النقد نقدان: نقد يفسر ويفهم، ونقد يقدر ويقوم. الأول يشرح النص الأدبي شرحا متعدد الجوانب، إذ يفسر غريبه لمن بعد عهده بالغريب، ويحلل ألفاظه تحليلا صرفيا، لمن انقطعت صلته بالصرف، ويعرب المشكل من ألفاظه للذين أعرضوا عن الغوص في النحو، وضاقت صدورهم بالقواعد والشواهد، ويربط النص بحياة الشاعر وبيئته ليستمد من الحياة والبيئة ضياء يزيد المعنى توهجا والعاطفة تأرجا، ويفكك التراكيب المعقدة التي شابها التقديم والتأخير، والحذف والتقدير. فإذا قرأه المبتدئ علم ما كان يجهل، وإذا قرأه المتضلع تحول علمه إلى فقه، وظنه إلى يقين، أو حمله التفقه على الرغبة في الرد، فإذا هو ينقد النقد. وفي نقد النقد ضرب للرأي بالرأي، وقرن للحجة بالحجة. ومن هذا الضرب شرح ديوان أبي الطيب المتنبي المنسوب إلى أبي البقاء العكبري، وشرح الحماسة للتبريزي، فكلاهما نقد يفسر. والثاني النقد الذي يقوم النص. والتقويم أصح اشتقاقا وصياغة من التقييم، مع ان التقييم شاع، وأجازته مجامع اللغة العربية، وحصرت معناه بتقدير القيمة. أما التقويم ـ وهو الأصح ـ فلك أن تفهمه على وجهين: أولهما تقدير القيمة، وثانيهما إقامة العوج، وكلاهما عمل جليل يحتاج الى ثقافة واسعة، وإلى علم عميق دقيق، وإلى احاطة بكلام العرب شعره ونثره. وكما ان التاجر لا يستطيع أن يقوم السلعة إلا إذا قارنها بمثيلاتها وأضدادها، وقاسها بنظائرها وضراتها، فالناقد لا يستطيع أن يحدد قيمة قصيدة من القصائد إلا إذا قارنها بما سبقها، وأحيانا بما لحقها من شعر. ولا يكون لنقده أثر في تقويم العوج، ونفي الخبيث، والتبرئة من اللحن والغلط إلا إذا أحاط بعلوم اللغة كلها، لا بالنقد وحده، وبأدب العرب كله، لا بأدب عصر من العصور. وقد تتسع معرفته، فتشمل أدب العرب وآداب الأجانب حينما يتصل النقد بموضوع إنساني النزعة، تلتقي عنده عقول البشر وعواطفهم على اختلاف الألوان والأديان. إن الناقد في هذه الحالة لا يكتفي بتقويم النص في اطاره العربي القومي، بل يجاوز هذا الاطار الخاص بالعرب إلى الاطار الإنساني الشامل، فيقرن على سبيل المثال مسرحية كليوبترا التي نظمها شوقي بمسرحية كليوبترا التي صنعها من قبله شكسبير. ومن هذا الضرب في العصر العباسي موازنة الآمدي بين أبي تمام والبحتري، ومن أمثلته في العصر الحديث النقد المقارن الذي يوازن أربابه أدباء العرب وشعراءهم بأدباء الأجانب وشعرائهم، فيقول قائلهم: فلان العربي تأثر بفلان الانكليزي أو الفرنسي في مذهبه الأدبي، ثم يأتي بالحجج الدامغة من كلام الآخذ وكلام المأخوذ منه. فإن طابق الفرع الأصل حمل الآخذ على محمل السرقة والاحتذاء، وإن تقاربا حمل التقارب على محمل الاهتداء، فعيبت الحالة الأولى، واغتفرت الثانية، لان الأولى نسخ يمسخ شخصية الناسخ، ويعطل قدرته على الإبداع، والثانية ارتشاف ينعش موهبة المرتشف، ويدفعه إلى الابتكار. والمفروض ان يكون النقد الأول أي المفسر أقدم من الثاني في الظهور، لانه لا يحتاج الى تعليل، غير ان الواقع ينقض هذا الترتيب الزمني المفترض، ويشير الى ان النوعين كانا فرسي رهان، يستبقان في زمان واحد وفي مكان واحد. وربما اجتمعا في ناقد واحد، فجاء نقده أقرب إلى التفسير مرة، وأشبه بالتقدير أخرى، وربما جمع بينهما في النص الواحد، ففسر وقدر مستندا في تفسيره وتقديره إلى الذوق والثقافة معا. وربما أسر الناقد التحليل والتعليل، فحلل النصوص لنفسه، ولم يطلع على تحليله القارئ، وعلل المفاضلة بين النصوص، ولم يبح بالعلل التي استند إليها، بل اكتفى على طريقة القاضي العسكري الفرد باصدار الحكم، وأخفى الأنظمة والقوانين التي يسوغ بها حكمه. ولكل حالة من هذه الحالات المحتملة في تاريخ النقد العربي ما يوضحها من أمثلة وأحداث. فالنابغة فاضل بين الشعراء، وكاد يفضل الخنساء، لكنه لم يشفع التفضيل بالتعليل. وعمر بن الخطاب فضل زهير بن أبي سلمى وعلل، وابن سلام قسم الشعراء إلى طبقات، ولم يضع بين أيدي القراء الأسس التي استند إليها، وكأنه احتجنها لنفسه، أو كأنه أراد أن يقول للقارئ: هذا ما هداني إليه ذوقي وعلمي، فخذ مني التقسيم المنطوي على التقويم، ولا تسألني عن الأسس التي اعتمدت عليها. وتفصيل ما أجملنا ان