حياة الماضي بكل معانيها حياة حلوة ولذيذة مليئة بتضحيات وتجارب الآباء والأجداد في سبيل الحصول على قوت يومهم بالرغم من سنين الحرمان والتقشف والقسوة التي عشناها حينما كنا نسكن احضان الصحراء التي لم تبخل علينا قط. فالحياة جميلة وزاهدة لمن يرضى بقسمته فيها.. بهذه العبارات بدأ الوالد خلفان الظاهري رئيس قسم الآثار بدائرة آثار العين يتحدث لنا عن ذكرياته الجميلة ورحلة كفاحه التي خاضها الى جانب والده رحمه الله في ظل ظروف معيشية ضنكة عاشها في الماضي مشيرا الى ان الذكريات الجميلة مازالت تسكن ذاكرته ولن تنسى على مر الايام والعصور وستبقى تروي فصولا وصفحات عن التضحيات السابقة في سبيل الحصول على قوت يومه. ويضيف الوالد الظاهري: رغم كل الصعوبات التي واجهتنا وقلة الامكانيات المادية والمعنوية وتواضع الادوات التي كان يمتلكها الآباء آنذاك الا ان الإرادة القوية والمخلصة يتلاشى امامها المستحيل وتصبح الاحلام والأمنيات حقائق نلامسها بأعيننا على ارض الواقع ونعايشها زادا يوميا واملا مستقبلا. ويقول خلفان الظاهري: ان مهنة القنص والتجارة البرية «البوش» من المهن العريقة التي كانت مصدر الرزق لكثير من سكان الإمارات اعتمدت على بيع الإبل والسفر لبلدان بعيدة ورغم عمل بعض السكان بالزراعة والري الى ان المهنة الرئيسية لاغلبهم كانت الى جانب الغوص والصيد بيع «البوش» ويواصل الوالد الظاهري حديثه قائلا: كانت المخاطر والمشاق تحيط بمن يعمل في المهنة من قبل بعض قاطعي الطرقات وغيرهم داخل الصحراء. حكاية عشق واضاف الوالد خلفان: اود في البداية الحديث عن انني كنت سابقا ومازلت ممن استهوتهم الصحراء، واجهل البحر فركبت رمالها وغصت في اعماقها بحثا عن الرزق دون ملل او تعب وعملت في احضانها سنوات عديدة وكرست حياتي لخدمتها ولكنني بعد التحول الجذري الذي شهدته منطقتنا آنذاك واقصد بذلك ظهور النفط وتوقف الرحلات التجارية وجدت من المناسب ان ابدأ حياتي بوظيفة حكومية توفر لي دخلا مناسبا يفي بمتطلبات الحياة من مأكل وملبس ومسكن. يصمت قليلا ويبدأ بسرد حكايته مع الماضي قائلا: اول ما بدأت حياتي كان عمري لم يتجاوز بعد سن الـ «12» عاما فقد ولدت عام 1939 بمدينة العين (عمّان سابقا) وتعلمت آنذاك من خلال الملاحظة والمشاهدة كيفية صنع ادوات القنص وتربية الطيور والصقور وكيفية الاعتناء بالبوش التجارة الرائدة قديما والتي ورثتها عن والدي رحمه الله. ويتابع قوله بعد ان عرفت مجاهل الصحراء واتجاهاتها بدأت بممارسة التجارة وكان المعدل الزمني للرحلة الواحدة «7» ايام متتالية لأبوظبي. ويصف الشيبة خلفان شعوره عند ركوبه ظهر الابل «البوش» بقوله: كنت اشعر بفرحة غامرة وسعادة لا توصف والرحلات كانت بالنسبة لي شخصيا مكسبا ماديا وفرجة للاستمتاع بمناظر الصحراء والرمال التي كانت جميعها تدخل السعادة والبهجة الى قلبي. ويشير الى حرصه في السابق على تنظيم مثل تلك الرحلات التجارية التي كان يعتبرها بمثابة فترة راحة واستجمام شاقا خلالها آلاف الأميال داخل الصحراء العربية. ويواصل حديثه قائلا ان الحياة التي عشناها في الماضي كانت تتسم بالبساطة والاستقرار النفسي رغم قلة الامكانيات ولكنها مجهدة فالأسرة لا تتطلع لأكثر من الاكل والشراب