يبدأ الدكتور جلال أمين كتابه «عولمة القهر.. الولايات المتحدة والعرب والمسلمون قبل وبعد أحداث سبتمبر 2001» بتقديم رؤيته للعولمة قائلا: كنت ولا أزال أفهم العولمة على أنها تضاؤل المسافات الفاصلة بين الأمم، سواء فيما يتعلق بانتقال السلع والخدمات، أو انتقال العمالة ورأس المال، أو انتقال الأفكار والسلوك والقيم. وبهذا المعنى تبدو العولمة ظاهرة قديمة جدا. فالانسان، منذ نشأة الحضارة على الأقل، ينزع الى تقصير هذه المسافة التي تفصله عن غيره، اما طمعا في زيادة رفاهيته المادية، أو اشباعا لحاجة طبيعية الى الاستطلاع والاكتشاف. صحيح أن معدل العولمة قد ارتفع بشدة في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة، ولكن من المؤكد أن الكشوف الجغرافية، التي وقعت منذ خمسة قرون، كانت أيضا خطوة جبارة نحو رفع معدل العولمة، وكذلك الحركات الاستعمارية، القديمة والحديثة، كانت بدورها تنطوي على ارتفاع مفاجئ في معدل العولمة. اذا علمنا العولمة على هذا النحو فان من البديهي أن يكون للعولمة منافع وأضرار في الوقت نفسه، فتقصير المسافات بين الناس وزيادة درجة التفاعل بينهم لابد أن يكون له منافع مادية وروحية: المنافع المادية تظهر على الأقل في تسهيل الحصول على السلع والخدمات وزيادة تنوعها، والروحية تظهر فيما تنطوي عليه من زيادة المعارف والتفاهم بين الناس. ولكن من الممكن أيضا أن ينطوي هذا التقصير في المسافات بين الناس على مظاهر بشعة للقهر المادي والنفسي، كما يظهر في الحركات الاستعمارية مثلا. اذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يكون للعولمة أنصار وخصوم. الأنصار هم في الأساس المنتفعون منها، وخصومها هم من تقع عليهم أعباؤها. ويعتقد المؤلف أن الرواج المفاجئ الذي أصاب لفظ العولمة، بل وصك هذا اللفظ أصلا كانت وراءهما محاولة من جانب المنتفعين من ارتفاع معدل العولمة خلال العشرين سنة الأخيرة «وهم في الأساس المرتبطون بشكل أو بآخر بالشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات» ولكن هذه الموجة الأخيرة من تصاعد معدل العولمة لايمكن الا أن تذكر المرء بالهجمات الاستعمارية التي طغت على بلاد العالم الفقيرة وقليلة الحظ من التصنيع في النصف الثاني من القرن 19 والنصف الأول من القرن الـ 20، صحيح أن لفظ الاستعمار نفسه لم يعد من الشائع استعماله الآن، ولكن ما أهمية تغيير الأسماء اذا كانت الظاهرة تحمل الكثير من السمات القبيحة للاستعمار؟ ما أهمية أن أصبح الاسم الآن هو الانفتاح الاقتصادي أو العولمة اذا كان الأمر ينطوي في الحقيقة على درجة مماثلة من القهر؟ فالذين يروجون اليوم للعولمة، دون أن يبدو أي استعداد للاعتراف بأخطائها، هم على أقل تقدير « فاقدون للحس السليم » مثلهم مثل الذي كان يرى في الاستعمار الفرنسي ـ على سبيل المثال ـ أنه كان سببا في تعلم الجزائريين الفرنسية. وها هي أحداث 11 سبتمبر عام 2001 وما أسفرت عنه من تطورات، تفضح العولمة على نحو قد يفيق هؤلاء من سباتهم. حيث نرى على مسرح أحداث سبتمبر 2001، عولمة مبهرة في الضرب والقتل وحشد الجيوش، وانطواء غربيا على النفس في أنماط التفكير والمشاعر مما يكون سببا قائما خلف العزلة والتهميش ـ مثلما وقع للشعب الأمريكي ـ ولعل هذا الدور المتعولم قامت به وسائل الاعلام الأمريكية المتعولمة لخدمة أغرض عولمة الاقتصاد وعولمة الضرب والقتل لصالح الشركات متعددة الجنسية. وهكذا أصبح العالم كله كالقرية الواحدة من حيث سهولة ارسال القنابل من دولة لأخرى، ومن حيث سهولة قيام دولة أو شركة بغسيل مخ دول أو شعوب أخرى. في مصر أيضا لم تنج العولمة من الفضيحة ففجأة أصبح الانفتاح الشديد ضارا، وتقييد الاستيراد مطلوبا وضروريا، وتدخل الدولة في سعر الصرف تصرفا رشيدا بعد أن كان الجميع يتغنون بالانفتاح بلا حدود وبحرية الاستيراد ولو كان يتعلق باستيراد لحم الطاووس، وبعد التدخل في سعر الصرف، وبحرية تحويل الأموال الى الخارج. وللقصة بداية: خلال الأربعين عاما من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ـ قائدة المعسكر الرأسمالي ـ والاتحاد السوفييتي ـ قائدا للمعسكر الشيوعي. كانت المنافسة بينهما قائمة على كسب مناطق جديدة للنفوذ في بلاد العالم الثالث. وكان للاعلام والدعاية والتأثير في الرأي العام الدور الأبرز في هذه الحرب. وكان لابد لكل من الدولتين العظميين أن تخترع محورا تدور حوله الدعاية، اذ لم يكن من المفيد بالطبع أن تقول أي منهما الحقيقة وهي « أنني أريد كسب مواقع قدم في بلدكم لتحقيق منافع اقتصادية وسياسية لنفسي» كان محور الدعاية الأمريكية: الدفاع عن «العالم الحر والديمقراطية السياسية» وكان محور الدعاية السوفييتية: العدالة الاجتماعية والانتصار للمقهورين في الأرض. وكان من الأدوات التي اكتشفت الولايات المتحدة فعاليتها الشديدة للتأثير في الرأي العام في البلاد العربية والاسلامية سلاح الدين. