وقع الفنان مارسيل خليفة اسطوانته الجديدة بعنوان «كونشرتو الأندلس» في محلات «فرجيني» وسط بيروت على بعد أمتار من «خيمة» المعتصمين المؤيدين للانتفاضة الفلسطينية، التي قدم خليفة ريع التوقيع دعماً لها في مواجهة أعتى غطرسة وعدوانية من اسرائيل منذ النكبة الكبرى عام 1948.الكونشرتو مزيج من معزوفات يتقدم فيها عود مارسيل الآلات الأخرى باسطة على مدى الأذن المسيسة ورحاب الحنين إلى تاريخ عربي تليد تقطعت أوصاله منذ ان انتهت الأندلس. موضوعات المعزوفات عناوين لها في الذاكرة بصماتها، وفي الوجدان دغدغاتها، وفي «أجندتها» عز كان من البنت الشلبية، بنات الاسكندرية، زغاريد (افتتاحية الاسطوانة)، قدك المياس، سيرتونكريز، غرناطة، فالس زنجران، الفالس طرزنوين، إلى غيرها من معزوفات منوعة تضمنها الجزء الأول. وفي القسم الثاني من الاسطوانة يتوشح عود خليفة بالغناء، وبصوت الفنانة أميمة الخليل «مر القطار»، «أمر باسمك» «يا نسيم الريح» «يا ساري»، «قالوا مشت» قصائد لمحمود درويش والحلاج، ومحمد السعيدي، وأدونيس. الجديد في القسم الغنائي من الاسطوانة كثير برأي الناقد أسعد قطان، للمرة الأولى ينخرط خليفة في تجربة تلحين مقاطع شعرية من الحلاج، ولعله بغرفة من التراث الديني الصوفي يوحي ولو بخطر تفاهة هؤلاء الذين حاربوه، هل اقترب خليفة من الحلاج، بعدما صار كذلك، ضحية الدوغماتية، و«تمأسس» الأفكار، وان كانت أكثرها انسانية؟ أما في «ساري من جداهم» فمحاولة مميزة للتأليف بين الفصحى والعامية التي تلامس لهجة البدو وفي «مر القطار سريعا» كثير من عمق أميمة الخليل وتناهي سكون النغم في حنجرتها، لعلها تفهم اننا نحبها هكذا، وان أي تجربة جديدة لا يسعها ان تكون دون مستوى التراث الخليفي الذي باتت هي واحدة من اعمدته. وعندنا ان العودة إلى رقي القلة أجدر بهذه العازفة على أوتار الصوت من تسطح الكثرة في زمن يراكم الحناجر كالأرقام، أميمة الخليل من ملح الفن الرفيع في لبنان فإذا فسد الملح فبماذا يملّح؟ تأنق العود أوركسترالياً أما آلة العود التي يشدها خليفة احتضاناً كأنه يقرب قلبه إليها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وضغطاً وشداً فتبقى الملح في «كونشرتو الأندلس» ملح ولا أحلى، فتأتي الاسطوانة مزيجاً من سحر الشرق، عوداً، ومن أرفع اطار موسيقي أنتجه الغرب، الأوركسترا السمفونية، وتقفز إلى خانة التميز وخانة الفرادة بعيدة المدى لأنها قدمت من الابداع الغنائي والموسيقي ما يتجاوز سطحية البعض في تناولهم النقدي السلبي لها، بحجة ان ميليودياتها معروفة، خاصة كونها مزيجاً من فولكلور «وخليفيات» سبق للمؤلف ان قدمها في الحركة الثالثة من «جدل». ففي افتتاحية الاسطوانة وعنوانها «زغاريد» لا تزغرد فيها الآلات (تقول الناقدة الأديبة مي منسي): «إلا بعدما تكون قد رسمت جدارية رثائية تعبر عن الحنين بمسحات حزن وكآبة تتكرر بعد كل فاصل من الزغردة المفرحة وقبل دخول العود صدى بعيدا صافي التعابير عاطفيا تسدل الموسيقى السمفونية ستارة الحزن على المشهد الشهرزادي باكمله فيشتد النغم ويتلون مثل جسد راقصة شرقية يكور اللحن مع كل حركة ودورة حوض. عود مارسيل لايضحك حتى عندما يطغي عليه الطرب فطربه تأمل في الحزن الكبير الذي يعري الغناء العالي حتى اللب الخفي وفي انتقال العود والايقاعات والمزامير