انها أور.. مدينة متلفعة بالصمت بيوت الطوب والجص والآجر وحجر الدبش والاسمنت.. مزفوفة للصبر أبداً. رسول في الحلم والكتمان. الذاكرة المتعبة للدور والباحات والبيادر والاقبية والخانات والبيارات تنفث وجع مواويلها في خاطر الزمان، في مطلع الأضاحي، ومهبط الأصائل. محكومة بالقهر أور... بنُدرة الحظّ وخيبة النفس والتاريخ والصلوات. لمن تصلّين أيتها الزاهدة؟ لمن تسرجين شمعدانات ابتهالك الدهري، وبخور خشوعك الجليل من حيث لا تجدي شفاعة نبي ولا توسط ولي في حلحلة الحزن الراسب في أغوارك، وكشط الهواء الفاسد من رئتيك. لمن صلاتكِ؟ ونواقيس الكنائس وليمة للصدأ، وشرفات المآذن مترعة بالغبار؟ لمن صلاتكِ؟ للطفل في المغارة... وأمه المحتارة؟ لست من مدمني قراءة الصحف، ولا من هواتها على أقل تقدير، ولكن العنوان خطف فضولي: «هولاكو يتسكّع في شوارع بغداد». خسارة العملة التي أنقدها للبائع لقاء جريدة، فيلهث مفتشا في جيوبه عن «فراطة» يردها لي، غير مصدق ان بضاعته تنفق. الجرائد في الشرق الأوسط نسخة مطابقة لنشرة أخبار الهيئة العامة للاذاعة والتلفاز فما الجديد؟ يقول الخبر: «نفضَ هولاكو غبار الزمن عن شعره بنفس الاهتمام الذي أبداه لدى نفضه الغبار المكدّس على حذائه الجلدي. فحذاؤه ورأسه متعادلان. ويمكن ان يتبادلا المواضع دون مساس بعظمة الرجل. فقد تغيّر لباسه، بزته العسكرية تَعَصرنت، وأوسمته بدت أكثر لمعانا وتألقا. ويلفت النظر شعره المقصوص بعناية وقد اختفت ذيوله بعد ترسل وغُرّته بعد تهدّل، كما درست آلة الحلاقة الكهربائية سالفيه المتطفلين على مساحة وجهه الأسمر، وذقنه المدببة. أما شارباه فاحتجّا على الدرس. ـ لسنا بيدر قمح أيتها الآلة.. انقلعي. وتطلع هولاكو الى المرآة، فتاه اعجابا بنفسه. من يومها أدمن الظهور أمام عدسات التصوير، وأدلى بالتصريح التالي أمام احداها: ـ هذه المدينة لي، ولن تكون لغيري. ومع انه دخل المدينة سالما، آمنا على روحه وحاشيته، فقد وجّه صوبها عدسات «التصويب». وفرقعت الاصوات: بوم.. بوم.. بوم.. بوم.. ولما أفاقت المدينة من دمارها وبكت ما بكته، وولولت ما ولولته، تساءلت حيرانة: ـ ولكن لِمَ ذلك؟ وأتاها المخبرون بالجواب: من تعرض للسلطان أرداه، ومن تطامن له تخطّاه. فالسلطان ريح طاغية، والرعيّة قشوش واهية. ـ لكنّا قوم متطامنون، ولسنا متعرّضين! ـ لعل في نفوسكم طمع دفين، وقد تعلو على الحاجب عين!! وتوالى تأديب بطانة السلطان للشعب الشقيان، دون جريرة جناها جان، أو تهمة ألصقت بمُدان. ثمّ ما لبث هولاكو ان أصدر فرمانا سلطويا مستمدا من روح العصر. نودي عليه في الشوارع. هذا نصه: «أيتها الرعية، لنبلونك بالمنيّة». (إنّا لنرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها) وبين أيدينا انطاع قد بسطناها، وجلاوزة قد أمرناها، فبأيدينا سيوف باترة، وبفنا أوامر حاضرة. وكانت الشاشات تناقلت الحدث بعدوى الفضول والتنافس الاعلامي أما الآذان فتسمع