بيان 2: أ وائل الثمانينيات كانت هناك مسرحية تعرض بالمسرح القومي تحت عنوان (المهاجر ) لجورج شحادة، وفي احدى ليالي العرض حضر وفد اسرائيلي، مكون من أربعين شخصاً جلسوا بالصفوف الأولى في انتظار رفع الستار، ولكن قبل أن يبدأ العرض بدقائق فوجئ الجمهور ببطل المسرحية يعتلي خشبة المسرح معتذراً لهم عن عدم تقديم العرض نظرا لوجود وفد اسرائيلي بالصالة وخلال لحظات كان الجمهور الموجود بالمسرح يهتف في صوت واحد «بره.. بره» ولم يتوقف الهتاف الا بعد خروج الوفد الاسرائيلي مطرودا من المسرح القومي وتم الغاء العرض في تلك الليلة واحيل بطل المسرحية للتحقيق ثم ما لبث أن قدم استقالته لينفض عن كاهله عبء الوظيفة وليصبح حرا في قراراته، هذا الموقف تذكرته عندما شاهدت الفنان محمد ناجي بطل مسرحية المهاجر يصعد الى خشبة مسرح البالون منذ أيام أثناء انعقاد مؤتمر النقابات الفنية لمساندة الشعب الفلسطيني رافعا العالم الفلسطيني ليطلب من زملائه التوقف عن كلمات الشجب والادانة والتحدث فقط عن الخطوات العملية التي تتناسب مع المجازر الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وطلب ناجي الخروج في مسيرة لكي يصل صوتهم الى أصحاب القرار كما طالب بمقاطعة السلع الاسرائيلية والأمريكية كخطوة أولى وكذلك طلب طرد السفير الاسرائيلي وقطع جميع العلاقات مع العدو الصهيوني وظل ناجي يهتف بسقوط أمريكا واسرائيل ليشعل الموقف ويلهب حماس جميع الفنانين، وما قام به ناجي ليس غريبا عليه فهو ليس فناناً فقط وانما فنان وسياسي فهو عضو نشط بحزب التجمع وله مواقف متشددة ضد التطبيع مع اسرائيل وعن هذا الموقف يقول الفنان محمد ناجي أن هذا الموقف هو موقف كل الفنانين والمثقفين المصريين ونحن جميعا نذكر موقف الراحل سعد الدين وهبة رئيس اتحاد النقابات الفنية من التطبيع وزوجته الفنانة الكبيرة سميحة أيوب ولا أنسى أنها كانت مديرة المسرح القومي عندما أحلت للتحقيق في واقعة الاعتذار عن تقديم العرض أمام الوفد الاسرائيلي وقفت بجانبي وتحملت المسئولية معي وهناك مواقف كثيرة مشرفة لفنانين زملاء رفضوا تقديم عروض مسرحية أمام وفود اسرائيلية، وعلى أي حال اذا كنا الآن لا نملك الا المقاومة من خلال المقاطعة لكل ما هو اسرائيلي وأمريكي ومساندة الشعب الفلسطيني فانه لاشك أن المواجهة الفعلية حتمية وقادمة لاريب لأننا جميعا كشعوب عربية نكره اسرائيل وأمريكا كراهية التحريم، وأنا شخصيا أرى أن أساليب الشجب والتنديد والرفض قد فات أوانها ولابد من وقفة حقيقية صارمة من الدول العربية بعد أن أصبحت الكلمة العليا الآن لقوة السلاح. ـ وما الدور الذي تتصوره للفنان في هذه المرحلة؟ ـ الفنان الحقيقي لابد أن يكون صاحب قضية، والفن له دور ايجابي وخطير في صياغة وجدان الأمة وتوجهها ورؤيتها وأي خروج عن هذا الاطار يفقد الفن دوره. ـ كيف ارتبط الفن عندك بالعمل السياسي؟ ـ المسألة قديمة جدا منذ الطفولة فقد نشأت بمدينة المنصورة في بيت يجتمع فيه والدي مع أصدقاء مهمومين بالسياسة وكان والدي باعتباره وفدياً قديماً يحتفظ بصورة بالجحم الطبيعي لزعيم الأمة سعد زغلول وبعض أسطوانات لخطب سياسية بصوته وفي الوقت نفسه كان لوالدي اهتمامات فنية حيث كان يصطحبني معه للقاهرة لمشاهدة عروض فرقة الريحاني، وبجوار بيتنا كان يسكن الملحن الكبير رياض السنباطي والشاعر علي محمد طه وكان يوسف بك وهبي يحضر بفرقته الى المنصورة ليقدم عروضه، وكنت أتسلل الى الكواليس لاشاهدهم عن قرب فأحببت هذا العالم، وبالطبع كانت لهذه النشأة في بلد مثل المنصورة معروف عنها أنها بلد تضم كل التيارات السياسية وكذلك تخرج منها عدد كبير من الفنانين كان لابد أن يمتزج الفن بالسياسة داخلي فكنت من تلاميذ الكاتب المعروف بكر الشرقاوي وهو كادر سياسي قديم وكذلك الشاعر محمد