بيان الكتب: فيما يبحث عدونا الصهيوني عن البنية الفيزيولوجية والسيكولوجية لشخصيتنا العربية وهو يحللها ويدرسها في نتاجنا المعرفي ـ الأدبي والفكري، ليتعرف على نقاط ضعفنا وقوتنا نرانا مقصرين في قراءة شخصيته، شخصية الاسرائيلي الذي يبتلع ويفترس كل شيء. شخصية العربي في المسرح الاسرائيلي كتاب يقرأنا كعدو ـ نحن العدو، لاحظ كيف يحتل ارضك، ويكسر عظامك، ويدفنك حياً، ويعاملك كعدو؟!!. (دان اوريان) مؤلف الكتاب، وكما جاء في المقدمة، باحث اكاديمي يعمل استاذاً في قسم المسرح بجامعة حيفا وكلية اورانيم، وكتابه هو الدراسة الوحيدة التي تركز على المسرح كجنس أدبي بينما تعاملت الابحاث السابقة مع القصة والرواية، والمعروف ان المسرح والمسرحية يتميزان بالحوار الدرامي الذي يمكن المؤلف من طرح القضية ويسمح للآخرين ـ سواء على المسرح او خارجه ـ بالادلاء بدلوهم في هذا الصدد والكاتب يستعرض موقف اليهود في فلسطين من الشخصية العربية بدءاً من العقد الاخير من القرن التاسع عشر حتى العقد الاخير من القرن العشرين، اي من الموجات الاولى للهجرة اليهودية الى فلسطين حتى الانتفاضة الفلسطينية (من عام 1883م الى عام 1994) وذلك من خلال التركيز على تأثير الاحداث العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على التعامل اليهودي مع هذه الشخصية وهذا يعني ان الكتاب يقدم نظرة المجتمع الصهيوني الى الآخر ممثلاً لديه في الشخصية العربية والكاتب اعتمد على اعمال مسرحية ونقدية وتحليلية كانت موجودة في ارشيفات المسارح الكبيرة في اسرائيل مثل مسرح هبيما وهكامري واوهيل، وغيرهم وفي مكتبات بعض الكتاب المسرحيين والمفكرين والمخرجين والفنيين. يقع الكتاب في بابين رئيسيين: الباب الاول (التاريخ) ـ ويعرض فيه 1- ظهور صورة العربي في المسرحية العبرية (1911-1948)، 2- قضية غائبة (1948-1967)، 3- البدايات (1967-1973)، 4- النمط والنمط المضاد (1973-1982)، 5- الاقتراب والتخوف. يقول دان اوريان: كان العربي في الثقافة العبرية الحديثة التي أخذت تتكون في فلسطين قبل عام 1948 مع تحقيق الهدف الصهيوني ـ في بداية القرن العشرين ـ يمثل الآخر، سواء كعدو او كشخصية تحوي عناصر ايجابية جديدة بالتعاطف وقد برز في ثقافة فترة الاستيطان حوار مفاده ان الشخصيات العربية تساهم في رسم ملامح العبريين الجدد، على الرغم من التناقضات بينهم، وكذلك من خلال البحث عن خطوط مشتركة وايضاً بما يخدم الفكر الصهيوني ونجد من الناحية التاريخية خلال الفترة المذكورة بدايتين: بداية تبلور ثقافة عبرية أصيلة في فلسطين وبداية المواجهة بين الشعبين اللذين يتصارعان على تلك الارض، كتبت المسرحيات التي تعالج الموضوع والتي طبعت في فترة الاستيطان عادة من قبل ادباء مسرحيين يتمتعون برؤية اشتراكية او ليبرالية، وكانوا يتطلعون الى السلام وعلى الرغم من ذلك نجد في هذه النصوص تلميحاً شبه خفي يسلم بحدوث مواجهات وتوترات جوهرية بين اليهود والعرب ويظهر الصراع بشكل خاص في محاولة الطلائعيين اليهود الذين وصلوا