يعتبر الاكتئاب ضريبة العصر الحديث اذ تشير الدراسات إلى ان العديد من الأشخاص يصابون بالاكتئاب خلال مرحلة من مراحل حياتهم، مثل هذا الاكتئاب وما يحيط به من مشاعر سلبية تختلف حدته من شخص إلى آخر، فهو قد يكون حالة عرضية، وقد يتحول إلى مرض يستدعي العلاج كيلا تتفاقم الاصابة التي تهدد حياة الانسان. وتؤكد العديد من الدراسات على ان ضغوط الحياة المادية تنعكس سلباً على الحياة الاجتماعية والنفسية فالمصاب بالاكتئاب يشعر بالحزن الشديد، ويفقد رغبته في التمتع بمباهج الحياة، فيميل إلى العزلة وتراوده من جراء ذلك الافكار السوداوية وقد يسيطر عليه الشعور الجارف بالذنب، وان الموت والحياة وجهان لعملة واحدة، أو ان الموت هو الحل الأمثل لمشاكله ولحالته هذه، ولهذا نجد ان نسبة لا بأس بها من الأشخاص المصابين بالاكتئاب يفكرون بالانتحار، والبعض منهم يحاول ان يقوم بذلك والبعض الآخر يقدم على الانتحار. ووفقاً لاحدى الدراسات فإن التغير الحاد في طبقة صوت الشخص ربما يكون العلامة الأولى على احتمال إقدامه على الانتحار. فقد وجد فريق من الباحثين في جامعة فاندربلت في ولاية تنيسي الأمريكية أن أصوات الأشخاص الذين يفكرون في الانتحار تصبح ذات حدة عالية. واكتشف العلماء أن هؤلاء يستخدمون مجال تردد صوتيا أضيق لدى تلفظهم بأصوات العلة مقارنة بالأشخاص المصابين بالكآبة فقطويعتقد ميشيل ويلكس وهو مهندس في الجامعة وأحد أعضاء الفريق العلمي الذي أنجز الدراسة أن السبب في التغيرات التي تطرأ على الصوت قد تكون لها علاقة بالإجهاد الذي يعانيه من يطلق عليهم البحث صفة الانتحاريين. ويضيف أنه وزملاءه وجدوا فرقا ملحوظا لدى مقارنة أصوات الانتحاريين بأصوات الأشخاص الطبيعيين من جهة وأصوات هؤلاء الطبيعيين بأصوات المصابين بالكآبة. أصوات من القبر ويوضح أن أصوات المجموعة الأولى، أي الانتحاريين مجوفة وفارغة، بمعنى أن التغير يصيب نوعية الصوت ويحوله إلى ما يشبه الصوت القادم من القبر كما يصفه الباحثون، ويستطرد قائلا أن أنواعا من التغيرات تحدث بفعل الإجهاد مما يؤثر على ليونة ومطاطية ما يعرف بالحبلين أو الوترين الصوتيين في الحنجرة، وقد أنجز الباحثون دراستهم التي نشرتها مجلة نيوساينتست العلمية بإجراء مقابلات وفحوص لـ 64 مصابا بالكآبة ومقارنتهم بـ 33 شخصا لا يعانون منها، ومن بين الـ 64 شخصا كان هناك 22 أقدموا على محاولات انتحارية جادة. جهاز لكشف الانتحار ويخلص الباحثون إلى أن نتائج دراستهم قد تعين الأطباء وفرق الإسعاف على معرفة الأشخاص الذين يحوم حولهم شبح الانتحار ويرون ان الهدف النهائي هو اكتشاف جهاز تشخيصي لتلك الحالات يستخدم في غرف الإسعاف أو يربط إلى هواتف الإنقاذ والمساعدة وقد رحبت بعض المنظمات الإنسانية بالفكرة باعتبار أن اكتشاف جهاز لتشخيص حالات التفكير بالانتحار مبكرا قد يساعد في إنقاذ الكثيرين. تعاقب الفصول ومن جانب آخر قال باحثون إن هناك صلة بين معدلات الانتحار ومنازل القمر وتعاقب الفصول اذ كشفت دراسة شملت ألفا وأربعمئة حالة انتحار عن وجود استعداد لدى كثيرين لوضع حد لحياتهم عند ظهور أَهِلة بداية الشهر، وأضافت الدراسة التي أعدها المعهد الفنلندي للصحة العامة أن أعداد حالات الانتحار