قوارب صيد سرطان البحر تغادر منطقة موسكيتيا المطلة على ساحل الموسكيتو في نيكاراجوا وهندوراس بأمريكا الوسطى، مطلقة أبواقها تحت جنح الليل، موقظة بعض النيام في الأكواخ القروية التي تطل أضواء الشموع منبعثة منها. وسرعان ما يتجمع الرجال عند الشاطيء لينزلوا زوارقهم الخشبية الخفيفة بعد ان يدفعوها على الرمال بمساعدة زوجاتهم وأطفالهم. ويجدف الرجال بقوة لتجاوز الامواج المتكسرة على الشاطيء ثم ما تلبث ان تتباطأ ضرباتهم شيئا فشيئا، وهم يشقون طريقهم الى العمق فتبدو القرية كتلة نائية، ذائبة في تلاطم الامواج واغنية الريح. هؤلاء الرجال متجهون الى قوارب صيد القريدس ذات الهياكل المعدنية ليغطسوا من هناك بحثا عن نوع من سرطان البحر يعرف بالكركند الشائك، ويعتبر وجبة فاخرة في الولايات المتحدة. وفي وقت من الاوقات، كانت السرطانات الشائكة مكدسة على طول الحيود المرجانية الهائلة الممتدة في مياه الكاريبي، وفي الليل كان يمكن رؤية قرون استشعارها وهي تصنع شرائح متلألئة في الماء. لكن في أواسط الستينيات علم صيادو القريدس الامريكيون السكان الاصليين في جزر خليج هندوراس كيف يغوصون بوسائل بسيطة ليستخرجوا الكركند الذي يعرف ايضا بجراد البحر ليشتروه منهم ثم وصلت معدات الغوص الحديثة التي تستخدم فيها اسطوانات الاكسجين المضغوطة، فاختفت سرطانات البحر الشائكة كليا من المياه الضحلة، وتراجعت الى اعماق اكبر فتبعها الغواصون الى هناك. يشكل الغوص لصيد جراد البحر عملا مربحا ومصدر الرزق الرئيسي للمجتمعات القروية الصغيرة التي تعيش في هذه المنطقة. ويستخدم الغواصون معدات رخيصة، وينزلون الى العمق بدون ساعات او مقاييس ضغط او مقاييس عمق. لذلك فإن نفاد الاكسجين لديهم تجربة مفاجئة ومرعبة، اذ تجدهم يرفسون بأقدامهم بشكل هائج، ورئاتهم تكاد تنفجر وهم يحاولون الوصول الى السطح من أعماق تصل الى حوالي 35 مترا، من دون أن يتاح لهم متسع من الوقت لاتباع الطريقة السليمة في الصعود ببطء وعلى مراحل. ونتيجة لذلك تتوسع فقاعات النيتروجين الداخلية فجأة في أوعيتهم الدموية، فيتجلط الدم مانعا الاكسجين من الوصول الى الخلايا العصبية في الدماغ والحبل الشوكي. وهكذا تدخل الخلايا العصبية الحساسة للاكسجين في مرحلة هجوم تنتهي بموتها، ما يؤدي الى الحاق أضرار بالجهاز العصبي شبيهة بالأضرار التي يتعرض لها ضحايا السكتات الدماغية. وتعرف هذه الحالة بمرض زوال الضغط من الجهاز العصبي المركزي. أو اختصارا «داء زوال الضغط» ويمكن أن تتسبب بالخدر والشلل، بل الموت أيضا. وفي البلدان التي يشيع فيها الغوص باسطوانات الاكسجين كوسيلة للترفيه والمتعة، هناك منظمات مثل «بادي» تضع ضوابط على استخدام معدات الغوص وأدواته. ونادرا ما يتجاوز الغوص الترفيهي عمق 18 مترا. وحتى سلاح البحرية الأمريكية لا يسمح للغواص بالبقاء على عمق 35 مترا أكثر من 15 دقيقة، قبل صعوده بصورة بطيئة، وعلى مراحل، لتجنب داء «زوال الضغط». وهناك برامج حاسوبية خاصة تشرح الطريقة الآمنة للصعود من الأعماق. ومع ذلك كله، يحتاج العديد من الغواصين للعلاج في غرف «اعادة الضغط» كل عام. وفي المقابل، فإن غواصي الموسكيتو هم شبان يافعون، غير متعلمين، أعمار الكثير منهم لا تتجاوز 12 أو 13 عاما فقط، وهم لا يعرفون شيئا عن مرض زوال الضغط. وبالنسبة لهم فإن الألم والشلل سببهما عفريت الأعماق الذي يأكل حبالهم الشوكية. ويعتقد هؤلاء ان هناك حورية خرافية في أعماق المحيط تبحث عن الغواصين. وعندما يصعدون الى السطح متحملين آلام زوال الضغط، التي تتضمن العمى والاختناق وألم البطن الرهيب، فإن رفاقهم يهزونهم بعنف، ويسألونهم عما إذا