بيان 2: كانت عقارب ساعة يد «عم حسين» الطبال تتسكع في ملل داخل اطارها المعدني القديم.. لقد عاد مبكرا من الفرح.. حاول أن ينام لكن النوم، ينهزم كعادته أمام كتائب الأرق المسعورة.. فكر أن ينزل المقهى أو يجلس قليلا باستراحة اللوكاندة لكنه لم يجد الحماس الكافي لتنفيذ أي من الفكرتين.. جلس يتأمل طبلته ربت عليها بحنان كأنها طفلة صغيرة يحنو عليها ويحميها.. وحين كانت عقارب الساعة تقاتل الفراغ لبلوغ السادسة صباحا امتدت يده رغما عنه لتنقر نقرتين خفيفتين على محبوبته الصغيرة وقبل أن تمتد يده لتلمس الطبلة مرة ثالثة كان باب الغرفة يدق في عنف.. انقبض قلب عم حسين، وهو يرد بصوت مرتجف من؟! وكان الرد أكثر عنفا من الطرقات.. افتح مباحث. سيناريو واحد لم يكن هذا سيناريو فيلم أو قصة بوليسية.. ربما كانت قصة لكنها قصة حقيقية بل أنها ليست القصة الوحيدة فما حدث مع عم حسين حدث مع مئات غيره وفي نفس التوقيت تقريبا.. وقبل أن يتورط البعض في وضع آلاف السيناريوهات البوليسية سنبدأ الحكاية من أولها. الحكاية ببساطة أن وزارة الداخلية قامت في ذلك اليوم بحملة على جميع اللوكاندات الشعبية - التي بدون نجوم - بمدينة القاهرة وذلك بغرض اخلاء جميع الغرف التي يسكنها «قاهريون» أي مواطنون من سكان القاهرة.. وذلك تنفيذا لقرار وزير الداخلية بمنع اقامة سكان محافظة القاهرة في اللوكاندات التي تقع بنفس المحافظة.. وتمتد تفاصيل القرار الى أبعد من ذلك بكثير حيث تشرح معنى كلمة «مواطن قاهري» والتي وردت في القرار على أنها تنطبق على كل مواطن قام باستخراج بطاقته الشخصية أو العائلية من محافظة القاهرة.. ومعنى ذلك أنه من حق سكان القاهرة الاقامة في اللوكاندات بالمحافظات الأخرى لأنه ربما تضطرهم الظروف الى المبيت بأي محافظة أخرى لكنه لا يوجد - كما ترى الداخلية - أي مبرر للاقامة في لوكاندة بنفس المحافظة التي يعيشون فيها. وتؤكد آخر احصائية رسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء أنه يوجد 670 مواطنا من سكان القاهرة يعيشون في لوكاندات بشكل دائم لعدم وجود مسكن خاص بهم.. وليس هؤلاء فقط هم المتضررين فقد صرح مصدر مسئول بوزارة الداخلية أن الحملة اسفرت عن طرد أكثر من 800 نزيل.. وهذا يعني أن عدد النزلاء المؤقتين كان في يوم الحملة حوالي 130 نزيلا.. وأضاف المصدر أن الهدف الرئيسي من هذا القرار هو مطاردة البلطجية والخارجين عن القانون والهاربين من تنفيذ الأحكام. عاشق الطلبة نعود الى حكاية عم حسين في أحد مقاهي شارع محمد علي جلس عم حسين بقامته القصيرة وجسده النحيف.. له ملامح فناني الستينيات بشعره الأشعث وعينيه العميقتين وجبهته العريضة وجاكتته الداكنة والتي يحرص على ارتدائها صيفا وشتاء.. جاء صوته هادئا عميقا يسكنه حزن لا تخطئه الآذان قال: أنا من مواليد حي الدرب الأحمر عمري 43 سنة غير متزوج وحيد في هذه الدنيا.. والشئ الوحيد الذي يربطني بها هو الفن.. لعبت على القانون والأوكرديون وآلات كثيرة لكنى عشقت الطبلة لا يطربني في الدنيا كلها غير صوتها لا يمكن لأحد أن يتصور إحساسي وأنا أضرب «الواحدة ونصف» كأنني أطير بين النجوم.. وينتزع عم حسين من نجومه صوت الساقي وهو يصب فنجان القهوة ويكمل وقد عاد الى أرض الواقع: كنت أسكن في اللوكاندة منذ خمس سنوات قبلها كنت ساكنا في حجرة فوق السطوح لكني تعبت في إحدى المرات وكانت حالتي خطيرة فأوشكت على الموت لولا حضور سيد القانونجي صديقي جاء يسأل عني بالصدفة فوجدني ملقى على الأرض بلا حراك.. نقلني الى المستشفى ومن يومها قلت اللوكاندة أفضل لأنها وسط الناس فإذا تعبت أجد من يسأل عني.. سألته أين تقيم الآن؟ قال: أقيم عند أحد أصحابي بشكل مؤقت حتى أجد حلا فمنذ أن طردوني من اللوكاندة وأنا لا أدري ماذا أفعل. وفي نفس اللوكاندة أيضا كان يقيم عم جعفر موظف بالمعاش عمره 64 سنة يقول عم جعفر: زوجتي ماتت من ثلاث سنوات وليس لي أولاد فكنت أقيم في اللوكاندة حتى أجد من يخدمني.. أنا خدمت الحكومة 35 سنة وفي النهاية أجد نفسي في الشارع وليس أمامي سوى حل من اثنين أما أن أقيم في أي شقة صغيرة واذا مت ربما لا يجدوني إلا عندما تفوح رائحة جثتي. والحل الثاني أن أقيم في أي دار لرعاية المسنين وهذه لها شروط صعبة ربما لا تنطبق على واذا انطبقت فإن الحياة فيها لا تناسبني ربما لأنني أحب الشعور بالخصوصية. رسام اللوكاندات في إحدى لوكاندات شارع كلوت بك بوسط القاهرة يحكي الأسطى رمضان حكايته باختصار قائلا: عمري 35 سنة أعمل في محل لصناعة العود بشارع محمد علي.. كنت أقيم مع أمي في غرفة صغيرة.. وبعد موت أمي تركت الغرفة وأقمت في لوكاندة لأنني أريد أن أكون وسط الناس لأني وحيد.. وبعد هذا القرار الغريب أقمت مع أحد أصحابي لكن هذا ليس حلا لأنه سوف يتزوج قريبا وساعتها سأجد نفسي في الشارع. أما سعيد الرسام أو كما يطلقون عليه «رسام اللوكاندات» عمره 41 سنة.. كان يقيم في لوكاندة صغيرة بشارع عبدالعزيز بوسط القاهرة.. يستيقظ بعد الظهر يحمل أدوات الرسم ويبدأ رحلة البحث عن الزبائن في اللوكاندات الأخرى.. وعندما يعود ليلا يجد بعض زبائن اللوكاندة التي يقيم بها ينتظرونه ليرسمهم.. يقول سعيد: أنا فنان لا أحب القيود ولا أستطيع العيش في غرفة فوق سطوح أو تحت بئر سلم بالاضافة الى أن معظم زبائني من اللوكاندات فلا يوجد أي شخص نزل في أي لوكاندة بالقاهرة لا يعرفني.. تصور أني مقيم الآن مع بعض أصحابي ستة في غرفة واحدة.. وطبعا لا أستطيع أن أعمل في هذا الجو.. ومن عم حسين الطبال الى سعيد الرسام حكايات كثيرة كلها متشابهة فهي قصص أناس يبحثون عن أنفسهم يبحثون عن الحياة عن الوطن.. قصص ستبقى شاهدة على غربة الانسان وسفره الأبدي. سجلات النزلاء يقول الدكتور ابراهم صالح استاذ القانون والمحامي المعروف: القرار غير دستوري ويمكن الحصول بسهولة على حكم بعدم دستوريته لأن القانون المصري أعطى المواطن حق الانتقال والاقامة في الأماكن العامة.. هذا بالاضافة الى أنه يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وذلك كونه - القرار - خاص باللوكاندات الشعبية أي التي بدون نجوم في الوقت الذي يوجد الكثير من رجال الأعمال والفنانين يقيمون في أجنحة بفنادق النجوم الخمسة تاركين فيللاتهم وشققهم مغلقة يدفعهم الى ذلك الشعور بالملل أو البحث عن المزيد من الرفاهية في حياة الفنادق.. وأعرف الكثير من الفنانين يقيمون بهذه الفنادق وعلى سبيل المثال فإن هيلتون النيل يوجد به 26 «سويت» يسكنها مصريون بشكل دائم.. وطبعا لا يمكن للداخلية أن تمنعهم من الاقامة بالفنادق. ويقول الدكتور محمد عصفور الفقيه القانوني المعروف: من الواضح أن القرار يهدف الى مطاردة المجرمين ومسجلي الخطر الذين يلجأون الى الاقامة في اللوكاندات هربا من رجال المباحث.. لكن هذا الهدف وإن كان نبيلا إلا أنه لا يبرر العدوان على حقوق المواطنين التي كفلها لهم الدستور.. وأعتقد أنه يمكن لوزارة الداخلية أن تجد طرقا أخرى لتحقيق الأمن وهي تفعل ذلك منذ سنوات بشكل هادئ حيث أن القانون يفرض على أصحاب اللوكاندات إخطار قسم الشرطة التابعين له بأسماء النزلاء وبياناتهم بشكل يومي.. ويمكن لرجال المباحث الاطلاع على هذه السجلات في أي وقت مما يمكنهم من التعرف على بيانات النزلاء كاملة وفي حالة الشك في أي نزيل يتم التحري عنه.. وهذه الطريقة تضمن الاستقرار الأمني المطلوب بدون الخروج على أحكام الدستور لأن أصحاب هذه اللوكاندات يمكنهم رفع دعوى قضائية وسيحصلون على حكم بعدم دستورية القرار. ويرى الدكتور أحمد المجدوب أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن القرار من الممكن أن يؤدي الى شعور المواطن البسيط بالتفرقة بينه وبين الأغنياء وهذا من شأنه أن يقلل الشعور بالانتماء ويزيد أيضا من احساس الناس بأهمية المادة.. فعندما يفاجئ المواطن البسيط أنه ممنوع من الاقامة في لوكاندة بينما يوجد الكثير من الأغنياء يقيمون في فنادق النجوم الخمسة يتولد داخله احساسا بالسخط والغضب خاصة أن المواطن البسيط اذا أقام في لوكاندة فإنه يكون مضطرا لذلك أما الغني فإنه يقيم في فندق خمس نجوم من أجل الرفاهية فقط.. ويضيف د. المجدوب: مثل هذه القرارات تمثل عودة الى الطبقية والتمييز بين المواطنين ومن الممكن أن تؤدي الى صراعات اجتماعية قاسية نحن لسنا في حاجة اليها.