ترتفع في فترة نهاية فصل الشتاء وبداية الربيع، وفي فترة نهاية فصل الصيف وبداية الخريف. وأوضح الدكتور تيمو بارتونين الباحث في المعهد، أن الدراسة تطرقت إلى حالات الانتحار المسجلة خلال عام كامل في فنلندا، قصد معرفة ما إذا كانت ثمة فترة معينة من اليوم، أو الشهر أو السنة، تشهد وقوع حالات انتحار أكثر من غيرها من الفترات الأخرى، وعزا زيادة أعداد حالات الانتحار عند تَغَير الفصول إلى تغير كميات النور والحرارة، مما يحدث خللا في الساعة البيولوجية لجسد الإنسان، وأضاف الدكتور بارتونين أن زيادة مستوى النور في بداية فصل الربيع تشجع الناس على المزيد من الحركة، غير أن الجو قد يكون باردا بشكل يجعل ساعة الجسد تعتقد أن فصل الشتاء لا يزال قائما، وقال: ربما تكون لهذا الخطأ في معالجة المعلومات من قبل الساعة البيولوجية للجسد آثار سيئة على المصابين بحالات الاكتئاب،وتوصل البحث أيضا إلى أن الظاهرة نفسها تقع بعد انتهاء الصيف وإقبال الخريف، حين تتغير مستويات النور مع بقاء معدلات الحرارة متقلبة. القمر وقال الدكتور بارتونين إن نسبا عالية من الانتحار لها صلة أيضا بمراحل تطور شكل القمر، وأوضح أن أعلى المستويات تُسَجل حين تكون الأهلة في بداية الشهر في فصلي الخريف والشتاء حين تكون الليالي حالكة السواد، وحين يكون البدر مكتملا في الربيع والخريف حيث تكون مستويات الضوء أكبر، وقال بارتونين: يمكن أن تكون هذه المراحل أخطر فترة بالنسبة للأشخاص الذين لهم نية الانتحار، وقال أخصائيون بريطانيون في معالجة محاولات الانتحار إنهم يتلقون أعلى نسبة من المكالمات الهاتفية ذات الصلة بهذا الموضوع، إبان فترات العُطَل كنهاية السنة، ولاسيما خلال شهري يناير ومارس. اجراءات وقائية لأن الانتحار حل سلبي وأناني ولأن الاكتئاب ليس نهاية العالم ولأن ضغوط الحياة المادية وانعكاساتها الاجتماعية والنفسية يمكن حلها وتجاوزها مهما عظمت وتفاقمت، لهذا كله نقول انه ينبغي علينا ان ننظر دائماً إلى الجانب المضيء من القمر والنصف الممتلئ من الكأس، وان نفكر ملياً بأن الانتحار هو مشكلة بحد ذاتها. لهذا كله يؤكد خبراء الصحة النفسية على ان توطيد أواصر العلاقات الأسرية والاجتماعية من أهم العوامل التي تقي من الاكتئاب والمشاعر السلبية والافكار السوداوية التي قد تنتهي بالانتحار. اضافة إلى ذلك فإن التخطيط السليم والتنظيم وممارسة التمارين الرياضية والاستمتاع بالاجازات وعدم الانغماس في الحزن، والتقرب إلى الله عز وجل وقراءة القرآن الكريم كل ذلك يساعد على الوقاية من الاكتئاب ومضاعفته، ويعمل على تحقيق التوازن النفسي المطلوب الذي يبعث الأمل من جديد في العيون ويرسم الابتسامة على الشفاه ويضفي المزيد من الحياة الجميلة على حياة الانسان. وأخيراً تجدر الاشارة الى أهمية استشارة الطبيب المتخصص بالأمراض النفسية والسلوكية أو المعالج النفسي الذي يحرص على ازالة المشاعر السلبية والتعايش بشكل ايجابي مع الحياة بكافة مشاكلها وسلبياتها وايجابياتها. فالحياة كما ان فيها الحلو فيها المر أيضا والانسان المتوازن هو الذي يدرك ان الحياة مليئة بالمتناقضات وبالرغم من ذلك فهي جديرة بأن تعاش فلنحاول جميعاً ان نرسم الابتسامة على شفاه الآخرين