قبل اسابيع قليلة عاد جثمان الزعيم الفيتنامي التاريخي هوشي منه بالطائرة من موسكو بعد اجراء «الصيانة» الدورية السنوية عليه فجثة قائد الثورة الفيتنامية العتيدة ومنذ وفاته قبل 43 عاما، وهي ترحل سنويا الى موسكو لتغيير السوائل الحافظة لها وهي السوائل التي يحرص خبراء التحنيط الروس على ابقائها تحت غطاء كثيف من السرية دون السماح لاحد بمعرفة تركيبتها خوفا من ان يطلع عليها الصينيون. ويبدو ان الجثمان قد اصبح بالنسبة للفيتناميين اكثر من جثمان لزعيم تاريخي بل تحول الى مصدر دخل وجذب سياحي حيث تجد الزوار يصطفون طوابير تصل الى نصف ميل امام المزار التذكاري الذي يضم الجثمان تحت سقفه لتقديم الاحترام له او للاطلاع على شكله بدافع الفضول. لكن السياحة لم تتأثر بهوشي منه عبر جثمانه فحسب بل ان اكثر السياح يذهبون الى هانوي ليستقلوا هناك «قطار التوحيد السريع» الى مدينة هوشي منه او سايجون سابقا لما كانت تسمى حينما كانت عاصمة للجنوب الموالي لامريكا قبل سقوطه امام الشمال اليساري الثوري، وربما كانت الرحلة كاملة على «قطار التوحيد السريع» هي واحدة من اعظم هذه التجارب المماثلة لها في العالم حيث يأخذك القطار في رحلة على مسافة 1726 كيلومترا من شمال البلاد الى جنوبها ليكون بذلك رمزا قويا على عودة الروح للامة الفيتنامية بعد عقود من حرب ضروس لم ترحمهم. ركوب القطار من اقصى محطاته الشمالية ليس مجرد رحلة في قطار بل ان سكة الحديد التي تحمله من الشمال الى الجنوب يعتبر بناؤها مأثرة تاريخية لهذا الشعب خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية حيث استغرق بناؤها اكثر من 25 عاما فجبال بأكملها ازيلت من مكانها بكل ما تعنيه الكلمة لحشر السكة على امتداد ساحل بحر الصين الجنوبي بين الجبال والماء وقام القطار بأول رحلة كاملة له عام 1927. كما انها تمثل ايضا رحلة ثقافية وسياسية حيث يأخذك من هانوي الباردة التي لاتزال محتفظة بطابعها الثقافي الشيوعي السابق، الى مدينة هوشي منه الاستوائية النابضة بالاثارة والتي تضج بالثورة الاقتصادية التي استوعبت جهود البلاد كلها على مدى السنوات الخمس الماضية. وعلى امتداد السكة تمر عبر المناطق «منزوعة السلاح» اي التي اوجدتها آلاف من اطنان القذائف التي اسقطتها قاذفات بي 52 الامريكية فوق رؤوس العباد وغابات تعرت تماما من غطائها الاخضر بفضل نابالم الامريكان لتذكرك بان الحرب التي اكلت الفيتناميين بنارها ستبقى ملتهبة في ضمائرهم لاجيال واجيال مقبلة. كان الكاتب البريطاني بول تيروكس قد قام بهذه الرحلة الطويلة اوائل السبعينيات وخرج منها بكتاب «بازار خط الحديد العظيم» الذي انهاه بكلمات جاء فيها: «معظم القرى الفيتنامية التي مررت بها وانا في القطار كانت مسواة بالتراب والكثير من اهلها قد لقوا حتفهم، أما الباقون فيبدو المستقبل لهم مظلما وان هذا القطار الصغير لم يعد قادرا على الحركة للامام. لكن يبدو ان تيروكس لم يقدر همة الفيتناميين حق قدرها فقد رمموا هذه السكة اللانهائية بطولها كاملة واعادوا بناء 1300 جسر و28 نفقا و150 محطة دمرتها الحرب ويسير على السكة الآن 36 قطارا كل 24 ساعة والخدمة على هذه القطارات عصرية جدا ففيما يظن الزائر للبلاد انه حين يصل هانوي سيصادف عربات قطر تعود لما قبل الحرب العالمية الثانية وتذكرنا بتلك التي وصفها الكتاب في اعمال مثل «قطار الشرق السريع» وغيرها سيجد بدلا من ذلك عربات قطار حديثة ونظيفة ومكيفة الهواء لا تقل عن نظيراتها في الدول المتقدمة. سكة الحديد العملاقة رغم حداثتها الا انها لم تفقد الروح الطيبة لاهل البلاد فآخر مرة وقع فيها حادث دهس على السكة، قام ركاب القطارات بجمع تبرعات بقيمة مليون دونج (وهي العملة في البلاد) لارملة الضحية وفيما يلتفت القرويون بقبعاتهم المخروطية عند مرور كل قطار قريب منهم للرد بالايدي على تحيات الركاب فما ان يدخل القطار ما سمي بالمنطقة المنزوعة السلاح والتي يعمل الفيتناميون على استصلاح ارضها للزراعة بعد ان خربتها الحرب وهو ما قد يستغرق قرنا من الزمان على حد قول العلماء، يبدأ السياح اليابانيون والالمان وغيرهم ممن في القطار في عروض ضيوفهم من اكثر الافلام السينمائية التي جعلت من حرب فيتنام مادة دسمة لمهارات المخرجين والممثلين ويحاول هؤلاء تقليد سلفستر ستالون في حركاته القتالية على الشاشة طبعا. فيتنام بلد التناقضات كما يحلو للبعض وصفها والرحلة بالقطار من اقصاها لاقصاها كفيلة ايضا بعرض هذه التناقضات فحقول زراعة الخشخاش يمكن ان يراها الركاب في وسط البلاد مع ان فيتنام صاحبة أقسى القوانين في العالم لمكافحة هذه الآفة ورغم ماضيها الماركسي وحاضرها الاشتراكي المعلن فهي صاحبة اكبر معدل نمو اقتصادي في شرق اسيا ورغم ان لديها وزارة خاصة «بمكافحة الشرور» فانها صاحبة اكبر تجارة بغاء نموا في العالم ايضا كل ذلك تمكن رؤيته فيما يتحرك القطار من مكان لمكان. جلال الخليل