يقولون ولا أدري مدى صحة مايقولون ان العلامة سيبويه قال وهو يحتضر: أموت وفي نفسي شيء من حتى! وسيبوبه هو أمير النحاة ويعني هذا اللقب بالفارسية رائحة التفاح. أما اسمه فهو أبوبشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي. وكان أعظم النحاة حسب الاجماع، وقال ماقال لأن حتى اتعبته لغويا وقال ماقال فيها وهو كثير، ومع ذلك لم يصل الى الغاية. ولو كنت مكان سيبوبه.. ومن يستطيع ان يكون! لقلت: أموت وفي نفسي شيء من افريقيا! ورغم انني اسافر كثيرا وسافرت الى بلاد ليست موضوعة على خرائط هواة السفر الا انني لم أسافر الى بلد افريقي سوى البلاد العربية الافريقية. وعندما أراجع حياتي أجد انها تمتلئ بمحطات اردت فيها ان اهتم بالشئون الافريقية. وفي كل مرة كنت انسحب خائبا، ويبدو ان هذا سببه ان افريقيا تبدو لغزا بالنسبة لي، فالأمور فيها تجري على غير القواعد التي نعرفها. ولا يعرف الكثيرون اننا في الماضي كنا نهتم بأفريقيا أكثر مما نهتم بها اليوم، ولذلك اسباب كثيرة لا شك أن أهمها الاستعمار الذي أراد ان يعزل العالم العربي عن افريقيا لادراكه انها امتداد لمجاله الحيوي ولقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا، والله غالب. ولقد تنبه البعض الى أهمية افريقيا. ولقد لفت نظري هذه الرؤية الاستراتيجية التي كان يمتلكها محمد علي باشا، رغم انه كان أميا على مايقال، أو قليل التعليم كما أظن. ويبدو ان الأمية لا علاقة لها بالاستراتيجية فلقد عرضت احدى المحطات الفضائية لندوة تصدت لرأي الاستاذ هيكل عندما قال ان دفاع مصر عن فلسطين ليس قضية شهامة ولا كرما حاتميا، انما هو دفاع عن وجودها، لأن مصر اذا أرادت ان تدافع عن نفسها فعليها ان ترسل حرسها الى بلاد الشام، وهو ماقاله رمسيس الثاني وأحمد بن طولون وصلاح الدين الأيوبي وقطز والظاهر بيبرس وعلي بك الكبير ونابليون بونابرت واحمد عرابي والجنرال اللنبي وجمال عبدالناصر ومئات غيرهم. ولكن السادة الذين تعلموا كثيرا ولسوء حظي أعرف بعضهم قالوا كيف ندافع عن أنفسنا هناك. لننتظر حتى يعتدي علينا احد وسيرى، وهذا هو نفسه منطق المهزومين عبر التاريخ فعندما كان يخرج احد حكام مصر بجيشه الى بلاد الشام ليواجه قوى اخرى، ويجد نفسه مهزوما، يجمع قادته ويقول: ماذا أتى بنا الى هنا؟ هل هذه بلادنا؟ لنعد الى مصر ولو اتوا سيرون الجحيم! وكان هذا يعني ان الجيش قد هزم، وان الحرب انتهت. وكان محمد علي حتى بعد هزيمته عندما تجمعت الدول الأوروبية ضده مصمما على حماية البلاد لذلك رفض ان يقترب الانجليز من باب المندب. وللأسف الشديد بيان هذه الاستراتيجية لم يتنبه له الكثيرون، ولم اتنبه له الا عندما قرأت ماكتبه الدكتور الشيخ سلطان القاسمي. وكان الخديوي اسماعيل ايضا له نظرية استراتيجية في موضوع المجال الحيوي. كان المجال الحيوي التقليدي هو بلاد الشام، ومازال هذا صحيحا. لكن اسماعيل كان يواجه بمخالب أوروبا والدولة العثمانية ويدرك انه اذا تصرف كما فعل جده محمد علي اذا كان حقا جده! ستنقلب عليه الدنيا، ولن ينجح في صنع دولته القوية، ولذلك فكر اسماعيل في افريقيا بالضبط كما فكر جده ايضا اذا كان جده! ولكن كان الأوروبيون في انتظار اسماعيل في الجنوب، أولا كان اسماعيل يثق في وزيره أحمد راتب باشا وهو شخصية فذة، لكن بالتأكيد لم يكن عسكريا من الدرجة الأولى، وثانيا استعان اسماعيل بقادة لقواته من كل الجنسيات فكان هناك الانجليز والفرنسيون والأمريكان والروس والايطاليون والنمساويون والالمان وغيرهم وعلق أحدهم على ذلك بتساؤله كيف يتفاهم القادة وبأية لغة، واذا تفاهموا فبأية لغة يكلمون ضباطهم وجنودهم، وثالثا كان الاستعمار يخترق افريقيا فاذا به يصطدم بالقوات المصرية في الشمال. وألفت نظر الذين يظنون ان 5 يونيو 67 هي الهزيمة الوحيدة، أو