يوسف والأديب فؤاد حجازي ومن المترددين على دار الكتب للاطلاع على أمهات الكتب وفي هذا المناخ المختلط فيه العمل السياسي بالعمل الثقافي والفني بدأت أتجه للتمثيل في المسرح المدرسي وكان أول عمل أقدمه مسرحية الاستعباد التي عرضها يوسف وهبى بالمنصورة ثم شاركت في عروض القوافل الثقافية التي كانت تأتي الينا بالمنصورة فقدمت معهم عرض ( العادلون ) لألبير كامي ثم ( موتى بلا قبور ) وخلال فترة الدراسة بالمدرسة الابتدائية ثم الاعدادي والثانوي والجامعة قدمت حوالي 54 مسرحية. ـ ومتى بدأت احتراف التمثيل؟ ـ خلال مرحلة الجامعة عندما كنت طالبا بكلية الآداب قسم فلسفة وعلم نفس بجامعة القاهرة، فقد عملت خلال هذه الفترة في قصور الثقافة وانضممت لحزب التجمع أيضا وكنت أتقاضي أجراً قدره جنيه واحد عن ليلة العرض وحصلت على جوائز عديدة منها جائزة أفضل ممثل على مستوى الجمهورية في الثقافة الجماهيرية عن عرض (حكاية فرحة) في أوائل السبعينيات ثم أفضل ممثل أيضا عن دوري في عرض (آه يا ليل يا قمر) وبدأ النقاد يشيدون بأدائي وخاصة فتحي العشري ومحمد بركات وحلمي سالم وهو ما جعلني أتجه بالفعل للاحتراف رغم معارضة والدي لذلك، وبدأت أيضا أتجه للعمل التلفزيوني من خلال بعض الأدوار الصغيرة، وكان أول دور يتعرف على الجمهور من خلاله هو ( أورجاللو ) كبير الكهنة في عهد الملك النمرود مع الراحل توفيق الدقن في مسلسل محمد رسول الله، بعده قدمت دور عمدة في مسلسل ( القديم ) مع المخرجة علوية زكي التي أسندت الي بعده دوراً أكبر في مسلسل آخر من اخراجها وهو شهر الملح مع الفنان أحمد زكي، بعد ذلك سافرت الى دبي لتصوير مجموعة من المسلسلات في الفترة التي شهدت افتتاح محطات جديدة. ـ تخصصت خلال مشوارك في نوعية من الأدوار أقرب الى البلطجي والشرير رغم أنك تمتلك طاقة كبيرة في التمثيل؟ ـ هذه مشكلة المخرجين الذين يتعاملون من منطلق الأسهل، فعندما ينجح ممثل في نوعية ما من الأدوار يطلبونه في أدوار مماثلة، ولكن اذا نظرت الى بداياتي فستجد نوعيات أخرى وعلى سبيل المثال مسلسل نهر الملح جسدت شخصية السجين السياسي سعيد أبو داوود وهو دور مهم رغم صغر مساحته، وفي مسلسل المدينة والحصار الذي صور في دبي جسدت شخصية شهدي الشاب الثوري المناضل المصطدم دائما مع السلطة وفي مسلسل ( نهاية العالم غدا ) جسدت شخصية مخرج مسرحي من النوعية التي أفسدت الحياة المسرحية والثقافية، وفي مسلسل ( شارع المواردي ) للمخرج اسماعيل عبد الحافظ جسدت شخصية ضاحي ابن البلد الذي يضحي بنفسه من أجل أهل الحي الشعبي الذي ينتمي اليه وهذا الدور كان علامة في حياتي ومشواري الفني. ـ ولماذا تراجعت عن السينما بعد أن قدمت العديد من الأعمال؟ ـ السينما بالنسبة لي كانت حلماً وقدمت خلال فترة وجيزة 16 فيلما بينها ( ابناء وقتله ) مع نبيله عبيد ومحمود عبد العزيز ولعل الناس تذكر شخصية سعيد البطش القاتل المأجور التي جسدتها وقدمت كذلك مع نور الشريف شخصية رجل المافيا في فيلم ( 131) أشغال ثم الامبراطورة مع نادية الجندي لكن السينما الآن لا تناسبني لأن الأدوار فيها تفصل بالمقاس ولا أجد لنفسي فيها مقاسي . ـ عودتك للمسرح القومي مرة أخرى هل أسعدتك؟ ـ بالطبع أن هذا المسرح حتى لو لم أكن موظفاً به وأنا سعيد أكثر بنجاح عمل كلاسيكي مثل ( الملك لير ) على المستوى الجماهيري وهذا لم يكن متوقعاً بهذا الشكل، وأنا أجسد في المسرحية شخصية محورية وهي شخصية كنت الطبيب المعالج له وكبير وزرائه وصديقه الوفي. ـ هل تبحث عن أدوار أخرى بعيدا عن أدوار الشر؟ ـ بالتأكيد لأن الاستمرار في أداء نمط واحد من الأدوار يصيبني بالملل وأنا أحب أن أقدم شخصيات مختلفة وان كنت أرى أنني أقدم الشر في كل مرة بشكل مغاير وفي المسلسل الجديد الذي استعد له أجسد شخصية فتوة في حي شعبي.