وقطع من القماش تستر بها العورة حينها كان المردود الزراعي لا يتعدى الروبيتين «عملة البلاد آنذاك» ولكن روبية واحدة تكفي لشراء ما تحتاجه الأسر من المأكل والملبس... الخ. الاعتماد على النفس ويشير الظاهري الى انه بعد تدني المردود الاقتصادي التجاري للبوش التحق بالقيادة العامة للقوات المسلحة البريطانية في الخليج العربي عام 1955 ولمدة عامين حيث أسندت له مهام الحراسة الليلية فقط وكان راتبه 75 روبية في الشهر الواحد مما احدث له نقلة نوعية وطفرة اقتصادية لم يسبق لها مثيل غيرت ملامح حياته اليومية. ويرى انه رغم النقلة النوعية والتطور المذهل الذي طرأ على نواحي الحياة الا انه لن ينسى ذكريات الماضي مشيرا الى انه رغم كل هذا التطور لا يشعر بالطمأنينة والاستقرار الذي كان ينعم به في الماضي. ثم التحق بدائرة الآثار والسياحة بمدينة العين ومازال على رأس عمله حتى الآن ويعمل بها منذ 28 عاما. ويعتقد الوالد الظاهري ان اغلب الناس في الوقت الحالي يرزحون تحت وطأة الديون البنكية وفوائدها المزعجة التي لم تكن موجودة اصلا في زماننا. ويتذكر الايام والمشاهد والمواقف الماضية ويؤكد انه لن ينساها ابدا مهما طال عليه الزمان وعنها يقول: لقد عشت حياة علمتني معنى الاعتماد على الذات فعلى الرغم من صغر سني الا انني استطعت ان احقق النجاح والعزم والإصرار على ذلك، بالرغم من انني لم انل حظا وافرا من الدراسة والتعليم لكن مدرسة الحياة اعطتني الكثير الكثير والذي ألخصه في الاعتماد على الذات فهذه الجملة صنعت لي المعجزات. لذة الحياة ويضيف: عندما كنت في سن العاشرة اجبرني والدي (رحمه الله) على مزاولة مهنة تربية البوش وغيرها من المهن السائدة في مجتمعنا آنذاك وكنت في السابق اكره تلك المهن ومنذ الصغر كونها متعبة وشاقة جدا ولكن فيما بعد اكتشفت اني على خطأ بعد ان اتضحت لي فوائدها واهميتها حينها ادركت مغزى والدي من ذلك والذي الخصه بكلمات قليلة «الاعتماد على الذات من اجل تحقيق مصالحنا المشتركة وسد احتياجاتنا اليومية». ويشير الى ان التعب هو لذة الحياة الحقيقية ومتعتها التي لا تنسى لما يضفي «اي التعب» في النفس من راحة واستقرار وصفاء لاحقا. ويضيف: كان والدي باستمرار يحرص على تعليمي مهنة القنص والتجارة فلم يكن يدع لي مجالا للعب على الاطلاق الا بعد الانتهاء من العمل ولمدة محدودة لم تتجاوز ساعة واحدة يوميا مقارنة بما هو عليه الحال عند اطفالنا في وقتنا الحاضر فأغلب اوقاتهم لعب ولهو. ويقول: لقد حول الآباء في ايامنا قاعدة الآباء والأجداد ووجهة نظرهم في الحياة بان اللعب مضيعة للوقت الى ان الشغل والعمل هو مضيعة للوقت. ويعترض الظاهري على سلوكيات الآباء في زمننا الحاضر بشدة بقوله: لا أؤيد ما يفعله الكثيرون من الآباء من تدليل مفرط للابناء والاستجابة لكل طلباتهم فالسيارة تتحول بيد الصبي او الصغير الطائش الى اداة لحصد ارواح الآخرين في حالة غياب الارشاد والتوعية والرقابة الصحيحة ويتابع قوله كما انه ليس من الضروري ان يعبر الآباء عن قدرتهم المالية بهذه التصرفات لأن ابناء الرعيل الاول عندما ادركوا قيمة النعمة الوفيرة التي عمت البلاد ابتعدوا عن مظاهر تقليد الآخرين ليؤكدوا بذلك شكرهم للخالق عز وجل