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا السلاح بنشاط منقطع النظير. فكل عمل وطني يتعارض مع الأهداف الأمريكية كان يوصف بأنه شيوعي، وكل شيوعي كافر وأي دعوة أو فكرة فيها سمة من سمات الدعوة الى بعض العدالة في توزيع الدخل هي اشتراكية، وكل اشتراكية ماركسية، والماركسية دعوة الى الكفر. كان هذا الخلط عملا ظالما للغاية، اذا كان أغلب الوطنيين غير شيوعيين، وأغلبهم مؤمن بالله، وكان هناك اشتراكيون غير ماركسيين. كان من الواضح أيضا أن تسمية العالم الرأسمالي بالعالم الحر فيه مغالطة كبيرة جدا. ففي الوقت نفسه الذي كانت الدعاية الأمريكية تردد فيه هذا الادعاء كان ماكارثي في أمريكا يحاكم أي نشاط معارض للحكومة بتهمة النشاط المعادي للمصلحة القومية الأمريكية ويصفه أيضا بالشيوعية، وكانت وسائل الاعلام الأمريكية تمارس نشاطها المعهود في غسيل مخ الأمريكيين وتفقدهم بالتدريج عادة التفكير الحر والنقد لأي شئ في النظام الرأسمالي وكانت وكالات المخابرات الأمريكية تقيم الانقلاب العسكري في دولة بعد أخرى من دول العالم الثالث، بما في ذلك الاطاحة بحكومات ديمقراطية مئة بالمئة، اذا أتت بأعمال تتعارض مع مصالح الشركات الأمريكية. ويفضح الكاتب د.جلال أمين موقف طائفة من الكتاب والمثقفين المصريين في هذه الفترة قائلا: في كل بلد من البلاد وفي أي عصر من العصور يوجد دائما بين الكتاب والمثقفين من لا تهمهم المبادئ المجردة في قليل أو كثير وانما يهمهم فقط مصالحهم الخاصة المباشرة، والتي تدور في الأساس حول جمع مال أكثر وسلطة أكبر هذه الفئة تبحث دائما عن الجواد الذي يبدو رابحا فتراهن عليه وتعرض عليه خدماتها، وتتكلم بلسانه وتردد شعاراته وقد كان الجواد الرابح في مصر في العقد التالي لانتهاء الحرب العالمية الثانية «45-1955» هو قطعا الجواد الأمريكي، فراهنت عليه هذه الفئة من المثقفين والكتاب المصريين كان هذا ما فعلته مثلا مدرسة أخبار اليوم في الصحافة التي تأسست بمجرد انتهاء الحرب، لهذا الغرض بالذات. تغير الأمر تماما بسقوط الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات وانتهاء الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية، بل وتحول الاتحاد السوفييتي الى صديق أليف للولايات المتحدة، ودخل العالم عصرا جديدا لم يتغير فيه مصدر الخطر الأساسي على مصالح الولايات المتحدة، فهو لايزال يتمثل في نهضة شعوب العالم الثالث واستئثارها بخيراتها وانفرادها بتقرير مصيرها. ولكن شعار « مكافحة الشيوعية » لم يعد الآن ملائما بالمرة، فقد انتهت صلاحيته بسقوط العالم الشيوعي بأسره، واندحار الأيديولوجية الماركسية وأصبح من الواجب صك شعار جديد. وهكذا بزغ نجم « فوكوياما » وعملية الترويج والتمجيد الهائلة التي صاحبت مقاله وكتابه عن «نهاية التاريخ» الذي لايقول في الحقيقة أكثر من أن الرأسمالية هي أحسن النظم في كل زمان ومكان وأعقب ذلك مباشرة الترويج والدعاية لمقالات صمويل هنتنجتون عن صراع الحضارات، التي احتل فيها الصراع بين الغرب والاسلام مكان خاصا. على أن الشعار الذي حظي بأكبر قدر من الترويج والالحاح هو شعار «مكافحة الارهاب » وعلى الأخص الارهاب الأصولي الاسلامي. وكما انضمت طائفة من الكتاب والمثقفين المصريين الى الجواد الرابح أثناء الحرب الباردة للتنديد بالخطر الشيوعي، انضمت الآن طائفة منهم الى الجواد الرابح أيضا بالتنديد بالارهاب الاسلامي. وهكذا تطل علينا العولمة باسم الديمقراطية وحقوق الانسان وباسم الليبرالية الاقتصادية واطلاق حرية السوق، وبدعوى انتهاء عصر الأيديولوجية، كما كان يطل علينا الاستعمار باسم العالم الحر والدفاع عن الدين في مواجهة الالحاد. أمين اسكندر