بيان الكتب: في دراسة نقدية منهجية للباحث محمد عزام صادرة عن اتحاد الكتاب العرب مؤخراً تحت عنوان «النص الغائب» يرى فيها ان النص الغائب هو مصطلح نقدي جديد، ظهر في ظل الاتجاهات النقدية الجديدة، فالادب ينمو في عالم مليء بكلمات الآخرين والنص هو تشكيل لنصوص سابقة ومعاصرة اعيدت صياغتها من جديد حيث ليس هناك حدود بين نص وآخر وانما يأخذ النص من نصوص اخرى ويعطيها في آن. حيث يبدو النص الغائب مكونا رئيسيا للنص الماثل الذي لم ينشأ من لاشيء وانما تغذى جنينيا بدم غيره ورضع حليب امهات عديدات وتداخلت فيه مكونات ادبية وثقافية متنوعة وقد كان من شروط تعلم الشعر عند العرب ان يطلب من الشاعر في مرحلة التلقي ان يحفظ كثيرا من اشعار غيره ثم ينساها في مرحلة العطاء الشعري لتدخل محفوظاته هذه في نسيج عطائه ولكن في شكل جديد بحيث يغذي اللاوعي الوعي. وعلى اعتبار ان النص الجيد قادر دوما على العطاء المستمر لقراءات متعددة فمن هنا يظل النص منفصلا عن القاريء ومتصلا به في آن، كما يظل فاعلا ومنفعلا ومؤثرا ومتأثرا حيث تصبح عملية انتاج النص الماثل عملية تشترك فيها النصوص الغائبة باعتبارها الادوات الاساسية للانتاج مع النص الماثل، باعتبار القاريء هو الاداة الثانية في تفسير النص وتأويله وتظل عملية القراءة هي عملية اخذ وعطاء اخذ من النص وعطاء له من قبل المخزون الادبي والثقافي للقاريء، حيث يتفاعل النصان الغائب والماثل من اجل انتاج نص جديد يشكل في الوقت نفسه تناصا مع مكنونات الثقافة والقاريء. فالمنهج الظاهراتي في النقد الادبي يرى «النص» الادبي مستويات عديدة ففي كتابه «من النص الى العمل» يسعى الناقد والمفكر الظاهراتي بول ريكور الى اقامة نظرية للنص انطلاقا من «الهيرمينوطيقا» النقدية ومثله يفعل الفيلسوف الظاهراتي رموان انجارون فيقول بوجود مستويات عديدة غير متجانسة في النص الادبي هي المستويات الصوتية والدلالية والبنيوية وعلى هذا فإن النص الادبي لا تمكن قراءته الا عبر مجموعة من التحليلات الاسلوبية التي تحلل هذه المستويات جميعا، بالاضفاة الى قراءة بنيوية اخيرة شاملة تعني بابراز العلاقات الماثلة بين هذه المستويات جميعا، اما المنهج الاجتماعي في النقد الادبي فيربط النص الادبي بأرضيته الاجتماعية التي ثبت فيها ويرى النص بنية دلالية تنتجها ذات ضمن بنية نصية منتجة في اطار بنية اوسع اجتماعية وتاريخية وثقافية حيث يستشهد الباحث برؤية فان ديك في كتابيه «بعض مظاهر قواعد النص» و«النص والسياق» والذي يرى ان النص نتاج لفعل ولعملية انتاج من جهة وأساس لأفعال وعمليات تلق واستعمال داخل نظام التواصل من جهة اخرى، فهذه العمليات التواصلية الادبية تقع في عدة سياقات تداولية ومعرفية وسوسية ـ ثقافية وتاريخية تحدد الممارسات النصية وتتحدد بواسطتها وهي تتمفصل بحسب جماعات المشاركين وأدوارهم وقواعد الاستراتيجيات التي تنظم ممارستهم النصية. فهذه النظرية التي يقدمها فان ديك تتجاوز النظريات السكونية التي تقف عندها البويطيقا الى مقاربات دينامية للنص.. وإذا كان النص هو ما يتجاوز الجملة أو هو