.. في احدى الأسواق الشعبية التقليدية بكازابلانكا أصر أن يأخذنا أحد المغاربة من كبار السن الى محل تجاري يبيع الملابس التقليدية المغربية بأسعار مناسبة جداً، ونزولاً عند إصراره انطلقنا الى المحل وأخذنا حاجتنا من الجلاليب المغربية الرجالية والنسائية، وعند خروجنا من المحل لحق بنا ذلك الرجل وهو يقول: الى أين؟ سآخذكم الى محل آخر يبيع نفس البضاعة بأسعار أرخص من هذه!! سألته لائماً: ما دمت تعرف ان هناك محلاً ارخص فلماذا اتيت بنا الى هنا وانتظرت الى أن قضينا حاجتنا؟!! نظر الي وابتسم قائلاً: مادمت في المغرب فلا تستغرب.. .. وبالفعل آمنت بكلامه ففي المغرب لا داعي ابداً للاستغراب والعجب، فكل ما حولك في هذه البلد الجميلة يستدعي التساؤل ويثير الدهشة، وتكمن متعة الزائر الحقيقية في هذه الدهشة والاستغراب.. ومن الامور المثيرة في المغرب تلك الساحة الشهيرة المعروفة باسم ساحة الغناء في مراكش هذه الساحة هي عالم قائم بذاته مليء بالعجائب والغرائب، يجد الزائر فيها عروضاً بهلوانية وأخرى فلكلورية كما ينتشر فيها السحرة وقارئو الطالع والمهرجون، اضافة الى بائعات السلال، ويقدم في انحاء الساحة الموسيقيون والراقصات الشرقيات عروضاً تحظى باعجاب الزوار خاصة من الاوروبيين وغيرهم.. هذه الساحة تميز مدينة مراكش الشهيرة اصلاً بلونها الأحمر فكل ما فيها من مبانٍ وفنادق وبيوت تتشح باللون الاحمر.. أطرف ما يلفت النظر في شوارع المدن المغربية بشكل عام هو التمتع بقراءة اللوحات المثبتة على المحال التجارية او في الشوارع الرئيسية حيث تجد فيها تسميات عجيبة غريبة، صحيح ان معظمها عربي ولكنها مترجمة بخصوصية شديدة لا تجدها في أي من القواميس او الأقطار العربية الاخرى.. .. فلا تستغرب أبداً لو رأيت لوحة تحمل في محتواها كلمة «مخدع هاتفي»، ولا يروح ظنك بعيداً، فالمخدع هنا ليس سريراً او مكاناً للنوم، وانما هي ترجمة حرفية من الفرنسية لكلمة «CABINE» وتعني غرفة فالمقصود بمخدع هاتفي هو غرفة هاتف!! وعندما تشاهد لوحة أخرى مكتوب عليها «قاعة شاي» تأكد تماماً انك امام «coffe shope» وبإمكانك تناول القهوة والشاي في أي وقت شئت في هذه القاعة أي المحل.. ولا داعي للرهبة او الخوف عند رؤية لوحة «مجزرة دجاج» فهي بعيدة عما حرم الله فالمجزرة هنا مرتبطة بالدواجن والحيوانات الأليفة التي حلل الله ذبحها!! كذلك الحال في كلمة «مقشدة» فهي محل لبيع منتجات الحليب من الجبن والزبدة والقشدة، اما «محلبة» فهي مخصصة لبيع اللبن والحليب!! ومن أغرب ما قرأت في المغرب إعلاناً ضخماً بالقرب من احدى المدارس كتب عليه: «الحملة التحسسية لاستقطاب المنقطعين وغير الممدرسين».. ولا تسألوني عن معنى ذلك لكن الحدس يشير الى انها قريبة من حملة لاستقطاب الطلبة المنقطعين عن الدراسة!! .. البعض يفسر خروج مثل هذه الكلمات العربية بترجمات صعبة الى سعي حثيث من المغاربة لمحو اثار الانتداب الثقافي الفرنسي الطويل، عبر العودة الى بطون المعاجم العربية، ومقاربة البلاغة في ترجمة العبارات العملية واليومية.. لكن ومن الواضح ان ذلك اصطدم بازدواجية اللسان المغربي الذي يعاني من غزو الكلمات الفرنسية في معظم الجمل والعبارات، إضافة الى تزاوج الكلمات العربية بأخرى بربرية مما يفسر صعوبة فهمها على الشرقيين. .. وبالرغم من «الهدرة» اي اللهجة المغربية صعبة علينا كشرقيين لانها مثل ما قال الفنان عبدالحسين عبدالرضا في المسرحية الكوميدية «باي باي لندن» كلامهم «يزنط».. الا ان هناك جاذبية خاصة لهذا الحديث خاصة عندما يبدأ الذهن في ارجاع الكلمات الصعبة الى أصولها سواء العربية او الفرنسية وبالتالي فان لهجة المغرب تقع على العقل والأذن معاً وهي ميزة ربما لا تتوفر في باقي اللهجات!!