في شوارع كابول يمضي الجنود الأتراك في دورياتهم إلى جانب الجنود البريطانيين، وهم يضعون شعار النجمة الخماسية والهلال على أكتافهم فيما يرتدون بزات العسكرية الخاصة بحلف الناتو. وفي أنقرة يأخذ الضباط الأتراك دروسا في السياسات الأفغانية، الداخلية قبل أن يتسلموا قيادة القوة الدولية في أفغانستان هذا الصيف. وفي غضون ذلك يقوم الفنيون في قاعدة انجيرلك الجوية جنوب تركيا بصيانة وتحديث الرادارات لتكون جاهزة اذا ما أرادت أمريكا استخدامها في ضرب العراق. بهدوء ودون دعاية صاخبة يظهر الأتراك أنهم على الساحة الدولية قد أصبحوا عضوا كاملا داخل العالم الغربي. والدول الغربية تنظر لهذا التحول في تركيا على انه شيء دائم ومحسوم. فهل هو كذلك حقا؟ فمستقبل تركيا أوروبية ليس مضمونا بعد. إذ لو وافق الاتحاد الأوروبي قريبا كما هو متوقع على قبول الجزء اليوناني من قبرص في عضويته، فإن على أنقرة بالتأكيد اعادة النظر فيمن هو الصديق ومن هو العدو. خصوصا وان الطلب التركي في الانضمام للاتحاد مازال يواجه التجاهل. ويردد الكثير من النقاد القول بأن تركيا قد تصل الى حد أزمة الهوية. وهذا ما عبر عنه رئيس مجلس الأمن القومي التركي الجنرال تانسو كيلينش حينما قال: «لم تحصل تركيا أبدا على دعم أو فهم من جانب الاتحاد الأوروبي. إن تركيا بحاجة للبحث عن حلفاء وأصدقاء جدد. ويجب أن يتوسع بحثنا عن هؤلاء الأصدقاء ليشمل روسيا وإيران«. منذ أيام مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية والبلاد تعيش حلما جميلا مفاده ان تركيا عاجلا أو آجلا ستصبح جزءا من أوروبا، بشكل يكمل الرحلة تجاه الغرب التي كانت قد بدأتها قبل حوالي 2000 عام قبائل الأتراك الآسيوية البدوية. لكن الآن ومع اقترابهم أكثر من أوروبا أعاد الكثير من الأتراك النظر في هذا الحلم من جديد. فهؤلاء يعتقدون انهم سيكونون أفضل حالا إذا انضموا للاتحاد الأوروبي، لكنهم لا يحبون فكرة فرض الاملاءات الأوروبية عليهم حتى يحصلوا على الرضى والقبول، هذا ان كانت أوروبا ستقبلهم حتى لو نفذوا كل املاءاتها. وما يغضب هؤلاء ان أوروبا تبدو غير مكترثة أبدا للبرودة الآخذة بالتزايد في العلاقات بين أوروبا والأتراك. فأوروبا تعتقد ان الأتراك شأن غيرهم ممن سبقوها سيتحملون التجاهل بصبر وينتظرون بكل أدب إلى حين منحهم بطاقة الدخول مهما كانت التغييرات السياسية والاجتماعية المطلوبة منهم. لكن هل هذا الزعم دقيق فعلا؟ لقد كانت تركيا تستعد لتصبح أوروبية منذ سقوط الخلافة العثمانية. وقد أعلنها أتاتورك صريحة بعد الحرب العالمية الأولى عندما قال: «هناك أمم كثيرة، لكن ليس هناك سوى مدنية واحدة». وبسلوك دكتاتوري فردي أخذ يجر تركيا جرا نحو الغرب. لكنه بدأ بالقشور فأصدر مرسوما يحظر فيه لبس الطربوش ويطالب الأتراك باعتمار القبعات الاوروبية. ثم أنهى استخدام الحروف العربية وأدخل بدلا منها الحروف اللاتينية وحارب الحجاب وغير عاصمة تركيا من اسطنبول الى أنقرة التي بناها وفق نموذج المدينة الاوروبية، بل انه سجن كل من رفض ان يكون «تقدميا» و«متنورا» حسب تعريفه للكلمتين. المطالب الأوروبية القاسية قبل السماح لتركيا بالانضمام اليها والتي تتجاوز مجرد تغيير الجلد وتصل حتى النخاع جعلت الأتراك على نحو متزايد يطرحون على أنفسهم سؤالا منطقيا: قد نريد الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن هل نحن مستعدون لنسمح لبروكسل بأن ترسم كما تريد شخصية «دولتنا» نحن؟ لقد أظهر استطلاع للرأي أجري مؤخرا ان 74% من الاتراك يفضلون الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن لو سألت أياً منهم عن الخطوات المطلوبة منهم حتى الوصول الى بروكسل لتغيرت الصورة. يقول البروفيسور ارول مانيسالي المحاضر في الاقتصاد بجامعة اسطنبول: «معظم الناس يحبون السفر الى القمر. لكن هذا لا يعني ان هذه الرغبة واقعية. لقد كان الأتراك طويلا أكثر عمى من أن يروا المضامين الحقيقية للانضمام لأوروبا. والآن فقط بدأوا يرون ما تعنيه أوروبيتهم. دول الاتحاد الأوروبي تريدنا ان نكون مثلهم. لكن تركيا ليست أوروبا ولا هي آسيا، بل كانت دوما شيئا بين الاثنين». وفي المقابل فإن الأوروبيين أيضا أخذوا يسألون أنفسهم أسئلة بحاجة لإجابة واضحة: هل يريدون فعلا ان تصبح تركيا شريكا لهم. إن قبول الاتحاد الاوروبي عضوية المرشحين العشرة الآخرين للعضوية التي تشاركها في الثقافة دفعة واحدة هو شيء وقبول تركيا شيء آخر. إذ ان قبول تركيا سيمثل تحديا ثقافيا جوهريا. هذا التحدي الذي عبر عنه المستشار الالماني السابق هلموت كول بالقول ان الاتحاد الاوروبي هو «مشروع لبناء مدنية»، فيما يخشى الكثيرون من الاتراك ان يكون في حقيقته مثلما وصفه احد اعضاء برلمانهم «ناديا مسيحيا». إن تركيا في غضون 15 عاما ستصبح ذات تعداد سكاني يزيد على سكان ألمانيا الموحدة الامر الذي سيجعلها أكبر عضو في الاتحاد حال قبولها، وبالتالي صاحبة أكبر عدد من الأصوات داخل المفوضية الاوروبية. كما ان ذلك يعني ان حدود الاتحاد الاوروبي ستصل حتى ايران والعراق، ان حدوده ستصبح رسميا أكثر بعدا نحو الشرق حتى من بغداد عاصمة أعظم الامبراطوريات التي عرفها تاريخ الشرق والغرب. هذه المعارضة لدخول تركيا ستطفو على السطح الصيف المقبل حينما يتعين على بروكسل ان تقرر ما اذا كانت ستقبل قبرص اليونانية في ناديها. إن تركيا تعيش مرحلة خيارات صعبة. فالرهانات الجيوسياسية ضخمة. وعلى سبيل المثال كان العراق وليس دولة أوروبية هو الشريك التجاري الأكبر لتركيا. ربما تحاول تركيا أن تنظر ثقافيا نحو الغرب. لكن مصلحتها السياسية والاقتصادية هي أكبر في الشرق والشمال مما هي في الغرب. الشرق هو مصدر الطاقة لتركيا وخصوصا بعد مشاريع النفط في قزوين. كما ان الأتراك عملوا على بناء روابط ثقافية واقتصادية قوية مع أقاربهم في القومية وهي دول وسط آسيا التي أصبحت تشهد الآن انتشارا واسعا للمحلات والفنادق والجامعات التركية. حتى أمريكا تجد نفسها أمام خيارات صعبة. فمع أنها تدعم محاولة تركيا دخول الاتحاد الاوروبي، إلا انها لم تفعل شيئا يذكر للتخفيف من حدة الازمة الاقتصادية التركية كرفع حصص الصادرات التركية لأسواقها. وفيما تقيّم تركيا عاليا تحالفها مع واشنطن إلا انها لم تحصل على الثمن الكافي لهذا التحالف. بل على العكس، إذ يقدر الخبراء الخسائر التركية التجارية مع العراق منذ حرب الخليج بحوالي 50 مليار دولار. وفي العام الماضي مثلا رفضت أمريكا صفقة بقيمة 700 مليون دولار لتطوير دبابات تركيا لأنها لا تثق بالأتراك وبأنهم سيحافظون على هذه الأسرار التقنية. وأخيرا اتفقت تركيا مع روسيا على اجراء مناورات عسكرية مشتركة وهي التي تعتبر قاعدة توثيق العلاقات السياسية. جلال الخليل