مختبر سوني لعلوم الحاسب في باريس مكان ذو طابع عالمي مميز. فالعلماء هنا من جنسيات متعددة ويتحادثون بالانجليزية والفرنسية واليابانية. لكن فضاء المكان، يعج ايضا بأصوات غربية تحمل كلاما يعوزه الوضوح والترابط أو كلمات غريبة مثل «واباكو» وعبارات غير مفهومة «اضغط واه احمر كو ازرق». انها اصوات روبوتات لوك ستيلز الناطقة، التي لا تتحدث ايا من اللغات التي نعرفها، بل تبتكر لغة خاصة بها. تجادل علماء اللغة والانثروبولوجيا والاحياء طيلة عقود حول كيف استطاع اسلافنا تطوير شيء بتعقيد وروعة اللغة. أيا أدمغة امتلك هؤلاء ليفعلوا ذلك؟ يعتقد انصار عالم اللغة نعوم تشومسكي انه لابد من وجود قواعد لغوية من نوع ما مخزنة في جيناتنا وادمغتنا. اذن لابد ان ولادة اللغة من العدم في المقام الاول تطلب تطور تركيبات لغوية متخصصة في ادمغتنا. اما مناوئو تشومسكي فيجادلون بأن التقاط اللغة هو ببساطة قضية تعلم وان بامكاننا استخلاص المعنى والقواعد والنظام مما نسمعه، من خلال التحليل الاحصائي اللاواعي عندما يتوفر لنا ما يكفي من الامثلة. إذن فنشوء وتطور اللغة يرتبط بتطور مهارات التعلم واستخلاص القواعد. أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر. لكن السنوات التي أمضيت في الاستماع الى الاصوات الالكترونية اقنعت ستيلز وزملاءه بأن هناك طريقا ثالثا. لمرات عديدة متتالية، سمع هؤلاء بآذانهم لغات جديدة تنشأ وتتطور في كمبيوتر غير مبرمجة بحيث لا تمتلك ما يعادل الحس اللغوي الفطري ولا المقدرات الاحصائية. وعوضا عن ذلك يتم ابتكار وبناء ونشر قواعد كل لغة من قبل ازواج من الروبوتات تتحدث لتتعلم من بعضها البعض. ويقول ستيلز ان اللغة «نظام تكيفي معقد وكأنه كائن حي، ينظم نفسه وينتشر كالفيروس». وعلى مدى الاعوام الخمسة الماضية، شهد ستيلز وزملاؤه في باريس وفي الجامعة المستقلة في بروكسل، حيث يرأس ستيلز مختبر الذكاء الصناعي بزوغ طريقة تواصل شبيهة باللغة بين الروبوتات. فقد اوجدت روبوتاته اصوات نطق اساسية وجمعتها مع بعضها لتشكل كلمات لها معنى. وقد عبر باحثون آخرون عن اعجابهم بهذا العرض المثير والبراعة التقنية، لكن قلة منهم فقط اقتنعوا فعلا بأن روبوتات ستيلز اقتربت من تعقيد اللغة البشرية. لكن يبدو ان هذه الرؤية التشكيكية توشك على ان تتغير بعد العرض الذي قدمه ستيلز قبل ايام في مؤتمر «نشوء وتطور اللغة» الذي عقد في جامعة هارفرد. هناك كشف ستيلز عن روبوتاته التي فعلت ما كان البعض يعتقد انه من المستحيلات، عندما طورت شكلا من قواعد اللغة. ويقول كريس نايت، عالم الانثروبولوجيا في جامعة ايست لندن، والذي شارك في تنظيم المؤتمر: انها مفاجأة مذهلة. فقد استطاعت روبوتات ستيلز بالحد الادنى من البرمجة المقتصرة على تحديد الاهداف ورسم برنامج العمل والرغبة في تكوين علاقات مع الآخرين، استطاعت ان تطور شيئا يشبه اللغة الى حد ما. بنى ستيلز مشروعه المثير على اساس فكرة خطرت له عام 1995. وكانت نقطة البداية التي انطلق