مجموع البيانات النسقية التي تتضمن الخطاب وتستوعبه فإنه ينطلق من اعتبار اللسانين الجملة أعلى وحدة قابلة للوصف اللساني، ولذا فهو يتناول كل جملة على حدة أو يأخذ متوالية من الجمل منظورا اليها كمركب جملي. ويرى الناقد محمد عزام في دراسته النقدية الجديدة بما ان النقد يسعى بشكل عام الى توضيح معنى الأثر الادبي فإن التحليل النصي تعددي ينكر وجود مدلول نهائي، ذلك ان الأثر الأدبي لا ينغلق ولا يتوقف، ذلك ان الناقد أو القاريء هو نفسه داخل الحديث مهما التزم بالموضوعية ومن هنا فإن النقد يصبح خطابا حول النص وذلك بالدخول في التوالد المجهول المنشأ للتناص. وإذا كان النص يتكون عادة من كلمات وجمل فإن الوقوف عند هذه الوحدات بمستواها اللغوي الصرف لا يكفي في الكشف عن الخواص النوعية المميزة للنص ولابد ان يبدأ التحليل النصي من البنية الكبرى في العمل الادبي وشرح ما في المتواليات النصية من تماسك وانسجام وتكون المتتالية متماسكة دلالياً عندما تقبل كل جملة فيها التأويل والتفسير، فالبنية هي تصور تجريدي من خلق الذهن وليست خاصية للشيء، انها نموذج يقيمه المحلل عقليا ليفهم على ضوئه الشيء المدروس بصورة أوضح وعلى هذا فإن البنية الادبية ليست شيئا حسياً يمكن ادراكه في الظاهر، حتى لو حددنا خصائصها التي تتمثل في عناصرها التركيبية وإنما هو تصور تجريدي يعتمد على الرمز وعمليات التوصيل التي تتعلق بالواقع المباشر، فإذا كان النص عبارة عن تتابع من الجمل تؤطر مجموعة من الاتصالات بين طرفين لتحقيق غرض بلاغي وابلاغي، فإن بنية النص تتأثر بنوعيته ويتم الوصول الى البيانات الكبرى في النص عن طريق قواعد الحذف والاختيار والتعميم والتراكيب، وبما ان النص متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر، فإن تحليل النص ينبغي ان يبدأ بالجملة باعتبارها أصغر وحدة في النص وتحليلها الى بنياتها الأولية من مركبات اسمية أو فعلية. ويتناول الباب الثاني من كتاب «النص الغائب» للناقد والباحث محمد عزام النقائض الشعرية في العصبية القبلية في الشعر الجاهلي والدينية في شعر صدر الاسلام والذاتية في الشعر الأموي. فقد كان الفخر والهجاء في الشعر أشد عليهم من وقع السيوف، ذلك انهم يعتدون بأنفسهم كثيرا، بسبب الحرية الفردية التي تمنحهم اياها الصحراء مترامية الأطراف، حيث يشعر كل منهم بأنه ملك في باديته ومن هنا تضخم الذات الفردية عندهم والاعتداد بالحرية، ولهذا كان الطعن في قيم الذات أوجع عندهم من طعن السهام، كان ظهور الاسلام نهضة عامة تناولت جميع مناحي الحياة الاجتماعية والروحية للناس معا، مما تناولته العصبية القبلية التي كانت رابطة العربي في الجاهلية فأحلت محلها رابطة العقيدة الدينية التي أشاعت التسامح والعفو بدل الجهالة الجاهلية. وعندما تولى الامويون الخلافة في الشام اظهروا فيها تعلقا شديدا بالعروبة وحافظوا على النزعة العربية فرفعوا شأن العرب وقصروا وظائف الدولة عليهم وحدهم من ولاية وقيادة جيوش ومناصب سياسية وقضاء، ولكنهم من جهة ثانية خرجوا على التقاليد الاسلامية حين اتخذوا مسلكا مغايرا