التقى المخرج الشاب سعيد ناناش المغترب بفرنسا بجمهور واسع من الإعلاميين والمهتمين بالفن السابع في حوار مباشر، جرى بقاعة متحف السينما وسط العاصمة الجزائر. وكانت المناسبة العرض الأولي لفيلمه التسجيلي «الجزائر بين الألم والحرية». يحكي الفيلم قصة عودة شاب جزائري الى وطنه بعد سبع سنوات قضاها مرغما في ديار الغربة نتيجة الأحداث الأليمة التي شهدتها البلاد في العقد الأخير. المشاهد تفيض عاطفة وحميمية وشاعرية لحظة العناق مع الأهل والأصدقاء. وتتخلل المشاهد الحميمية هذه لقطات بانورامية تجسد جمال منطقة القبائل بتلالها الخضراء ومروجها وجداولها وقراها المبعثرة على سفوح جبال جرجرة الشامخة. وهذه الأرض التي نشأ فيها سعيد وأمدته بأسمى معاني الحب والعطاء. من وسط باريس يبدأ الفيلم البيوغرافي بمشهد لتجمع محبي المطرب الشعبي البربري الكبير معطوب الوناس الذي اغتاله مجهولون قرب قريته بولاية تيزي وزو الجزائرية في صيف 1998 ونسبت الجريمة للجماعات الإرهابية. حضروا في لقاء كبير لادانة الارهاب والاغتيال، كان المشهد أصلا مثيرا وزادته موسيقى الفنان القبائلي (إيدير) قدرة على التعبير عما يجيش في نفوس كل هؤلاء. وفجأة تنتقل الكاميرا الى أعالي جبال جرجرة القبائلية ويبدأ سرد الذكريات الممتدة في الزمن و هو يتنقل بين الأماكن التي يشده اليها الحنين. ها هي الدار التي ولد بها سعيد ناناش وها هي المدرسة التي تعلم بها الحروف الأولى وأشجار التين والزيتون التي لطالما تسلقها لجني الثمار كما يفعل أترابه في حقول وبساتين صمدت أمام زحف الغابات وفوضى الطبيعة. وتلك طرق ملتوية تبدو كثعابين عملاقة تتسلق الجبال من أسفل الوادي الى قمم ثلجية ناصعة تتحدى فصل الحر. يقطع العائد كل هذه المسافات ويتوقف عند كل المحطات ليلتقي بالخالة (ذهبية) و العم (الطاهر) وهما رمزان للذاكرة. فالخالة ذهبية تعيش لوحدها في بيت قروي متواضع بعدما اغتال الارهابيون إبنها العسكري... تبكيه ليل نهار وتنتظر أمام عتبة الباب من يزورها ويخفف عنها. لقد ترك المخرج الحرية المطلقة للكاميرا لتصوير الشباب وبطريقة عفوية ونقل رؤاهم حول الأزمة الجزائرية مع تسليط الضوء على جوانب اجتماعية كالبطالة والمخدرات والهجرة والتحرر، لينتهي الفيلم في سواحل سيدي فرج غرب العاصمة وهو المكان الذي دخلت منه القوات الاستعمارية الفرنسية عام 1830 لتحتل البلاد لمدة 132 سنة وفيه يجسد الجزائريون اليوم تحديهم لأوامر وتهديدات الأصولية باندفاعهم بالآلاف الى الشاطئ في صور رائعة تجمع بين زرقة البحر وأشعة الشمس وغابات السنوبر وحيوية الشباب. في رده على أسئلة الصحفيين خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب العرض الأولي قال سعيد ناناش إنه أنجز الفيلم ليسجل شهادته على بطلان الصورة التي تنقلها وسائل الاعلام والدعاية الغربية حول الوضع في الجزائر. وأكد أن تلك الصورة لا تعكس الحقيقة، لذلك كان من الأهمية بمكان التقاط رأي العجوز والتلميذ والمرأة وإمام المسجد والصحفي والبطال وضحايا الارهاب وهؤلاء كلهم يشكلون المجتمع المدني لنقل حقيقة ما يجري فعلا في الأرض بمنطقة القبائل خلال سنوات الجمر. ويذكر أن الفيلم التسجيلي «الجزائر بين الألم والحرية» من انتاج مؤسسة «ألف للانتاج» التي يديرها التونسي محمد شرباجي بفرنسا وقد تحصل في مارس من العام 2001 على الجائزة الخاصة في مهرجان «الفيسباكو» ببركينا فاسو ولقي استحسان النقاد في مهرجان الفيلم بمدينة «أميان» الفرنسية في نفس العام. وهو العمل الثاني للمخرج بعد فيلم تسجيلي آخر أنجزه سعيد ناناش بعنوان (أمريكا كما يراها الشباب الأمريكي). الجزائر ـ مراد الطرابلسي