بأربع رميات مغبرة ترش مايكو موري عظام والدها المسحوقة ورماد رفاته على أرض تغطيها الأوراق والأعشاب في غابة من أشجار الأرز وسط السكون الذي كان يحبه والدها الراحل. وتتحدث موري وهي جالسة على جذع شجرة بعد الاحتفال البسيط في المنطقة الجبلية المحيطة بالعاصمة اليابانية طوكيو قائلة: كان دائما يوصينا بعدم هدر المال على الاحتفالات الفخمة. إن هذه طريقة مثلى لتكريمه. إن حوالي مليوني ياباني يموتون كل سنة، وحرق جثث الموتى متبع بثورة شاملة تقريبا. إلا ان حوالي 100 منهم فقط يشيعون إلى الحياة الآخرة عن طريق ذر رمادهم وليس خزنه. إلا ان نثر رماد الموتى قد يصبح موضة المستقبل لانه يجري حفظ رفات مليون شخص من سكان طوكيو في منازل أقاربهم بالنظر الى عدم توفر المساحات المخصصة لدفن الرماد فضلا عن ان سعر المتر المربع من أرض المقابر قد يصل الى 2.4 مليون ين، أي ما يوازي العشرين ألف دولار. إن نثر رماد الموتى يتنامى مع التقاليد البوذية القديمة، وترفضها طريقة تفكير وتعاليم طائفة الشينتو البوذية المحلية خشية ان يكون ذلك نذير شؤم. إلا انه بسبب الضيق الاقتصادي والحرص على البيئة وازدياد الابتعاد عن التزمت الديني، بدأ الناس يتحدثون عن المفهوم الياباني لتقديم واجب الاحترام بالطريقة المناسبة للموتى. ولقد حفز النقص في مساحات الدفن ترويج بعض الابتكارات الذكية مثل صناديق الدفن الصغيرة التي تشبه علبة الامانات التي تفتح بوضع نقود فيها. أو آلات تدار بالكمبيوتر لاخراج علب الدفن من أماكن تخزينها تحت سطح الأرض. كما يقبل الناس على نثر الرماد في مياه البحر والأنهار. وسفح الجبل الذي ذرت فيه موري رماد والدها لا يزال المكان المماثل الوحيد في منطقة طوكيو التي يعيش فيها حوالي 20% من اليابانيين، وهو يبعد مسافة ساعتين بالسيارة من وسط العاصمة. وليست هناك مشكلة في نثر الرماد من وجهة النظر القانونية. إلا ان المؤسسة البوذية تعارض هذا العمل منذ وقت طويل لانه لا يتم في مقبرة مخصصة، علما ان المقبرة هي محور كل طقوس الموتى في الديانة البوذية. وجزء من المعارضة يعود الى اعتبارات مالية فبيع مساحات الدفن في باحات المعابد البوذية هو مصدر دخل رئيسي لمختلف الجماعات البوذية. وثمة عمل مربح آخر وهو بيع أسماء ستعطى للموتى في الحياة الآخرة، وهي تنقش على شواهد القبور. والعائلات المفجوعة تضطر الى دفع مبلغ قد يصل الى مليون ين ياباني (8.000 دولار) لنقش اسم جذاب للراحل. أما الذين يقدمون على نثر رماد موتاهم يتجاهلون هذه الرسميات غالبا. إلا ان التقاليد القديمة تشكل عنصرا مهما في النفسية اليابانية. فكل سنة يحتشد ملايين الأشخاص في مقابر أجدادهم لتقديم واجب الاحترام والرقص والمشاركة في المعارض المقامة في الهواء الطلق، و«طقوس الموتى» هذه في الصيف لا يتصور أحد انه يستطيع أن يتخلى عنها. ويقول موتسومي يوكوتا من الجمعية اليابانية للمقابر ان زيارة المقابر هي تقليد ياباني مهم. وان انتشار طريقة نثر الرماد «توجه سيئ جدا». إلا ان موتسو هيكو ياسودا، مؤسس جمعية مجتمع بلا قبور «يقول ان الحركة تهدف فقط الى تقديم خيارات أكثر للناس». ويقول ياسودا: «في اليابان اصبحنا بلدا تستطيع فيه ان تختار طريقة جنازتك. لنا الحق في ان نختار طريقة احترام موتانا». جمعية يوسادا التي لا تهدف الى تحقيق ارباح مالية تتقاضى ما يتراوح بين 800 و1600 دولار لتتيح لمن يهمه الأمر ان يوقر أحباءه الراحلين بالطريقة التي يراها مناسبة. وقد بدأت جمعية ياسودا شراء اراض خاصة بها وقبور ممتلكات متبرع بها بعد ان رفضت المراجع طلبات عديدة لتخصيص اماكن اخرى لنثر الرماد فيها، لان اصحاب الاراضي يرفضون ان تلوث ممتلكاتهم بالرفات انطلاقا من اعتبار الموت كحدث نجس. وثمة رقاع رماد بيضاء شبحية موزعة على ارض الغابة الجبلية حيث وضعت موري رماد والدها. ويحاول حراس الغابة ابقاء الموقع طي الكتمان وذلك لتفادي استبعاد المنطقة من رحلات المتنزهين. وقد رتبت الجمعية 1030 واقعة نثر رماد منذ تأسيسها قبل عشرة أعوام. ويتوقع ان يصل عدد الاحتفالات الى 100 في العام 2001. وقد تكون هذه ارقام ضئيلة إلا ان ياسودا يتوقع ان تزداد. ولنثر الرماد جاذبية عاطفية لبعض العائلات المجموعة، فوالد موري، تسوتومو شيمادا (90 عاما) كان متسلق جبال معروفا وكان يكره المراسم والاحتفالات الى درجة انه تخلف عن حضور حفلة زفاف ابنته. ولم يحضر دفن شيمادا رهبان بوذيون ولم يكن هناك حرق بخور أو طقوس. وبعد رمي الرماد تركت موري ووالدتها وشقيقتها وعمها باقة زهور عند جذع شجرة وزرعوا شتلة. إلا ان ذلك لا يعني ان العائلة قد تخلت تماما عن التقاليد. فإضافة الى الرماد الذي تم نثره احتفظت موري بقسم منه لدفنه في قطعة ارض تملكها العائلة. وقالت موري: «ان ذلك هو لافراد العائلة الآخرين الذين لا يزالون يعتبرون ان الدفن مهم».