من «قدك المياس» الى معزوفة «سيرتو نكرين» ثم «غرناطة» فـ «فالس زبخران» و«فالس طرزنوين» تتوقف الرحلة في قلب غرناطة ويكتسي العود هنا بثوب الفلامنكو الملون ذي الكشاكش مثل قيثار مشتاق الى مشرق ومغرب. نسمعه ينضم الى قافلة الموسيقيين الاسبان الذين تأثروا بزرياب وتطويره الة العود وكل وتر وتوزعوا على هذه الارض مثل «التروبادور» يزفون النغم الذي بدأ يشع فعلا عبر المدارس الاندلسية ونظرياته المكتوبة. ويجمع النقاد على القول: «نعتز بان يكون من ارضنا (مارسيل) قلب صفحة غنائنا وموسيقانا الشعبية الى صفحة تضيف الى اللائحة الطويلة التي كتبت الموسيقى الاسبانية بدءا من البوليفونية الدينية الى المنوعات الكلاسيكية اي من موراليس وجريرو وكونتريراس الى مودارا ونارفاين بلوغا الى ذروة التأليف في القرن التاسع عشر مع دي فايا والبينيز وتورينا واخرين ويكون مارسيل خليفة بين الموسيقيين اللبنانيين الذين طوروا بمؤونة الامس موسيقى الحاضر امثال الرحابنة وتوفيق الباشا ووليد غلمية حيث دخل النغم الشعبي في مؤثرات تأليفية واسعة حررته من دائرته الجغرافية الضيقة وتوغل في قلب المفهوم الكلاسيكي للموسيقى». مشروع موسيقى لبناني فهل نستدل بغوصنا في عمق ذلك الكونشرتو بعد ان نكون قد رافقنا العود المنفرد الاليف النغم والصفاء على مؤثرات دفينة بين خيوط العمل الاوركسترالي؟ علما ان الفولكلور الاندلسي ولد من غير رحم وام، مزيج ولا اجمل من الليثورجيا البيزنطية والموسيقى اليونانية والعربية وتلك الشاردة الاتية على دروب الفجر لتستقر على الارض الاسبانية بهويتها الفلامنكو. فنادرا ما نجد في الغرب تجارب موسيقية محدثة تتخذ الاوركسترا السمفونية اطارا لها واذا تم ذلك فان الثورة في المادة الموسيقية يجب ان تكون من القوة بحيث تخنق الانطباع ان ما يتم يتعدى كونه تعتيقا للامور. ولعل هذا بالضبط ما يطرح مسألة جدوى التجربة الجديدة التي يخوضها خليفة فالعود هنا لا يواصل ثورته التي بدأها في «جدل» و«مداعبة» والتي كسرت بنى كان التقليد قد فرضها على هذه الوترية مئات السنين في «جدل» كانت الثورة ان يصير الواحد كثرة والعود اعوادا وان تدخل الموسيقى العربية للمرة الاولى على هذا المستوى مغامرة تزامن الانغام المختلفة.وفي «مداعبة» التي قدمها خليفة في لبنان بعد الحرب تبوأ العود تأليفا محدثا لآلات الميادين وانغرس فيه على تداخل آسر فصار يفضي اليها باسراره وهي تمده بتوهجاتها. من ضمن ذلك السياق تندرج «كونشرتو الاندلس» في تجربة مارسيل خليفة الطليعية ولعلها المشروع الموسيقى اللبناني الوحيد الذي يسير منذ نيف وعشرين سنة باطراد في حداثة تثمر التراث لتتجاوزه. اسطوانة مارسيل الجديدة جدارية احتفالية زمن ارتسمت فيه ملامح الاسطورة التراجيدية لكن لماذا الحنين الان الى الاندلس؟ هل لان الزمن الاندلسي في ذاكرتنا والوعي بعض فردوس مفقود؟ زمن ازدهار ثقافتنا التي تكاد الآن تلفظ انفاسها بين ضحالة الاستهلاك وجور السلطان؟ زمن التلاقي الاكثف في تاريخنا بين الشرق والغرب؟ «كونشرتو الاندلس» تأتي في زمن التسامح الفكري واللاخوف من الابتلاع والانفتاح دائم الصيرورة. مارسيل خليفة مرة اخرى يعيش في وطن مقيم في وجدان كل الاوطان وشاحذ ذاكرتها وتاريخها وحضارتها سواء اجاد لبنان الصنع ام كان ضحية الصنيع! بيروت ـ وليد زهرالدين