كانوا قد شاهدوا الحورية، ويشكل مثل هذا الجهل خطرا حقيقيا على حياة أولئك البسطاء، ويستغله أصحاب القوارب. وليس لدى الغواصين ما يكفي من المعرفة ليطالبوا بأجهزة تنفس أفضل وفترات غوص أقل، أو المالكون لا يعرضون ذلك من تلقاء أنفسهم. خلال السبعينيات، توسعت أعمال الغوص لصيد جراد البحر، وأصبحت تشغل حوالي تسعة آلاف غواص موسكيتي. وباع مصنعو معدات الغوص الامريكيون لمالكي القوارب ألوفا من اجهزة الغوص التي تفتقر لمقاييس الزمن والضغط والعمق الاساسية. وهو أمر يشبه بيع سيارة بدون مكابح. كانت «فورة الذهب الاحمر» في أوجها وكانت أسواق الكركند الشائك تزدهر في الولايات المتحدة وتسيطر على ساحل الموسكيتو. وكان طبيعيا ان تظهر حالات مرض «زوال الضغط» بشكل متكرر لتشل أو تقتل رجالا كانوا يعيلون أسرهم. وتحت وطأة المرارة واليأس، تحولت زوجاتهن الى البغاء لاطعام الأسر، وترك الاطفال بدون مراقبة، عرضة للمرض ولسوء التغذية ولشتى ألوان الاعتداءات عليهم. والطريقة الوحيدة لعلاج هذا المرض تتم بوضع الضحية في حجرة «اعادة ضغط» بأسرع ما يمكن فور خروجه من الماء. واذا لم تتم معالجته خلال بضع ساعات، تتضاءل فرص شفائه، وبعد بضعة أيام تتراجع فرص استعادة الغواص لقدرته على الحركة، حتى ولو خضع للعلاج. لكن معظم أهالي هذه المنطقة لا يعرفون شيئا عن حجر اعادة الضغط، وبكل تأكيد لا يقدرون على تحمل نفقات العلاج فيها. وقد وصلت المساعدة بقدوم طبيبين أمريكيين للمنطقة، هما بينو ماركس وتوم ملينجتون. في عام 1989، طلب الدكتور ماركس المساعدة، بعد ان اكتظت عيادته الخيرية الصغيرة بالغواصين المشلولين، وجاءت تلبية النداء من الدكتور ملينجتون. وعندما شاهد بأم عينه نطاق المأساة التي يعيشها هؤلاء الناس البسطاء، تحرك ملينجتون بسرعة لفعل شيء ازاء هذه الكارثة الانسانية. وقد كان يعرف كاتبا يدعى روبرت ايزدبكسي، كان قد قام برحلات في أعماق منطقة موسكيتا، وراع ابنه البالغ من العمر 14 عاما مشهد ألوف الغواصين الجاهلين، المشلولين، في القرى النائية. وهكذا قام الاثنان معا بتأسيس منظمة غير رسمية تدعى «السلامة تحت المحيط» في عام 1993، تهدف الى توعية غواصي أمريكا الوسطى بمخاطر الغوص، وجميع تعليمات السلامة الواجب الالتزام بها قبل الغوص وخلاله. كما أسس ملينجتون وايزدبسكي برنامجا لانقاذ الغواصين الذين يصابون بالمرض ونقلهم الى حجرة اعادة الضغط قبل فوات الاوان. ولاحقا، تعززت جهودهما بجهود البروفيسور بيرنارد نيتشمان الذي توفي عام 2000. وكان نيتشمان جغرافيا مشهورا، دأب على دراسة منطقة موسكيتا منذ الستينيات. والى حد كبير يعود اليه الفضل في تأسيس منطقة ساحل الموسكيتو المحمية. وبدأ الثلاثة معا في حملة كبيرة لجمع التبرعات، واستطاعوا توظيف الاموال المجموعة في تركيب حجرة عادة ضغط فولاذية ضخمة من طابقين وانشاء مركز صحي متطور. الآن، وبعد مرور خمسة اعوام توطد دعائم المركز الصحي في المنطقة، بعد ان دربت منظمة «السلامة تحت المحيطات» كوادر محلية للعمل فيه. كما انها دربت العديد من الغواصين المحليين على تعليمات السلامة الاساسية، وأقامت دورات تأهيلية عديدة في القرى النائية التي لا يمكن الوصول اليها إلا سيرا على الاقدام. ويأمل القائمون على هذا العمل النبيل ان تساهم جهودهم التثقيفية في تواصل خفض زمن الغوص. وهذا سيعطي فائدة اضافية تتمثل في تقليص الآثار البيئية الناجمة عن صيد جراد البحر. لكن هناك العديد من المناطق الكاريبية الاخرى حيث لا يزال الجهل يشل الغواصين ويدمر توازن الحياة البحرية. وسيكون ذلك محط تركيز منظمة «السلامة تحت المحيطات» في المرحلة المقبلة. علي محمد