وتخشع، والعيون تبصر وتدمع، والأيادي تتحسس وتتقرّى الهامات إن كانت بها يناعة أم لا، في محاولة لدفع الشبهات والمخاطر عن حامليها إن وجدوا. علما أنه... وفي كل المدينة، لم يفكر أحد بعد بقابلية تحوّل رأسه الى ثمرة. وقرأت في سفر التاريخ: ضبط خفر الحدود وعسس الليل رجلا وامرأة يتشحان بالظلام، ويعبران المسالك الى غير ممالك. دون صك بالمغادرة أو اذن بالمغامرة. الرجل معمم الرأس بقماشة نادرة، مدرج في كسوة باهرة، وحلة عاطرة. والمرأة ملثمة بالسواد من مفرق شعرها الى أدنى عرقوبها وقد ثبت الوصاوص للعيون النجل وللرمش ذي الكحل. وفور توجيه الكلاشينكوف ورشاشات الأوتوماتيك الى صدر المرأة ورأس الرجل، أشار القائد بالتريث لحين يستنطق الغريبان. ـ ما اسمك يا امرأة؟ مار الخوف في صدر المرأة، فتمتمت: ـ زينب التدمرية. ـ ما اسمك يا رجل؟ تفتق القلق في رأس الرجل. أجاب: ـ عبدالله الكندي. ـ أنتما متسربان من المملكة. فأين تذهبان؟ وكيف تتخطيان الحواجز الجمركية في الظلمة العصية، بتدابير خفية؟ واعترفا يا شر البلية. واعترفت المرأة بمؤق دامع، وقلب ضارع: ـ إلى بلدة الأكاسرة، والمملوكية الفاخرة، أرجوكم، الوقت ضيق، اخلوا الطريق. وكادت تخطو لو لم تسورها الحراب. وباح الرجل بأسى ظاهر، ولب حائر: ـ إلى بلد القياصرة... روما القاهرة وكاد يجد السير على راحلته لو لم يسمع طلقة أجفلت الخيل والخيال معاً. وصاح القائد: ـ ننذرك أيتها المرأة، ننذرك أيها الرجل بعدم الفرار، ولا مناص من الرصاص. فإما الرحمة والاشفاق، او الموت والفراق. ولكما الخيار. تشاور الرجل المغتم والمرأة المحزونة. وقررا: 1) المرأة: لكم روحي ودمي مقابل ان التقي كسرى، فأفتدى شعبي بدأبي وينقشع (من بعد) همي. 2) الرجل: لكم رأسي وشعري مقابل ان التقي قيصر، وأفتدي ملكي بعسكر فأحزم امري وأدرك ثأري. صعق القائد لما سمع، كذلك الحراس. وأفتى وسط دهشة السامعين: ـ وهل قل عندنا عسكر لنصرة ملك تطير، وملكة غير ذات تصبر؟! امضيا ـ أيها الخائنان ـ فإن فاتتكما طلقة مسدسي، فلن ترحمكما ذاكرة الزمان. ستمكثان ـ بقية العمر ـ في اشتهاء طلقة رحمة هيا. وفي متن الصحيفة ـ تحديدا ـ في باب (مطالعات تاريخية) قرأت التالي: «مزاد عالمي لبيع أور على شبكة الانترنت الى اغنى مستثمر». وجاء في حواشي المتن: ولما باعوها، ظنوا أنهم من موبقة نشلوها، ومن فاقة نجوها. فإذا الذي بيده مفاتيح المدينة يسلمها راضيا لعصبة من المقاولين والسماسرة ومتعهدي البناء وخبراء السلاح وعلماء الطاقة. فما كان من افراد العصبة ذات النوايا الطيبة وقد (تمسكنوا حتى تمكنوا) وتحايلوا حتى تسللوا، إلا ان عمموا منشورا بأمر من كبير الشارين والتاجرين يقضي بالوصايا المزمع تنفيذها لحفظ الأمن الداخلي لأور، ونشر السلام بين ظهرانيها. هذا شق منه: «باسم ارض الاجداد، وكرامة الاحفاد، وقداسة الميعاد. نأمر كم يا أنجال داؤد، فور دخول المدينة ان: قلقلوا السكينة، وبثوا الضغينة، وسودوا