الخنساء غشيت خيمة النابغة في عكاظ وأنشدته، فأعجب بشعرها، وقال لها: لولا أن أبا بصير ـ وأبو بصير هو أعشى قيس ـ أنشدني لقلت: إنك أشعر الجن والإنس. وليس بخاف عن القارئ ان هذا النقد المرتجل من النمط الذي يقوم، لا من النمط الذي يفسر. فالنابغة كان يحاور شاعرة تدرك من أسرار الشعر ما لا يدركه عامة الناس، ولهذا لم يقف منها موقف المدرس من التلميذ، بل وقف منها موقف الند من الند، فأوشك أن يفضلها على شعراء الجن والإنس، لكنه نزع منها هذا التفضيل بـ (لولا). وفضل عليها الأعشى تفضيلا مرتجلا. تلك حالة. والحالة الثانية التفضيل المشفوع بالتعليل، ويتجلى في نقد عمر لشعراء الطبقة الأولى من الجاهليين، وإيثاره زهيرا على لداته، إذ قال فيه: «إنه شاعر الشعراء. فقد كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدا إلا بما هو فيه». وفي هذه الكلمة الموجزة نظرات ناقدة رائدة، وعلتان للايثار لا واحدة. أما النظرات الرائدة فقد شقت منهجين من مناهج النقد، وهما المنهج الفني الذي يضرب الشعر على محك الجمال في الصياغة، والمنهج المعياري الفكري الذي يقيس الشعر بما فيه من فكر، وينظر إليه بعين الدين والخلق. وأما العلتان فأولاهما أسلوبية تتجلى في ابراء الشعر من المعاظلة أي: من التعقيد وتراكب الألفاظ. فمتى برئ الشعر منهما فقد استقام، وسار على استواء، كما تتجلى في البعد عن الوحشي، والوحشي من الحيوان واحد الوحوش التي تنفر منها وتنفر منك. والوحشيّ من الشعر ما مجّه ذوقك، ونأيت عنه بجانبك، لمخالفته ما ألفت من المأنوس السائغ. والعلة الثانية خلقية إيمانية، جوهرها الصدق، ومعدنها الاخلاص، وغايتها تنقية الامة من أوشاب الرذائل، والرقي بها من فسوق الجاهلية الى شرف البيان، وطهارة السلوك بالقضاء على الملاحاة والمهاجاة والتنافر والتناكر، ولا تتحقق التنقية والترقية إلا بالاحتكام إلى الإسلام. ولو قرنت كلام عمر بكلام النابغة لوجدت بينهما فرقا في المسافة لا في المنهج، فكلاهما يسير في طريق النقد الذي يقوم لا في طريق النقد الذي يفسر، غير ان النابغة قارن وحكم، وأغفل التعليل، وعمر قارن وحكم وعلل الحكم، أي: انه جاوز النابغة بجمعه المعرفة إلى الذوق، والعقل إلى الحس. أفتعني هذه المجاوزة ان النقد العربي كان ينتقل من مرحلة إلى مرحلة مع تعاقب الأيام، وانه كلما تقدم به العمر نضج فيه الفكر، وبرد الحس؟ لك أن تذهب هذا المذهب، فتقول: أليس من المنطقي أن يرفع المتأخر بناء المتقدم، فيزيد عمر في صرح النقد مدماكا آخر؟ لو نظرت في طبقات الشعراء لابن سلام لما وجدت الجواب بالايجاب، فابن سلام لم يضف الى الصرح مدماكا يعلي به مدماك عمر، إذ قسم الطبقات بلا تحليل ولا تعليل. وإذا نظرت في صنيع ابن قتيبة وجدت التقسيم العقلي المشفوع بالمنطق، فقد قسم ابن قتيبة الشعر إلى أربعة أقسام: أولها ما حسن لفظه ومعناه، وثانيها ما حسن لفظه فقط، والثالث ما حسن معناه وساء لفظه، والرابع ما ساء لفظه ومعناه. وهذا التقسيم يشفع لمذهبك، ويثبت صحة التطور النقدي على نحو متدرج. ولك ان تقوي حجتك بحجة أخرى، وهي ما ذهب اليه بعد ابن قتيبة بقرنين عبدالقاهر الجرجاني في نظرية النظم، وما انطوت عليه هذه النظرية من المفاضلة اعتمادا على تحليل التركيب لا على إهماله. استحسن الجرجاني كلمة الأخدع ـ والأخدع عرق في الرقبة ـ في بيت الحماسة التالي: تلفت نحو الحيّ حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا واستقبحها في بيت أبي تمام التالي: يا دهر قوّمْ من أخدعيك فقد أضْجَجْتَ هذا الأنام من خَرَقِكْ وعلل رأيه بقوله: إنك تجد لها من الثقل على النفس لمجاورتها أضججت وخرقك، ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت في بيت الحماسة من الخفة والإيناس والبهجة. ولما كان الجرجاني متأخرا عن ابن سلام وابن قتيبة، ولما كان نقده مشفوعا بالتحليل فإن احتجاجك به يظاهر رأيك، ويحمل محك النقد على التراجع عما زعم، فيقول: لقد بدأ النقد العربي بضربيه المفسر والمقدر بالاحتكام إلى الذوق، ثم أخذ يحتكم إلى العقل، وفي أثناء تطوره مزج التقدير بالتفسير، والتحليل بالتعليل، حتى نضج، وتجلى على أحسن أوجهه في آراء الجرجاني.