لمسلك الخلفاء الراشدين متأثرين في ذلك بتقاليد الروم والفرس، ففضلوا السياسة عن الدين وصار الامر ملكا يهدف الى غرض سياسي عملي، حيث كان خلفاء بني امية ملوكا وأصحاب عرش دنيوي، همهم حفظ الملك وراثيا لابنائهم واخضاع الرعية لسلطانهم وقد كانوا اصحاب دنيا لا دين فاتخذوا اسلوبي الترغيب والترهيب واغدقوا الاموال على الانصار والخصوم، من اجل تثبيت عروشهم وقد حاولوا ضم القبائل اليمنية الى جانبهم، فأصهر معاوية الى بني كلب الحميريين من اليمن، حيث تزوج ميسون بنت بحدل الكلبي أم يزيد ولده. ففي العصر الاموي بعثت العصبية القبلية من جديد فقد نفس الامويون على الهاشميين ظهور الاسلام فيهم ولزموا جانب المعارضة، حيث تم فتح مكة فأسلموا مرغمين ونفست العدنانية على قريش كون الامر فيهم ونفست اليمانية ذلك على العدنانية ونشبت النقائض بين شعراء هذه القبائل وكما كان للعرب في الجاهلية اسواق للتفاخر والتنافر كسوق عكاظ، فقد اصبح لهم في العصر الاموي ايضا اسواق للتفاخر والتنافر كالكناسة قرب الكوفة والمربد قرب البصرة. والواقع ان النقائض بلغت في العصر الاموي عصرها الذهبي في تاريخها الادبي، حيث استعرت النقائض بين فرسانها الثلاثة جرير والفرزدق والاخطل، ثم بين هؤلاء والراعي النميري وذي الرمة وعمرو بن لجأ وغيرهم.. وكان دافعها الاول العصبية القبلية التي اعلوها على الرابطة الدينية بالاضافة الى كثرة الخلافات والاحداث السياسية والاجتماعية: وقعة الجمل، وقعة صفين، مصرع ابن الزبير، مقتل الحسين، خروج المختار الثقفي، طغيان الحجاج، نقل عاصمة الخلافة من الحجاز الى دمشق، فقدان الحجاز لمكانته الدينية، موقعة مرج راهط.. هذا ويتناول الباب الثالث من الكتاب الجديد للناقد محمد عزام موضوع السرقات الشعرية حيث يعتبر هذا الموضوع من اهم الموضوعات التي أولاها نقاد الادب كثيرا من اهتمامهم وعنايتهم، اذ كان من الاهداف النقدية الوقوف على مدى اصالة الاعمال الادبية المنسوبة الى اصحابها ومقدار ما حوت من الجدة او التقليد ومعرفة ما امتاز به الاديب عن الاديب الآخر. حيث كان النقاد يلجأون في نقدهم الى الموازنة بين أديب وأديب فيما اتفق فيه كلاهما أو فيما اختلفا فيه وقد بذلوا في سبيل ذلك الجهود النقدية الجادة حيث أبرز مثال على ذلك موازنة الآمدي بين شعر أبي تمام والبحتري ووساطية القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه. وفي مرحلة تالية عمد النقاد الى بحث ما امتاز به كل اديب من نواحي الجدة والابتكار او التقليد والاتباع فوضعوا الكتب في سرقات المتنبي وابي تمام وابي نواس وهذا كله يحتاج الى اطلاع واسع على التراث الادبي في كافة عصوره ومعرفة ماضيه ليسهل ربط التأخر بالمتقدم وما أخذ فيه الخلف عن السلف وعند ذلك يمكن الحكم عليه بالتقليد أو التجديد. وعن مواقف النقاد تجاه قضية السرقات فيرى الباحث في كتابه الجديد ان العلماء في الشعر انقسموا الى فريقين الاول يناصر الشعر القديم والثاني يناصر الشعر المحدث، وقد طغى هذا الخصام على الحق واصبح النقاد ينظرون الى العصر اكثر مما ينظرون الى الشعر