على العباد، وأبيدوا بالعتاد و: اغدروا ومثلوا، واقتلوا الهرم والمرأة والوليد، واعقروا الشاة والبعير، واحرقوا البيارة، وخربوا الدارة، وحاقدوا من حاقدكم ومن سالمكم على حد سواء». (وسوى الروم خلف ظهرك روم).. يا جنة الليمون والكروم فمن لك بحام للتخوم، وباريء للكلوم؟! ولم تجب البلد، فقد كانت منشغلة عن النجوى وبث الوجد والشكوى، بفقدان الذاكرة والجذور، والغفلة عن البلوى. وقيل مهمة الشعراء ترخيص الدماء في موطن البلاء. فماذا قرأت في ديوان شعراء البلد؟!: سر لصق الحائط وقل يا رب سترك واضرع لربك والتمس نسيان ثأرك أجدى لراحة نفسك صندوق قبرك وقرأت في الاسفار عن شاعر فرار، يسوغ القعود عن نصرة الديار قائلا: وكتيبة لبستها بكتيبة حتى اذا التبست نفضت لها يدي وتركتهم تقص الرماح ظهورهم من بين مقتول وآخر مسند هل ينفعني ان تقول نساؤهم وقتلت دون رجالها: لا تبعد؟! وسألت الحادثة: فإذا كان الجيش المرابط على التخوم برمته فرارا، فأي قائد أعلى لهذا الجيش يكون هذا؟! أجابت الحادثة: أما القائد فعنه اقول: إذا صوت العصفور طار فؤاده وليث حديد الناب عند الثرائد ولكن يا حادثة: من يذود عن البلد، والخلفة والتلد، ومن للأهل بسند؟ البلد تترقب. صمصامة عمرو بن معد يكرب، فبدونه لن تحترب العبرة باليد التي تنسف، وليست في حد سيف مسنف وحث المنادي: على هونك.. نبيعها بعشرة بلايين، من يزاود؟! وفي ذيل (الباب) قرأت الجواب: أيها السادة، افرنقعوا. فقد أقفل المزاد. ورسا على السيد (شاروناكو). بغداد مدينة صامتة ايضا. قانعة، قدرية الى حد الترحيب بالصواريخ بعيدة المدى والمدمرات والغارات الهاطلة عليها لحكمة إلهية: قصاصا لذنب تعلق في رقبتها من جيل تصرم. انها هادئة لا تقاوم، لا تخيط التعاويذ. والذي يحتج ـ بدواعي الواجب ـ هو الحرس الملكي. فلولاه ما أشرقت المدينة بشهب المضادات الارضية، ولا أمكن لرواد فندق الرشيد، ولعابري الجسر المحاذي ان يمتعوا النظر في حال المدينة الصافنة بوجه خال من التعبير. مدينتك صافنة يا هولاكو. كما أنت. هي: كردة فعل على هزائمها. وأنت: لمتعة في نفسك تمور في عينيك وأنت مراقب اندحارها وتلويها على شاشات التلفزة. ويعرض لك خاطر وقد شغفت بالشاشات الحدباء ان تدلي ببيان مفتوح الى أهالي الأمة. فتتسابق الى حجرتك الفخمة، الى سريرك الملكي عشرات وأجهزة البث الحي واللاقطات والردارات، ولا تتحرج من لباس نومك، أو عفوية استرخائك. ومن فوق المساند تناشد: «قاموا، يا جماهير الأمة، كافحوا حتى الرمق الاخير.. باسم كذا وكذا من المقدسات والمباركات والرموز والنباريس: قاتلوا بالظفر والناب وادحروا الاغراب». تلتفت الى بطانتك الرفيعة وحاشيتك الوديعة، فتفك حيرة نظراتها بدروس تستظهرها في أسس صلاح الملك وديمومة العز والسلطنة مجيبا سائلك المحتار: لم هذا؟! بالقو: مادة 1: أجع كلبك يتبعك، وسمنه يأكلك. مادة 2: لا شيء للقوم الا السهام مشحوذة في غلس الظلام مادة 3: المجاعة، لمن شق عصا الطاعة ولمن لزم الطاعة، وأبدى ضراعة... فالمجاعة. وتضحك. ويضحكون. ويدق بابك وفد من وجهاء المدينة: نحن في عرضك صاحب المعالي. ـ ماذا يجري؟ ـ المدينة تسبى، والنفوس تحبى. ـ تمنوا واشتهوا. ـ خبزا لنحيا، ومتاريس لنصد، وسلاحا للذود. واعجبتك الوجاهة بما اوتيت من نباهة. او لمتها فأتخمتها. واعطيتها فأكرمتها، ومن باذخ كسوتها. وآخر ماقلت لها: ـ الى المغاسل والمعاطر وحمامات المسك والعنبر: وراء.. در. ودارت حيث أشرت راضية مرضية ثم: بم بم بم بم وداعا ايتها الوجاهة. ذات الجراءة والبراعة. لا غرو انك ختام ابطال المدينة، وميامينها. فمن عجب ان تأخذك غيرة بالغابرين، فتسرع من ساعتك الى سجل ملوك البلد، وتقتفي اثر الصناديد من قبل: الملك تيسان، الملك ثوران، الملك حمران.. جولان، ضبعان، تخذف قافلة الملوك بشطبين متقاطعين وتسجل: هولاكو.. وبس. «لأجلك يا مدينة السلام.. أصلي». صلي أيتها المغنية. بصوتك الاوبرالي الرخيم، بكل ما للصدق من براءة، بكل ما للطهارة من روعة الاكتفاء. صلاتك زادنا على جبهات النصر، رصيدنا في حومة الجهاد. وتشرئب الحرب. تتطاول حقدا، ونيرانا، واضطغان نفوس، واستعار مواقف، واحتداد قصوف. وتتطاير الارواح، وتطوح العزائم من شرفات الموت الى عجاج المعركة، فترسم لها سمتا في مدرج الخلود. اكباش فداء تتطاير، اضاح لزغاريد نصر مرتقب. قادمون أور.. اصبحنا على شفا حفرة من الوصول. انتظرينا ايتها المدينة المعمدة بالنور. افتحي ابواب خلاصك، افسحي صدرا، رحابا، وعتبات ولوج، لاسودنا الزائرة، ونوارسنا الطائرة، وبوارجنا الماخرة. مهاميز الغضب تنخس عزائمنا من ايطليها، من ادبارها، فتتكشف عن مضاء حثيث، وسرعة تلبية. خطانا لاهثة، ثابتة، تدك الارض وتفلق الصخر. نجوز الصحاري ونطوي السهوب ونعبر الحدود والجبل الاشم. الآن تصبحين في المدى المنظور. نلمحك آلهة منصوبة للحب والتبريك، نكاد نلمسك إلا قليلا. نصوب بنادقنا عن يقين أنا فاتحوك، ان سجانك تحت رحمتنا، تحت نعال احذيتنا. نطلق بأمر القائد الاعلى، فإذا المقذوف يرتد الى نحورنا وينزرع في صدورنا. واذا البنادق: تطلق من عراقيبها. والرشاشات ترمي من اقفيتها. ونحن: مجرد واهمون، وأنت: مجرد وهم. ونبحث عن صدور تحتوي بكاء تشظينا، نستعير دموعا بعد ان نضبت مآقينا، ودماء.. بعد ان جفت الشرايين. وهيهات.. نصيب حظا. ونحن ما ادرانا؟! ان خدعة في حجم الوجود، وخيانة في ثقل الفجيعة تتربص بنا. وان النخر مزمن، منتن، وسوسنا منا وفينا، وافظع ما يشي بهزائمنا، ويسخر من جرائرنا: بكاؤك أور، تلوعك، تلويك المضني. وذلك الوعيد الزاجر، والأمر الناهر عن كل ارادة للعيش يصبو لها قلبك الفائح بعبق النبوة: يا سكان أور.. البحر أمامكم، فاغرقوا فيه، بلطوه. او تشتتوا عن هذه الأرض. بكت القباب والقناطر والمآذن والمنابر والنواقيس والصلبات والمحاريب والأديرة. وكان لايزال فيها من يرتل: (فليكن موت ابنك.. حياة لطالبيها). ـ يا زينب، يا عبدالله. ـ من المنادي؟ ـ رجل من هذا الزمان.. يقرأ الجريدة. ـ ماذا تقرأ يا قاريء؟ ـ المفكرة السياسية لعموم الازمنة والامكنة والاحداث. ولدي استفسار حار. ـ ما هو؟ تقول المفكرة: في مثل هذا اليوم من عام ( ) سقطت مملكة كندة على يد بني أسد. ـ في مثل هذا اليوم من عام ( ) سقطت مملكة تدمر على يد بني الروم. فلم تركتما الممالك تتهالك، وبعتما العروش بقروش؟ 1ـ الملكة: نحن لم نبع عرشا بقرش، لكن الذئاب طوقتنا تطويق الاحزمة للخصور، وحصرتنا حصر النطق للبطون، فإذا لم نلتمس غوث جار فعلى الدنيا السلام، ومنها الفرار. 2ـ الملك: إنا لم نبع تاجا كان لنا سراجا. إنما: (نحاول ملكا او نموت فنعذرا) ولوا ان مكرت بنا الثعالب، وعوت من حولنا الذؤبان والكواسر ما تقرينا نارا نحرق بها فراءها من لدن جار يخبر داءها ودواءها. فإن لم نسترد الملك فاغربي يا شمس البلد، ومت يا قلب من كمد. ـ لقد برأتكما محاكم القرن من تهمة الخيانة، فلكما معزة الاجداد لدى الاحفاد. وحصانة السلف عن الخلف، وهيبة الماضي التليد لدى العصر الوليد. لكن.. ـ لكن ماذا؟ هتف الاميران بفرح. ـ ايا كما ان تكررا الفعلة ان تقمصتما روحا. وان تلهيكما عن الذئاب غفلة، وقد كان في الامكان افضل مما كان. ـ كيف ذلك. والممالك في المهالك؟ ـ هذا يتطلب شرحا وتطويلا. وفي كل حال، مهما ضاقت الاغلال لابد من متعلق للذئب، وممسك لشره من احد المواضع التالية: 1ـ من عرقوبة: فيتدلى فاقد التوازن فلا يتمكن من الفريسة. 2ـ من نابه: فمهما احكم انقضاضا، لا يقضي وطرا من نهش وعض. 3ـ من ذنبه: وله حكمة الحالة الاولى. 4ـ من أذنيه: فيثقل بدنه، وينفر عصبه، ويعظم ألمه، وفي وجع الابدان شلل للعقول، وتشاغل عن التحايل. باختصار: لقد قصرتما في مماحكة الذئاب، ومداهنة الثعالب، فكان منكما ما كان. وحدث معكما مالم يحدث للدجاجات الحكيمة في السهرة الوليمة. ـ وما حدث مع الدجاجات ، يا قاريء القصاصات؟ ـ هلمو الى المعلمة والاولاد. انتظم الاطفال في مقاعدهم، وروت المعلمة حكاية الاسبوع: افترض ذئب ان الدجاجات القاطنة على مقربة من الغابة من الحمق وقلة التجربة بحيث تجهل مصلحتها، فاقترح عليها صداقة غريبة باسم الجيرة والتضامن. ففي مقابل ان يحميها ـ بنفسه ـ من الضواري والكواسر، تراقب هي حركة الصيادين وتعلم الذئب بتوغلهم، فينينجو بجلده من رصاصهم، وفي احسن الاحوال يباغتهم من الخلف بهجمة مدروسة ويلتهمهم. وفي بادرة طيبة من الدجاجات يدعى ذئب الغابة الى وليمة في بيت الدجاجات الدافيء الاليف. ويكاد يرفض الدعوة لولا الالحاح، ويقبل على مضض اثر مجادلة طويلة، لكنه يشترط عليها ـ من باب التطمين واثبات حسن النية ـ عدم دخول المنزل الا بحضور حارس من الكلاب يرابط على العتبة. اثلجت صراحة الذئب صدر الدجاجات. وامضت النهار وشطرة المساء في اعمار المائدة بالمطبوخات والمساليق والمشويات والحلوى المطعمة بجوز الهند والجبن والقشطة. اما الذئب. فأمضى النهار