في زمن العجائب.. يغلق مسئول عربي تليفونه المحمول ويمتنع عن أي اتصال، احتجاجاً على الموقف العربي المتخاذل! ويعتبر ذلك موقفا غير متخاذل، وقد يرى فيه ايضا عقاباً رادعاً لاسرائيل على حرب الابادة التي تشنها على الفلسطينيين!! وفي زمن العجائب.. تتسابق قنوات فضائية عربية ـ أو هكذا تعلن عن نفسها ـ الى تل أبيب في تنافس محموم على لقاء نجوم الإجرام الصهيوني واجراء الأحاديث معهم كسبق إعلامي خطير.. وهو خطير فعلاً، لأنه يوفر على اليهود (وهم يهود) مصاريف انشاء قنوات تنطق بلسانهم وتبرر مجازرهم وتجمّل وجوههم القبيحة! وفي زمن العجائب.. يعلن رسام كاريكاتير نصف مشهور اعتزاله رسم الكاريكاتير احتجاجاً على العدوان الصهيوني المتصاعد على الشعب الفلسطيني، وكأنه يوحي الى الناس بشكل غير مباشر ان قراره سينزل نزول الصاعقة على رأس شارون واتباعه، وان عليهم ان يتحملوا نتائج هذا الاعتزال! ــ المسئول العربي الذي رأى في عزلته وانقطاعه عن الاتصال التليفوني موقفاً ايجابياً وعملياً لردع اسرائيل، ولدفع المسئولين العرب الى الخجل من تخاذلهم والى الاعتذار الى فخامته عما بدر منهم من تقصير نحو اخوانهم في الأرض المحتلة، وبالتالي سيدفعهم الاحساس بالذنب الى حشد الصفوف وتجييش الجيوش وإعلان الحرب الشاملة على اسرائيل حتى تهدأ أعصاب السيد المسئول الكبير.. وحتى يراجع نفسه ويعيد النظر في قراره ويعود الى التعامل مع تليفونه المحمول.. قبل أن تنقطع عنه الخدمة! ــ وأما سباق (ماراثون خيبة الأمل) نحو تل أبيب الذي شاركت فيه أكثر من قناة عربية، والذي لن يكون نصيب الفائز فيه إلا وسام (الاحتقار) من الدرجة الأولى، فيكفي المشاركين فيه فخرا أنهم ـ عمدا ومع سبق الاصرار ـ أدخلوا السيد شارون بكل وسامته وسماحته الى بيوتنا ليخاطبنا.. ويخاطب أولادنا، شارحا أهدافه النبيلة من ذبح اخواننا الفلسطينيين.. وخطته الخمسية للقضاء على البنية التحتية والفوقية للدولة الفلسطينية، ولا مانع من ان يبشرنا بمصير مماثل إذا صبرنا عليه حتى يكمل مهمته الأولى في الأرض المحتلة.. ثم يتابع مسيرته المباركة في الأرض غير المحتلة! وإذا كان السيد شارون لا يعدم فرصة في كل نشرات الأخبار على القنوات العربية ليطل علينا ـ مجبرين ـ بتكوينه (الحلوّفي) وسحنته الشيطانية وهو يتحرك كالبغل ـ مع الاعتذار للبغل ـ مترئسا مجلس وزارته.. أو مصرحاً أمام عدسات المصورين بخزعبلاته وافتراءاته، فما الداعي إذن لاجبارنا على استضافته هو وأعضاء عصابته ليكرر علينا ما قاله سابقا للجميع؟ اللهم إلا إذا كان ذلك بناء على طلب الجماهير العربية التي قد تجد في ظهوره على شاشاتها فرصة أوسع للبصق على وجهه غير الكريم.. ولو على شاشات التلفزيون مؤقتاً!! ــ أما الأخ رسام الكاريكاتير الذي قرر اعتزاله رسم الكاريكاتير احتجاجا على العدوان الصهيوني فلا تفسير له إلا ان لديه حسابات دقيقة أو معلومات موثقة تؤكد له ان شارون قد يداخله الرعب وينتابه الفزع ويبدأ في مراجعة مواقفه وسياسته بعد إعلامه بقرار السيد الرسام، وانه (شارون) سيفكر جدياً في عواقب ما قد يحدث بعد ذلك، فيما لو تفشت ظاهرة الاعتزال الاحتجاجي لدى العرب، فيترك الطبيب مرضاه، ويغلق عيادته معتزلاً عمله احتجاجاً على سياسات شارون، ويعتزل المهندسون والمدرسون والموظفون تاركين مكاتبهم وأعمالهم احتجاجاً على فعل الأخ الرسام، وهو أمر لاشك سيضع شارون في (حيص بيص) بعد هذا الاجماع على (الاعتزال الاحتجاجي) لدى الشعب العربي، وقد يلقي بسلاحه طالباً العفو والسماح.. راجياً ان يعود العرب الى أعمالهم.. معلناً توبته.. مقسماً على انه لن (يعملها تاني)!! هكذا.. وفي الوقت الذي يضرب فيه الفلسطينيون أروع الأمثلة في البطولة والفداء، ويضرب فيه شارون أقذر الأمثال في البطش والعدوان، نجد بعض العرب يضربون أخيب الأمثلة في قلة العقل.. وسوء التصرف.. حتى ولو كان ذلك مشفوعاً بحسن النوايا، ومن مظاهر هذه الخيبة ما نراه على شاشات الفضائيات، التي وان وفقت في استضافة العديد من المحدثين والمحللين الواعين الفاهمين المتفاعلين مع الحدث الكبير، إلا انها وفي بعض الاحيان وقعت وأوقعتنا في بعض المنظرين (العقلانيين) والمجندين لحساب نظم حكمهم، وكان ان (تبجح) هؤلاء السادة فلم يخجلوا من تبرير أعمال شارون.. ولم يجدوا حرجاً في تأكيد حسن نوايا أمريكا.. ولم ينسوا دورهم (التطبيلي) لتأكيد كل المبادرات.. ودورهم التجميلي لحكام ونظم بلادهم، مؤكدين.. بحماس يحسدون عليه.. ان التخاذل شرف، وان الصمت سلاح فعّال، وان الوقوف الى جانب المناضلين يكون بالقلب وباللسان وبالكلام ثم الكلام، هؤلاء السادة (المحللين).. حلّلوا الحرام.. وحرّموا الحلال.. ومازالوا يصولون ويجولون ويضللون.. هداهم الله وفك أزمتهم.. آمين! ـ في زمن العجائب رأينا الكثير.. وعلينا ان نعد أنفسنا لنرى الأكثر، بعض ما رأيناه وما سوف نراه يدخل في باب العجائب.. وبعض آخر يدخل في باب المهازل والمساخر.. ولسه يا ما نشوف!!