على الأقل الهزيمة الكبرى، ليقرأوا ماحدث للمصريين في الحبشة والسودان حول 1870 ومابعدها ان ماحدث لا يستطيع انسان طبيعي ان يتحمله وكأنه يشاهد اليوم مجازر شارون وبعض المجازر آنئذ كانت بالآلاف. واعتذر عن انني صحبت القارئ الى هذه الساحة المأساوية، وكان عهدي معه ان ننظر للحياة من منظار وردي، فإذا كان ذلك صعبا تجنبنا المنظار الاحمر، فالدم اذا سال هو أبشع مايراه الانسان. وعندما تولى جمال عبدالناصر كانت افريقيا تعيش اسوأ تاريخها، أو على الاصح الفصل الاخير في اسوأ أيامها، وإن لم يعن هذا ان ايامها الآن جميلة. وأرسل جمال عبدالناصر عددا من الشباب الى افريقيا لا أظن ان عددهم كان كبيرا. وكل واحد منهم انطلق الى بلد افريقي تحت غطاء رسمي أو تجاري مثل شركة النصر للاستيراد والتصدير أو بجهد فردي، واشعلوا النار ضد الاستعمار، وبدأت افريقيا تثور على الاستعمار، وتحررت الدول الافريقية الواحدة تلو الاخرى. وقصة هذا التحول مجهولة، ولكن يعرفها البعض أمد الله في اعمارهم منهم الاستاذ محمد فايق، الذي كان صاحب ملف افريقيا في حكومات عبدالناصر، وذات مرة التقيته في حفل لاحدى السفارات فرأيت الدبلوماسيين الافارقة يحيطون به كما يحيط الناس في بلدتي بولي من أولياء الله الصالحين، واخذ يعرفني بهم واحدا واحدا لا ينسى شيئا من تاريخه، وكان يسألهم عن فلان أو فلان، واتمنى لو ان محمد فايق حكى ماحدث أو كل ماحدث. ايضا من الذين سمعتهم وكأنهم يحكون قصة فيلم مغامرات الاستاذ محمد غانم وهو الآن رئيس نادي العاشر من رمضان لكنه كان احد رجال المخابرات، ولعب دورا كبيرا في اسقاط حلف بغداد ثم كان له دور هام في افريقيا وقد حكى لي بعض مغامراته هناك. وانبهك ياعزيزي القارئ انني عندما أقول لك انه حكى لي بعض مغامراته، فهذا لا يندرج تحت عنوان حكي المغامرات، فالاستاذ محمد غانم قليل الكلام، يختار الالفاظ بدقة، المعلومات بالنسبة له هامة جدا فعندما يذكر شيئا يذكر الاسماء والجهات والأرقام ولن تخسره الا اذا بالغت في دوره. وأنا ألح عليه ان يكتب مذكراته وللأسف لم يكتب منها سوى جزء صغير كان قبل ثورة يوليو عندما عمل في معسكرات الانجليز في منطقة القنال. وقام بأعمال تخريبية، كان المقصود بها دفعهم الى الجلاء. ولعلي ذات يوم اتفرغ لقضية افريقيا اذا كان في العمر بقية وهو الخاطر الذي ينوشني بين الحين والحين. ولقد هاجمني كالبرق بالأمس عندما اعلنت النيجر قطع علاقتها الدبلوماسية مع اسرائيل، مع ان المظاهرات في العالم العربي لم تطالبها بذلك! ومع ان الحكومات العربية ترفض قطع علاقاتها الدبلوماسية، ومازال في القاهرة سفير اسرائيلي قال صاحبي انه يعيش مختبئا كالفأر مذعورا كالأرنب جالسا إلى جوار التليفون يشكو لحكومته مايحدث له، وهتاف طلاب القاهرة القريبة من مخبئه يصم اذنيه، لكنني لم اسر لما قال صاحبي فوجود هذا السفير يفرز غازا أسوأ من الغازات المسيلة للدموع، ويساعد في انتشار امراض القلب والأعصاب في مصر مما يحمل ميزانية الدولة والأفراد المليارات ويعطل التنمية، ويقلل الخدمات. المهم يبدو ان النيجر كانت حريصة على قلوب واعصاب مواطنيها أكثر من حرص حكوماتنا على قلوبنا واعصابنا ولذلك قطعت علاقاتها الدبلوماسية باسرائيل. وفي الشهور الاخيرة بدأت تنتابني آلام في المعدة. ولأنني أقاطع الاطباء فلقد شخصت المرض بأنه قرحة، وبرأت شارون من تهمة اصابتي بها، فمهمته هي ان يقتلنا جميعا. لذلك اتهمت من لم يقطعوا العلاقات مع اسرائيل، وفكرت في رفع قضية على الوزير أحمد ماهر رغم حبي الشخصي له، فلقد عرفته عندما كان سفيرا في موسكو، ولفت نظري بشخصيته الانسانية، وبثقافته الواسعة. فإذا كسبت القضية وقطعوا العلاقات مع اسرائيل كان بها. واذا لم يحدث سأسعى للحصول على الجنسية النيجرية وافتح الملف الافريقي.. ووداعا ياعرب!