منها هي ان اللغة، لا سيما في مراحلها الاولى، تتطور من الخبرات المشتركة، ولذلك لابد من وجود مبرر لها في عالم الواقع. اي لابد من وجود شيء تستخدم اللغة للحديث عنه. وهكذا بدأ ستيلز بتصميم طريق تستطيع من خلالها روبوتات لها «أجسام» و«حواس» ان تعيش تجارب مشتركة، وقام ببرمجتها بحيث تمتلك رغبة بالتواصل فيما بينها عن تلك التجارب. يقول جيمس هورفورد، رئيس مركز ابحاث تطور وحوسبة اللغة في جامعة ادنبرة الاسكتلندية: «لقد قام ستيلز بشيء لم يقم به احد قبله، حين جعل روبوتات حقيقية تتفاعل بدون تحفظ فيما بينها حول اشياء حقيقية» وفيها راحت الروبوتات تكتشف طرقا للتحدث الى بعضها البعض، كان ستيلز يراقب عن كثب ويتحرى عن ماهية الادمغة والذواكر والمقدرات الأخرى الضرورية لنشوء وتطور اللغة. وتركزت معظم التجارب الى الآن على عملية تطوير الكلمات للتعبير عن اجسام تستطيع الروبوتات رؤيتها. وهذه عملية صعبة للغاية، اذ ليس على الروبوتات ان تبتكر كلمات جديدة وتخزن معانيها وحسب، بل عليها ايضا ان تستنبط مفاهيم عامة تستند اليها في بناء المفردات في المقام الاول. وكل ما يمتلكه الروبوت من ادوات للقيام بهذا العمل المتطور هو كاميرا تتيح له رؤية ما حوله، و«دماغ» يتضمن نظاما قياسيا لتحويل النصوص المكتوبة الى كلام منطوق وذاكرة وبرنامج لتحليل الصور يمكنه تصنيف ما تشاهده الكاميرا على اساس اللون والشكل والحجم والمادة المكونة والموقع. يبرمج ستيلز ازواج الروبوتات بحيث تلعب لعبة تخمين تعاونية: روبوت يأخذ دور «المتكلم» فيختار جسما معينا من الاشياء التي يراها حوله، ثم يحاول التعبير عن اي جسم يفكر هو في تلك اللحظة وبوسعه استخدام اي مفهوم، لكن عليه ابتداع طرق لتحويل المعلومات التي يحصل عليها من آقنية حسية الى فئات وأصناف «مفيدة» مثل «أيسر» «أحمر» وأحيانا يلزم الجمع بين اكثر من توصيف. فإذا عرض امام الروبوت مربع احمر ودائرة حمراء، فإن كلمة «الاحمر» لن تكون كافية للتعبير عن الجسم الذي يقصده. وإذا لم يكن لدى الروبوت كلمة جاهزة في ذاكرته سيعمد الى ابتكار كلمة من خلال جمع صف من الاصوات من مستودع المقاطع الصوتية المتاح امامه. عندها يحاول الروبوت الثاني الذي يأخذ دور «المستمع» ان يستنتج ما الشيء الذي يتحدث عنه «المتكلم»، وإذا لم يتذكر الكلمة التي يسمعها يحاول ان يخمن تخمينا الى ان يشير الى الجسم الصحيح. وعندها يقول له المتكلم «صحيح» ويتم تعزيز وجود الكلمة والمعنى في ذاكرة كل منهما. وبهذه الطريقة يطور كل روبوت قاموسا خاصا به من المفردات والمعاني وفي احدى اكبر تجارب ستيلز استطاعت مجموعة الروبوتات ان تطور حوالي 8000 كلمة. وفي حين لا يزال هناك اختلاف في أوساط العلماء حول مدى محاكاة هذه الطريقة للطريقة التي تطورت بها اللغات البشرية، فإن المؤكد الآن ان بوسع الروبوتات والكمبيوترات ان تتحادث فيما بينها، شئنا أم أبينا. ومن يدري ربما يأتي يوم تقوم فيه الروبوتات بتعليمنا لغتها الجديدة التي لا نفقه منها شيئا