بيان الكتب: ان تقتني رواية الاسباني مانويل ريجاس، في طبعتها العربية، حتى تهديك دار نينوي بدمشق قلماً خشبياً كمثل عنوان الرواية «قلم النجار» بترجمة صالح علماني. فيما انت تقلب الرواية قبل قراءتها، ستفكر عما اذا كان مانويل ريجاس سيضيف شيئاً الى سلسلة الاعمال الادبية التي تناولت حرباً اهلية اسبانية منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية بقليل، او ستتخيل اندلاعها اليوم، ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وكيف سيتغير الاصطفاف الدولي ـ الغربي خصوصاً حيالها، وربما.. بإضافة «الجمهوريين» الى قائمة المنظمات الارهابية! الرواية من وجهة نظر «مخبر»! تلك هي اللعبة التي يتوخاها مانويل ريجاس، بحيث يختبيء الروائي خلف الراوي «هيربال» الذي تطوع كمخبر في كتائب الموت التابعة للجنرال «فرانكو» بعد طفولة مضطربة، وعلى احدى اذنيه يستقر قلم خشبي: «انه قلم، قلم نجار، انه تذكار من شخص قتلته» وقد كان هذا القلم لنجار «جمهوري» اهداه لصديقه النقابي«الجمهوري» الذي وقبل اعدامه اهداه لرسام في المعتقل ثم آل الى هيربال الذي اوصلت تقاريره الرسام الى «كتائب الموت»! ثمة.. علاقات غير اعتيادية تنشأ بين هيربال «المخبر» وبين الذين يراقبهم ناقلاً نشاطاتهم الجمهورية المعادية الى كتائب فرانكو، ومنها علاقة هيربال بالرسام.. ففي المعتقل، وقبل اسابيع من اعدام الرسام، يرى هيربال لوحات تتشكل في الغيوم، وعند الغروب، بحسب وصف الرسام لها، وهو شيء لم يكن يأبه له هيربال، او يستطيعه، ويكتشف كيف يمكن لعين الفنان ان ترى ايضاً ما وراء اللوحات المنقوشة على بوابة الكاتدرائية، وان تعيد قراءتها على نحو لا يستطيع الكهنة انفسهم ان يفعلوه. ربما.. كان الرسام يأمل ـ قبل اعدامه المحتوم ـ ان يرقى بتلك الروح الاسبانية الكامنة التي لدى «هيربال» وغيره من الاسبان العاديين، ليستطيعوا قراءة الاشياء بأنفسهم.. وليس كما يلقنها لهم الكهنة والجنرالات وكتائب الموت! في اللحظة التي تسبق الاعدام، يمنح الرسام قلم النجار لهيربال، على امل ان يستثمره في شيء غير كتابة التقارير، واذ.. يضع هيربال القلم فوق احدى اذنيه، التي يسمع بها نقاشات الجمهوريين في المعتقل، يسأله الرقيب عن القلم، فيجيبه هيربال: انه تذكار من شخص قتلته بينما يضحك الرقيب بمليء شدقيه: يالها من غنيمة حرب هائلة! عاطفة.. لن يتسع لها جسدك الضئيل الشخصية الاشكالية التي يكلف هيربال بمراقبتها، هي شخصية الدكتور داباركا، المنضوي تحت لواء «الجبهة الشعبية» وأحد قادتها، شخصية اجتماعية ذات سحر خاص يجذب اليه الجميع وفي مقدمتهم النساء، ثم ستنشأ بينه وبين ماريا ماللو قصة حب، لن يعوقها الانتماء الطبقي الارستقراطي لعائلتها، ولا كل الاحداث الداميات، حتى المعتقل.. حيث يتم انتقال الدكتور داباركا بين اكثرها سوءاً. واذ تمضي الرواية، التي تأخذ شكل تحقيق صحفي يجريه احدهم لصحيفته، يشير الدكتور داباركا الذي نجا من المعتقل ومن فرق الاعتقال، بتأثير قصة حبه تلك، التي تعاطف معها حتى اعداؤه متواطئين بصمت على هروبه المرسوم، يشير للصحفي ان يذهب للقاء «هيربال» لاستقصاء القصة من خلاله، هكذا يصير مجرد تحقيق صحفي رواية يكتبها المخبر هيربال بقلم النجار.. شفاهاً. يكن هيربال للدكتور دارباكا عداء لا يعرف له سبباً، ويتطوع من تلقاء نفسه لمراقبته، ولإيصال تقارير عنه لكتائب الموت الفاشية، الى جانب العداء المستديم بين شخص من قاع المجتمع الاسباني كهيربال وبين طبيب وثوري، يخلط بين العلم والحلم بلغة شاعرية وسلوك ساخر، حتى ليبدو شخصية سريالية، سينمو انجذاب خاص، لا يدري هيربال لماذا يدفعه للتطوع حارساً في المعتقل الذي سيؤول اليه الدكتور داباركا، والى كل مكان ينتقل اليه.. من هذا التضاد المزدوج سنتعرف سيرورة الاحداث، وسيغدو هيربال راوياً بامتياز لكل التفاصيل حتى اذا انتهى من آخر تفصيل، عادت اليه احتباسات انفاسه المزمنة وكوابيسه، واذ يخرج من ماضيه الى الهواء النقي يشحب، تتقلص رئتاه وحدقتا عينيه، ويتوقف قلبه عن النبض فتتوقف الرواية عن كونها سرداً يؤول الى نص صار بحوزة قارئه، بحيث لا يبقى بعد انتهاء الصفحات سوى قلم النجار.. الذي قد وزعته دار النشر لقرائها. نجم الدين سمان