة للأداء التمثيلي ظهرت من خلالها تعبيرات الشخصية وانفعالاتها، وجدلية علاقتها بالحالة المقترحة، وهنا تم الاعتماد على مبدأ الارتجال لبناء الشخصيات وبلورتها واستنطاق لغة الحواس والجسد بما يناسب الحالة فلدينا هنا شخصيات عدة تناوب على ادائها الممثلون وهي الشاب المدمن والشاب السلفي والمرأة التي يضنيها البحث عن عمل والمرأة اللعوب..وكما هو العرض مركب ويعتمد مبدأ المزج ما بين المحلي والعالمي، الواقعي والحلمي، كذلك أتت الخلفية الموسيقية المصاحبة له على شكل توليف مركب ومعالج من عدة مقطوعات شرقية وأجنبية، كلاسيكية ومعاصرة وفلكلورية، قام باختيارها وإعادة صياغتها المخرج، بحيث تعاظمت القيمة الدرامية للخلفية الموسيقية ولعبت دورا موازيا وأساسيا في تصعيد الحالة التعبيرية والانفعالية للعرض، لا يقل عن الدور الذي لعبته لغة الجسد بمفرداتها وصياغاتها الغنية والمتعددة الظلال والمستويات دمشق ـ تهامة الجندي