الى فلسطين الحصول على أماكن عمل، وكانت هذه المحاولة تعني ايضاً ابعاد العرب عن اماكن عملهم، وينطبق الامر نفسه على النزاع والصراع على الارض، الذي اصبح موضوعاً رئيسياً في المسرحية بدءاً من الثلاثينيات فصاعداً. اثرت هذه المواجهة السياسية، التي تمثلت بدايتها في عملية تبلور الثقافة العبرية الجديدة على المسرحية فتحول العرب والمسألة العربية الى عناصر علنية وخفية في الوقت ذاته داخل هذه الثقافة، ففي السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن واصل الكتاب المسرحيون الاسرائيليون العودة الى فترة بداية النزاع بهدف محاولة فهم جذور هذا النزاع والاخطاء التي حدثت على امتداده والتي تجعل من الصعب حله. ويمكن ان نجد التوتر بين الشد والجذب الذي اثاره العربي كنموذج قابل للمحاكاة في المسرحية الاولى التي ظهر فيها موضوع العربي وهي مسرحية «ليلة في الكرم» (ليلا بكيريم) للكاتب ديفيد شمعوني والصادرة عام 1911 حيث يسخر المؤلف في هذه المسرحية من التوجه الذي يتبنى الثقافة العربية كمصدر للتأثير على الثقافة العبرية وقد تميز حضور العرب في المسرحيات التالية كأفراد وجماعات بعدة سمات هي: العنف والكذب والخداع والتذلل وعكست هذه المسرحيات انماطاً كانت ـ كما يشير بحث انتينا شابيرا ـ موجودة في التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين حتى نهاية القرن التاسع عشر ويقدم العرب كقساة وعدوانيين تجاه ابناء شعبهم ويشكلون خطراً محدقاً باليهود. في مسرحية «سيصلون غداً» (هم ياجيعوماحار) للكاتب ناتان شاحام الصادرة عام 1950 والتي يعتبرها (يسرائيل جور) احدى المسرحيات التي افتتحت فترة جديدة في المسرح الاسرائيلي، فكانت اشارة الى ارتفاع مستوى الكتابة المسرحية، نجد في هذه المسرحية أسيرين احدهما عربي عجوز ـ العجوز أهبل، والشاب بغل ( المسرحية ص39) ويقدم العرب مثلما كانوا يقدمون في مسرحيات الاستيطان، كأنماط مثل متخلف نبيل أو مخلوق حقير، ويظهر هذا جنباً الى جنب ذاك، ويعدو كل منهما بجوار الآخر تجسيداً مسرحياً لصورة العربي لدى اليهود خلال هذه السنوات. وكان للشاب الذي لم يظهر على خشبة المسرح وجه وسيم رجولي (المسرحية ص40) حتى العجوز منظره قذر، وعيناه عمشتان (المسرحية ص42) اراد شاحام ان يقدم للمشاهدين الجانب الحقير في صورة العربي لكن بعد حرب 1967 فلقد تغيرت ـ هكذا يرى دان اوريان ـ علاقة المؤسسة الاسرائيلية بالعرب سكان اسرائيل، فقد تبلور لدى واضعي السياسة رأي مفاده ان عرب اسرائيل يفضلون وضعهم في دولة اسرائيل بسبب تفوقهم الاقتصادي! ومستوى معيشتهم!! الذي كان مرتفعا بالمقارنة بمستوى المعيشة لعرب الاراضي المحتلة. وعزز الانتصار في الحرب الاحساس بالثقة لدى الغالبية من اليهود والعرب وشجع الاستعداد نحو سياسة ليبرالية كتلك التي تستهدف التعايش بين اليهود والعرب وقدمت مسرحيات عديدة قوبلت بالمعارضة والمنع منها مسرحية: «ملكة الحمام.. ملكات ها أمباتيا» للكاتب حانوخ لفين والتي عرضت عام 1970، ومسرحية «مدينة واحدة ـ عير أحات» للكاتب ايلان رونين ومايكل البرديس التي عرضت عام 1973 والتي اعترضت الرقابة عليها بعد تقديم عدة عروض، فأسقطت منها بعض الاجزاء التي قدمت الصورة السلبية للعربي لدى اليهود. ثم قدمت مسرحية «التعايش» على مسرح حيفا عام 1970 وهي لكاتب عربي «محمد وتد» اخرجتها نولا تشلتون وحقق عرضها نجاحا كبيرا لدى الجمهور، ويشير العنوان الى هدف المصالحة من جانب «وتد وتشلتون» والتعايش كان بمثابة سياسة حكومة اسرائيل تجاه عرب اسرائيل منذ عام 1964 حيث تطلعت الحكومة الى تطوير الحياة الجماعية والحد من احساس الاقلية العربية في اسرائيل بالاغتراب. ويعتبر مؤلف الكتاب «دان اوريان» ان مسرحية التعايش قدمت شخصية العربية العربي دفاعيا في مجمله، فقد شكل كشخصية منكوبة لا تمثل أي تهديد، بينما مسرحية مثل مسرحية «ملكة الحمام ـ ملكات ها امباتيا» لحانوخ لفين التي اخرجها ديفيد ليفين على مسرح الكامري فلقد أثارت نقدا وجدلا كبيرين، فقد عبر من خلالها على ما يبدو عن المخاوف من تفنيد الاجماع اليهودي الصهيوني على المسألة العربية على الملأ وفي مكان مقدس بمفاهيم الثقافة الاسرائيلية، وهو المسرح كمؤسسة جماهيرية، كان «موشيه دايان» الذي كان يشغل في تلك الاثناء منصب وزير الدفاع من بين منتقدي المسرحية، فقد كان يرى ان العرض يعكس انفصال مؤلفيه عن الواقع، وان هذا العرض يشجع توجهات سلبية ويصور دولة اسرائيل على انها بالوعة صرف صحي كبيرة تنبعث منها رائحة كريهة يحاولون فيها قمع العرب. كشفت مسرحية لفين الساخرة في تهكم عما تبقى من الزهو القومي للاسرائيليين وتجاهلهم للآخر العربي. ومن هذه الزاوية يجد لفين النقيض الموضوعي لأحلام محمد وتد: فاستغلال العرب واحتقارهم حسب رؤيته، وجه آخر من القومية الشوفينية المتعصبة، وينبع الحكم عليها بذلك من خلال علاقات المحتقر بالمحتقر كحالة وجودية للسلوك الانساني الذي ليس له من سبيل لاصلاحه. الباب الثاني «الرؤى» ويعرض فيه: 1ـ قصة الحب كاستعارة. 2ـ المواجهة بين الثقافتين. 3ـ من منافس الى مستغل. 4ـ النزاع على الأرض. 5ـ أحداث النازي والمسألة الفلسطينية.. إذ يرى دان أوريان ان الكاتب المسرحي الاسرائيلي يسمح في نصوصه التي يكتبها باقتراب عاطفي بين عربي ويهودي، أو بين يهودي وعربية، حينما يصبح الزوجان على هامش المجتمع الاسرائيلي. فالعلاقات العاطفية على سبيل المثال لا ينظر اليها على انها شاذة حينما يدخل اليهودي الشاذ جنسيا في علاقة ما مع عربي شاذ جنسيا (مثلما في مسرحية «مزمورا داود.. مزمور لديفيد» للكاتب تاميد جرينبرج والتي عرضت عام 1986، أو علاقة بين داعرة يهودية وعربي مثلما في مسرحية «داعرة صهيونية ـ زوناتسيونيت» وهي اعداد مسرحي قام به حجيت يا عري عن مسرحية للكاتب جان بول سارتر والتي عرضت عام 1987. وعن المواجهة بين الثقافتين يرى «أوريان» ان بناء مصير العربي مزدوج الثقافة يظهر في مسرحية نعيم: يبدو في البداية مقرباً وبعد ذلك مبعداً، ويظهر هذا البناء ايضا في مسرحيات أخرى. ففي مسرحية «العودة» للكاتبة