بيان الكتب: لم تعد خافية على أحد النزعة الصهيونية العنصرية المتعالية والمعادية لكل البشر والديانات الأخرى، ولم تعد بحاجة إلى إثبات محاولات الصهاينة، الدؤوبة لطمس ومصادرة التراث الروحي والتاريخي في المشرق العربي، بهدف تسويغ مشروع احتلال فلسطين وفرض الوصاية على المنطقة العربية والعالم ككل، فالممارسات اليومية للكيان الصهيوني تؤكد ذلك دون لبس، والدراسات الحديثة المحايدة تثبت أن جذور النزعة العدوانية اتجاه الآخر هي جزء من التراث الديني اليهودي، وضمن هذا السياق يأتي المؤلف الخامس والجديد للدكتور زياد منى الذي صدر لتوه عن دار قدمس بدمشق تحت عنوان «تلفيق صورة الآخر في التلمود ـ يسوع المسيح والعرب والأميين» حيث يحاول الباحث إطلاع القارئ العربي على جانب من جوانب تراث اليهودية لا يعرفه إلا قلة من المتخصصين، يتعلق بموقف المدونات اليهودية - تحديدا التلمود - من المسيح وأتباعه والأقوام الأخرى التي سكنت المنطقة العربية، ولكي يوضح ذلك يعود إلى الكتاب المقدس بعهديه الجديد والقديم تحديدا التوراة بأسفاره الخمسة الأولى والمشنا وهي الشريعة التقليدية لليهود والتلمود وهو توضيحات وشروح عن المشنا كتبت في القرون الميلادية الأربعة من قبل أحبار اليهود وحاخاماتهم، ويبدأ المؤلف بتقديم للباحث اللبناني نقولا زيادة، تتبعه خمسة فصول هي المسيح: دلالات اللقب وخلفياته ومرجعياته في النصوص الدينية، التلمود واليهودية: الجذور والبيئة العقدية والولادة، تلفيقات التلمود عن يسوع المسيح ومريم العذراء، موقف التلمود من المسيحيين والأميين، العرب في التلمود. في الفصل الأول يقوم الباحث بالتعريف بكلمة المسيح من حيث دلالتها اللغوية والتطورات التي طرأت في إطار مفهومها الديني، مستعينا بلسان العرب ونصوص العهدين القديم والجديد مقتطفا بعض المقاطع التوضيحية من المزامير وأسفار إشعيا، حزقيال، حجاي وزكريا، ميخا، وفي رصد الدلالة اللغوية يعدد الكاتب أكثر من عشرين معنى في باب المسيح، منها مثلا القول الحسن، المسح بالزيت، الرجل كثير الجماع والوضوء ويقول أن أصل الكلمة آرامي، وفي البداية كان المسح بالزيت يتم لأغراض تجميلية واستطبابية، لكن مع الزمن أخذ المعنى يتخذ مفهوما قدسيا، إذ بات المسح بالزيت يخص الأنبياء ويقوم به الكهنة، وبات المسيح يعني حاكم بني اسرائيل الذي يتمتع بعناية إله التوراة ودعمه، ثم أخذت هذه المفردة تكتسب معنى خلاصيا كرسه العهد الجديد بقدوم المسيح المخلص. أما الفصل الثاني فهو يرصد نشأة اليهودية والتلمود والبيئة العقدية التي صاحبت تلك النشأة، وفي بداية هذا الفصل يشير الباحث إلى أن أصل كلمة تلمود كنعاني «لمد» ويعني علم وهناك من أهل الاختصاص من يعيد هذه المفردة إلى أصول آشورية «لمدو» وتعني تلميذ، وينفي الباحث الاعتقاد القائل بقدم الديانة اليهودية التي تعود جذورها إلى إبراهيم ويعقوب وموسى، وأن الكتاب المقدس بعهده القديم يعود إلى تلك الفترة مما يعطي للديانة اليهودية مرجعية دينية بالنسبة للديانات السماوية الأخرى، حيث يؤكد أن اليهودية تشكلت بصورة مستقلة بعيد تدمير هيكل حرد العربي في القدس عام 70 للميلاد، وقد تشكلت على يد مجموعة من رجال الدين اليهويين ذوي الاتجاه الفريسي، الذين عكفوا على تسجيل توجيهات دينية شفهية المنشأ عرفت باسم جامع هو المشنا أو السنة كما يفسر الدكتور منى، ثم نشأت جماعة من التلاميذ عرفوا بالفقهاء درسوا المشنا وأضافوا تأويلاتهم وتفسيراتهم وتعليقاتهم ووضعوها في كتاب هو التلمود، وفي القرن السادس للميلاد ظهرت مجموعة جديدة من اللاهوتيين اليهود عرفوا بالمتأملين وضعوا الصيغة النهائية للتلمود، ويطلق العلماء على تعاليم التلمود مصطلحات مختلفة منها يهودية ما بعد السبي أو اليهودية الربانية ـ الحاخامية ولكي يثبت المؤلف صحة مقولته قام برصد البيئة العقيدية التي كانت سائدة في المنطقة، واستنتج أنه لم يكن في فلسطين عشية القرن الأول للميلاد وخلاله وبعده عقيدة كتابية واحدة فالطوائف والملل الكثيرة التي عددها كانت تمتلك أسفارا كثيرة تجاوزت المئة، لكن لم يتم الاعتراف بها من قبل أي من الاتجاهات اليهودية أو المسيحية في العهدين القديم والجديد وتعرف هذه الأسفار في الخطاب الكتابي بالأبوكريفا، وهكذا يرى المؤلف وجوب إطلاق اسم جامع لكل الديانات التي عاشت في المنطقة آنذاك، هو اليهوية نسبة إلى الإله يهوه، الذي عرف التعبد له منذ الألف الثاني قبل الميلاد في بلاد الشام، ثم يشير للتأكيد إلى أن التوراة لا تحدد اسما للتعاليم التي تدعو إليها كما وردت في سفر التثنية، كما أنها لا تحوي مصطلح دين ولا يرد مصطلح يهودي ـ يهوذي إلا في محل الإشارة إلى انتماء قبلي أو إقليمي نسبة إلى يهوذا. في الفصول التي تتعلق بعلاقة التلمود بالمسيح ومريم العذراء والعلاقة مع الآخر بشكل عام، يؤكد الباحث بداية أن العهد الجديد نشأ من قلب العهد القديم وأن فكرة المسيح المخلص هي فكرة توراتية بالأصل وعليه يجب أن يلقى شخص المسيح المنتظر دعما تاما من النصوص التوراتية، ثم يوغل في التلمود ويستخرج منه أبشع الصفات والنعوت التي ألحقت بالمسيح ومريم العذراء فهي الخائنة الزانية التي حملت خارج المؤسسة الزوجية، وهو ابن الزانية الساحر الذي خدع البشر بألاعيبه ولذلك فقد استحق الصلب، ويتساءل الدكتور منى بعد سرد طويل لنصوص تلمودية عن مغزى وضع هذه النصوص لاسيما أنها كتابات غير متماسكة لا من ناحية الأسماء ولا الأحداث ولا التتابع الزمني، فقد كتبت في القرن السادس الميلادي، ويجيب عن سؤاله أن الحاخامات الذين كتبوا هذه النصوص لم يكونوا يمتلكون إلا ذاكرة باهتة عن المسيح وزمنه، ولم يكن غرضهم تأريخي، وإنما معارضة عقيدية وفقهية تستهدف تشويه صورة المسيح وأتباعه في مرحلة صعود المسيحية وتراجع اليهودية وباقي الاتجاهات اليهوية، وثمة الكثير من البحاثة اليهود اليوم يحاولون التنصل من هذه النصوص المخجلة، ويرون أن المقصود بها شخصيات إما وهمية أو تاريخية لا تمت بصلة للمسيح، درءا لأية إحراجات مع العالم الغربي المسيحي الذي يدعم أنشطة الحركة الصهيونية في كل العالم ويؤيد دولتها على أرض فلسطين، وما ينطبق على علاقة التلمود بالمسيح ينطبق على علاقته بمن هم ليسوا يهودا، بغض النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم الدينية والمذهبية، حيث يقلب الباحث جميع الشرائع التي وردت في التلمود بهذا الخصوص، وتشير جميع الشواهد والاقتباسات التي أوردها إلى علاقة عدائية ابتعادية تتسم بالكره والانغلاق على الذات والاستعلاء، وتبيح جميع وسائل اضطهاد الآخر وتحقيره وقتله. تهامة الجندي