ويغلبون الانطباعية الذاتية على الدقة الموضوعية وقل منهم من نظر الى الشعر ولم ينظر الى الشاعر. وهكذا يمكن تصنيف مواقف النقاد العرب في موقفين، ففريق حافظ على تسميتها «السرقات» ورأى في السرقة غضاضة تحط من قدر الشاعر، كي لا تصبح الامور فوضى ينهب الشاعر ما يشاء من شعر غيره، وبهذا استطاع ان يصون الاعمال الادبية من العبث والسرقة حتى لقد بلغ من حرصهم على الشعر ان يقرنوا كل شعر برواية وكل خبر ادبي بسلسلة طويلة من الرواة كما كانوا يفعلون في توثيق الحديث النبوي الشريف وكان من اثر هذه العناية ان وصفوا الآخذ من شعر غيره بأوصاف قاسية كالسرقة والانتهاب والغصب والاعارة والمسخ. أما الفريق الثاني فقد رأى في «الأخذ» جهدا فنيا مشروعا يضاف الى جهود التجديد والابتكار وقد اعترف بعض الشعراء على أنفسهم بالاخذ ولو كان في ذلك عار ما فعلوا ذلك وأنكروه وكأنهم باعترافهم يجيزون لأنفسهم الأخذ من غيرهم ويعتبرون الاخذ عملا ادبيا مشروعا، وقد اتفق النقاد القدماء على ان السرقة لا تتحقق في المعاني العامة التي هي حق مشترك بين الجميع ولا في المعاني المبتذلة المتداولة بين الشعراء ولا حتى في المعاني الخاصة التي ستصبح عامة لكثرة شيوعها ولا في الألفاظ لانها مباحة للجميع، وانما تكون السرقة في المعنى الخاص المخترع الذي انفرد به صاحبه وعنه اخذ الآخرون. وعن المعارضات الشعرية كان الباب الرابع من كتاب «النص الغائب» للناقد محمد عزام الذي يرى فيه ان المعاصرات الحقيقية بدأت في الشعر الاندلسي عندما شعر الاندلسيون انهم دون المشارقة علما، فاعترفوا بفضل المشرق عليهم وقام الكثير من ادبائهم وشعرائهم بمعارضة الادباء والشعراء المشارقة الذين يعتبرونهم اساتذتهم، محمد بن عبدربه يضع كتابه (العقد الفريد) ليشابه كتاب (عيون الاخبار) لابن قتيبة، والصاحب بن عباد يقول عندما يطلع عليه: هذه بضاعتنا ردت الينا، كما صنفوا شعراءهم تصنيفا يتصل بشعراء المشرق، فقد لقبوا ابن دراج القسطلي بمتنبي الاندلس ومثله ابن هانئ وابن زيدون بحتري الاندلس. ولم تقتصر المعارضات على الشعر فقد تعدته الى النثر فشملت الرسائل والمقامات، كتلك التي ظهرت بين الخوارزمي وبديع الزمان الهمذاني في مجال الرسائل وكما عارض ابن شرف الاندلسي بديع الزمان الهمذاني في مقاماته فعمل مقامة في ذكر الشعر والشعراء وكما عارض الهمذاني اندلسيون كثيرون. اما عصر الدول المتتابعة فيبدأ بسقوط بغداد عام 656هـ وينتهي سنة 1220هـ وهي سنة قيام محمد علي باشا في مصر، وفيه سيطر العنصر التركي وساد المماليك في العالم الاسلامي ويمتاز هذا العصر بظهور الموسوعات الادبية حيث انشغل الشعراء بالمحسنات البديعية في الأساليب لتغطية خواص المضامين الشعرية. ويرى الناقد محمد عزام ان هذا العصر من أغزر عصور الأدب العربي معارضات شعرية، بسبب ضعفه السياسي والحضاري الذي انعكس ضعفاً فنياً، فتوخى فيه الشعراء سابقيهم يعارضونهم ويحاكمونهم، هذا وينهي الناقد كتابه بدراسة اثنين من شعراء العصر الحديث عرفا بمعارضة سابقيهم وهما محمود سامي البارودي واحمد شوقي. فريزة عطية