مريام كيني، ومسرحية «مستأجر من الباطن» للكاتب رجب عوادة ومسرحية «اليوم السابع» للكاتب دان ايلان والتي عرضت عام 1980، تظهر ثلاث شخصيات عربية حاولت دون نجاح الاندماج في المجتمع الاسرائيلي، ثم يخلص المؤلف دان اوريان الى ان اللقاء القسري الذي جمع بين الثقافتين ـ العبرية والعربية الفلسطينية عند الكتاب المسرحيين لدى الأغلبية اليهودية قد أوجد محور التقارب والرفض، ومن أبرز مظاهر هذا المحور دائما ظهور الموضوع في المسرحية الساخرة. فالكاتب المسرحي الاسرائيلي اليهودي «أ.ب يهوشوع» ومريام كيني وسامي ميخائيل ويوسيف موندي وآخرون، لا يؤمن ولا يرغب في الانصهار الثقافي، ولا يريد بالقطع ذوبان العربي في ثقافة الأغلبية اليهودية. احيانا يبدو اننا نعترض على الاقتراب منهم خوفا من التعرقل بهم. ثم يستطرد: لقد دخل العربي الى المسرح عام 1970 فقط ولكن من المدخل الخلفي في عمل ساخر هو «ملكة الحمام» ـ ملكات ها امباتيا للكاتب حانوخ لفين. ونجد العربي في المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد «سمتوخا» نادلا يغسل الاواني في مقهى اسرائيلي. فهو ذكي ومطيع ولا يضر باليهود. فهو يعرف كيف يقف على يديه مثلنا بالضبط (المسرحية ص80) ويعرف اليهود ان «سمتوخا» لا يزرع القنابل وليس فدائيا، وسعداء كذلك لأنهم ليسوا اناسا همجيين لا يفرقون بين العربي الذي يزرع القنابل وبين العربي الذي لا يزرعها وفي النهاية يطلق سراحه. لذا فإن سمتوخا يجب ان يعود الى المطبخ ليغسل الاواني. إن الارتباط بالعربي نتيجة استعداده للقيام بأعمال دنيا هو الذي ينقذ سمتوخا من أشكال الاساءة اليه: لا تلحقوا به أي ضرر، فمازال هناك الكثير من الفناجين المتسخة في المطبخ (المسرحية ص81) أليست مرعبة صورة العربي هذه في المسرح الاسرائيلي؟! يتابع أوريان: وتظهر شخصية العربي في ستين مسرحية من المسرحيات التي عرضت على المسرح الاسرائيلي خلال الفترة من 1980 ـ 1987. ونجد المسرحية تفرد اهتماما خاصا للمسألة العربية، ففي نصف عدد هذه المسرحيات يعرض الفلسطيني كمستغل ومهان من الناحية الاجتماعية والاقتصادية. لكن أوريان لا يتردد في اعلان موقفه إذ يقول: ويتحفظ المسرح الاسرائيلي بشكل خاص في العقد الأخير مما يعتبر «ثقافة الخوف» التي تبرر رؤية استخدام القوة، وخاصة مع العرب. ففي المسرحية الساخرة «هيا ريمونا» للكاتب ايلان حاتور وايلان شاينفيلد والتي عرضت عام 1992، يكتب احد التلاميذ بايجاز في الكراسة التي يكتب بها واجبه المدرسي عن موضوع «الاشياء التي تخيفني»: «أنا لا أخاف شيئا. فينهره المدرس: لا تخاف؟! عرب كثيرون ملثمو الوجوه والسكاكين في أيديهم، ألا يخيفك هذا؟! وكل العرب الذي يريدون قتلنا، نعم قتلنا «وهتلر والنازيون وعرفات» هذا الحقير الوضيع لا يخيفك؟ قل لي هل أنت يهودي بشكل عام؟ شخصية العربي في المسرح الاسرائيلي بدت شخصية حاقدة، شخصية معتدية عدوانية كما صورها الكتّاب المسرحيون الاسرائيليون «ترى ماذا فعلنا بالمقابل؟.. مسرحيونا العرب ماذا فعلوا؟!» أنور محمد