على نعمه وصونهم لها بغير بطر او إسراف. القنص مهنة الأجداد ويستنكر الوالد خلفان الظاهري عزوف شباب اليوم عن العمل بمهنة القنص التي تعتبر مهنة اصيلة وارزاقها كثيرة لا تعد ولا تحصى فلماذا يهجرها شباب اليوم؟! ويضيف ان هذه المهنة يجب ان يتدرب عليها الكبير والصغير من ابناء اجيالنا الصاعدة ويقومون بتطويرها. ويتابع قوله بمرارة وحزن شديدين في ايامنا هذه لا نجد سوى اعداد قليلة جدا من المواطنين الذين يتقنون مهنة القنص بحيث قد لا نجد سوى «10» اشخاص على مستوى مدينة العين وذلك بسبب هجرة المواطنين عنها وعن صناعتها. دور الدولة ويشيد خلفان الظاهري بدور دولة الإمارات العربية المتحدة في الحفاظ على ما هو قديم ومتوارث من خلال منعها استخدام الطرق الحديثة مؤكدا على ان الدولة قد اولت جُل اهتمامها في الحفاظ على التراث وحمايته من التلاشي والاندثار من أجل تشكيل الهوية التراثية السوية لأبناء الإمارات وذلك انطلاقا من الايمان العميق والراسخ لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وحرصه على أهمية الميراث التاريخي وقيمته ومقدماته الاصيلة بالنسبة للأجيال المقبلة ويبارك الظاهري في هذا المضمار جهود نادي تراث الإمارات ودوره في الحفاظ على التراث. نساء الماضي المرأة في الماضي كانت في حركة دؤوبة فقد نشأت الى جانب الرجل على حب العمل وتعلم كل ما يعود بالنفع فكانت المرأة تستيقظ مع أذان الفجر تصلي ثم تقوم بأعمال البيت بداية بتحضير الريوق وتنظيف البيت وغسل الملابس... الخ. باختصار شديد المرأة في الماضي هي الأم والمعلم والمربي وكانت المرأة خير معين للرجل حين كان البيت الإماراتي بسيطاً في محتوياته وشكله ومساحته حيث الزوجة تقوم بإدارة امور المنزل وتلبي جميع احتياجات زوجها دون ان تعرف للملل او التعب طريقا فتحرص دائما على سعادة زوجها بما تمتلك من وسائل بسيطة لنيل رضاه على عكس ما نجده تماما اليوم في زوجات العصر الحديث. وعن غلاء المهور يقول الظاهري: شكل دعم رئيس الدولة للشباب المقبلين على الزواج عنصرا هاما في تشجيع الآخرين على الزواج فمن خلال الدعم المتواصل الذي يقدمه صندوق الزواج بات بمقدور الفرد تجاوز صعوبة غلاء المهور الذي يعاني منه شاب اليوم. ويرى الشيبة الظاهري ان لكل عصر رجاله ومفاهيمه الخاصة به وان الحياة بقيت كما هي ولكن اختلفت النفوس والمقاييس والمعايير التي تحكمها سعيا وراء المظاهر المزيفة والكماليات الخارجية بعيدا عما تختلجه النفس من معان ومفاهيم علمنا الآباء والأجداد اياها. ويشير الى ان مدينة العين قديما كانت عبارة عن حارات سكنية موزعة على اطراف المدينة واشهر هذه الحارات حارة الحصن والمويجعي والنيادات وكانت بيوت المواطنين جميعها من العريش باستثناء بعض فئات المجتمع «المقتدرين» بيوتهم من الطين والجريد ويتراوح عدد غرف البيت الواحد حسب عدد أفراد الاسرة. ويؤكد على ان العلاقات الاجتماعية والترابط الاسري كانا اسمى الروابط في ذلك الوقت. النخيل والمدفع وينهي الوالد خلفان الظاهري حديثه مشيرا الى ان لشجرة النخيل مكانة مميزة في قلبه وان ابرز ما يحلم في سماعه هو صوت المدفع القديم الذي كان يستخدم في حالة السلم والحرب كرمضان والاعياد والمناسبات الدينية.