وشطرة المساء في الاستحمام والتطيب. واستعار بدلة احد معارفه، لبسها وعقد لها ربطة عنق. وتناول قبعة مخملية وعصا من خشب الزان وغادر الوكر فرحا. في طريقه عبر الردهة، سمع نباح كلب الحراسة: عو .. عوعوعو. فدس يده في جيبه ورمى بعظمة تلقفها الكلب ممتنا شاكرا حتى ان نباحه تخافت وغدا اكثر رقة ونعمومة: مياوو .. ميو يويو. واستقبل الذئب ببشاشة وحفاوة، فأكل ما لذ وطاب. ولما صار بينه وبين الدجاجات خبز وملح وعشرة اثر ان يقص عليها حادثة طريفة وقعت معه .. قال وعلائم الشبع والتخمة وما يليها من تدشؤ وتنهد بادية عليه، ناضحة من ملامحه وحركاته: ـ ايتها الجارات. سأروي لكي حادثة تميت من الضحك. ونسي نفسه، وزاغ وعيا: تسلقت البارحة قمة شجرة بلوط، لأسرق منها عش عصافير . وبينما كنت نازلا علقت قدمي في غصن مصدوع، فعلمت انني هالك لا محالة ان لم يتطوع احد بانتشالي. ومر بالغابة رجل فصحت عليه شاكيا متباكيا، ورجوته ان يتكرم بانقاذي من ورطتي. قال الرجل: بكل سرور ايها الذئب، لكني أخشى ان تلتهمني، ما ان تصبح سالما. وحلفت له اغلظ الايمان أني لن آكله. فاطلق قدمي، وما استقمت على الارض حتى اضناني الجوع، وكانت الوليمة بانتظاري فمم يشكو الرجل الواقف امامي؟ اجابت الدجاجات متعجبة: ـ لا يشكو شيئا. وتابع الذئب مقهقها: بكى الرجل ـ يا عين قلبي ـ من الحزب والاسف على نفسه وذكرني بعهدي له، فهل انا مضطر لتجويع نفسي لقاء «رشة كلام» نثرها لساني؟ صدمت الدجاجات حقا: ـ أبدا .. ابدا ... ايها الصديق. قال: وهكذا لم يملك الرجل الا ان قال «خير تفعل، شر تلقى» فهجمت عليه واخذت رقبته بين افكاكي. ثم طمرته في حفرة، وجعلته غذاء يكفيني مؤونة ايام تطول. قهقه الذئب حتى أنت خاصرتيه، وفيما كان يتقلب ضاحكا من ميل الى ميل، وعت الدجاجات الخطر الملم بها. ولما كان الكلب قد بارح الدار لقاء رشوة تلقاها. ولم يبق للدجاجات من يحميها، عرض لها خاطر ذكي. قالت الدجاجات للذئب: ـ ان ما تصف ايها الجار لمن بنات الخيال، ولا نصدق ان ذئبا يعلق في شرخ شجرة ثم يثبت في موضعه دون سقوط. انزعج الذئب من نبرة التشكيك. سوى قعدته واغلظ الايمان مقسما على صحة روايته. اقترحت الدجاجات: ـ ان كان ماتدعي حقيقة. فلسنا مضطرات لقبولها ما لم ترنا كيف كان تعلقك بالبلوطة. تحمس الذئب. وراهن الدجاجات على صحة زعمه. واقتادته الى بلوطة في فناء الدار. ولما تبين الذئب طريقه على ضوء القمر، ارتقى الجذوع والفروع وتعرجات الغصون حتى اذا ابصر صدعا في واحد منها ألبس رجله فيه وتأرجح بجسمه الثقيل الى اسفل يمنة ويسرة. حينئذ .. رنت الدجاجات اليه وصاحت شامتات: ـ ابق هكذا أيها الذئب. وتأكد ان احدا لن يفكك من معقلك. ضحك التلاميذ بانتشاء. ولما رن الجرس ايذانا بالنزول الى الباحة، غادروا الحجرة مثنى مثنى. ولأنها ذكرى عيد الجلاء فقد انشدوا هابطين: فلسطين داري ودرب انتصاري تظل بلادي هوى في فؤادي ولحنا شجيا على شفتي ـ قاصة من سوريا