يعرف عن علم حركة الأجرام السماوية دقتها وموثوقيتها وثبات قواعدها. ومنذ ان وضع نيوتن مسودة قوانين الجاذبية والميكانيك، لا يزال العلماء يستخدمونها للتنبؤ بحالات الكسوف والخسوف ولاكتشاف كواكب جديدة على أساس اضطرابات ضئيلة جدا في الجاذبية، ولارسال مركبات الفضاء إلى أطراف المجموعة الشمسية. الأمر محسوب بدقة بالغة، لدرجة اننا نعرف الآن أين ستكون الكواكب وأقمارها بعد آلاف السنين. لكن قمرين صغيرين جدا تابعين لكوكب زحل يبدوان مصممين على ان يكونا تلميذين مشاغبين في الصف السماوي. فما بين عامي 1981 و1995، غير هذان القمران سرعتهما، وهو أمر ينطوي ظاهريا على تحد واضح لقوانين الجاذبية. وفي الصيف الماضي أساءا السلوك ثانية، ولا أحد يعرف السبب. هل يعني هذا ان هناك عنصرا مفقودا في علم حركة الاجرام السماوية أو ما يعرف بالميكانيكا السماوية؟ اكتشف القمران في صور فوتوغرافية التقطتها مركبة ناسا الفضائية «فوياجرا - 1» أثناء عبورها أمام زحل قبل أكثر من عشرين عاما. ويدور القمران «برمومثيوس» و«باندورا» في المناطق الخارجية من منظومة حلقات زحل المثيرة، حيث يكملان دورتهما حول الكوكب كل 15 ساعة. ولم يحصل علماء الفلك من ذلك الاقتراب الوجيز لمركبة «فوياجر - 1» على ما يكفي من المعلومات لتعيين مداري القمرين، لكنهم لم ينتظروا طويلا حتى التقطت مركبة «فوياجر - 2» مجموعة أخرى من الصور في أغسطس عام 1981. وفي دراسة حركة برومثيوس وباندورا في الأشهر التسعة بين الرحلتين الفضائيتين، استطاع الفلكيون حساب مداريهما، واستنادا الى هذا، كان بمقدور العلماء التنبؤ بموقع القمرين في أي وقت في المستقبل. أو هكذا افترضوا. وطيلة 14 عاما لم يحدث شيء. ولم يتعمد العلماء رصد القمرين ثانية أو التأكد من صحة تنبؤاتهم. إذ ليس هناك أي ما يدعو للشك في أن شيئا ما قد يخرج عن قواعد الميكانيكا السماوية الموثقة والثابتة. ثم بعد ذلك في ربيع 1995، قام فريق تقوده أماندا بوش من مرصد «لاويك» في ولاية أريزونا برصد زحل وقمريه الصغيرين بواسطة تلسكوب هابل الفضائي خلال فترة وجيزة كانت تبدو فيها حلقات زحل بوضوح كبير.وتبين ان قمر باندروا كان موجودا بالضبط في المكان الذي يفترض ان يكون فيه بحسابات علم الحركة، لكن برومثيوس كان متأخرا 19 درجة مئوية وراء موقعه المفترض. وبدا واضحا ان القمر قد بطأ من سرعته منذ الثمانينيات، وهو ما يقتضي ضمنا انه قد انجرف مبتعدا قليلا عن كوكبه. وكان هذا النبأ بمثابة صدمة كبيرة للفلكيين. فقمرا «برومثيوس» و«باندورا» صغيران بمقاييس الاجرام السماوية التابعة، لكنهما بالمقاييس الارضية يقارنا بحجم ايرلندا الشمالية وولاية كونيكتكت الامريكية، ولا بد ان وزنهما يصل الى مليارات الاطنان. إذ ما الذي يمكن ان يكون قد دفع احدهما مسافة عشرات آلاف الكيلومترات عن مكانه؟ أحد التفسيرات المحتملة ان يكون برومثيوس قد صدم بمذنب أو كويكب سيار صغير. لكن هذا الاحتمال مستبعد كثيرا. وواقعيا، فإن القوة الوحيدة الشديدة بما يكفي لاحداث مثل هذا التأثير هي قوة الجاذبية. لكن جاذبية ماذا؟ ظن الباحثون النظريون انهم وضعوا في حسبانهم كل شيء لكنهم الآن مضطرون للتفكير في تفسيرات جديدة للتباطؤ في حركة رومثيوس. كان احد هذه التفسيرات ان هناك قمرا غير مكتشف في مدار برومثيوس نفسه، يؤثر على مداره. لكن للحصول على هذا التأثير لابد ان يكون القمر الاضافي كبيرا نوعا ما، وكان يجب ان ترصده مركبتا «فوياجر» لو كان موجودا فعلا. وجاء التفسير المحتمل الثاني من كارل موراي من جامعة لندن والذي قال ان برومثيوس ربما يتفاعل مع جاذبية احدى حلقات زحل. إذ ان مداره ملاصق للحلقة «إف» التي هي عبارة عن سيل من الانقاض يدور حول زحل في دائرة خارجية قليلا عن منظومة الحلقات الرئيسية. وكانت الطريقة الوحيدة لاختبار هذه الفكرة هي مراقبة القمر المشاغب عن كثب. واستخدم فلكيون امريكيون تلسكوب هابل مرة اخرى لابقاء القمر تحت المراقبة. وعندما قام كولين مكجي من جامعة كورنيل في نيويورك بتحليل بيانات هابل عام 1997 أملا في حل اللغز المحير، تفاجأ بلغز آخر، حين تأكد ان باندورا كان يسيء السلوك هو الآخر. واكتشف ان هذا القمر التابع الصغير ينحرف مبتعدا عن موقعه بمقدار درجة واحدة كل 633 يوما، قبل ان يتباطأ مجددا وينحرف عائدا الى مكانه. اختلط الامر على الفلكيين الذين ذهلوا بما يكتشفونه من شذوذ في حركة القمرين في كل مرة ينكبون على دراستهما. ولو خرجت الانباء للصحافة حينها لكان العنوان المرشح هو «اثبات خطأ قوانين نيوتن» لكن النتائج المريعة كانت تناقش فقط في المؤتمرات ولم تنشر أبدا. وكان ريتشارد فرنش وزملاؤه في جامعة ويلسكي الامريكية يخططون لنشرها في شهر سبتمبر الماضي، لكن عندما كشفت صور هابل عن تطور مبهم آخر. إذ يبدو ان برومثيوس وباندورا غيرا سرعتيهما ثانية أمام أعين الفلكيين. حيث ازداد بعد برومثيوس عن زحل بضعة مئات الأمتار، فيما تقلص مدار باندورا بنفس المقدار تقريبا. ووقف العلماء عاجزين تماما عن تفسير ما يحدث وكأنهم أمام مجاهل لم تستكشف من قبل. وبارقة الامل الوحيدة جاءت مؤخرا من التمثيلات الحاسوبية في مركز «بولدر» حيث لاحظ الباحثان دونز وهال ليفيسون ان هناك وثبات فجائية بين الفينة والاخرى في نصف قطر مدار باندورا الافتراضي. وهما يعتقدان ان ذلك لان باندورا يدخل في حالة رنين مداري مع اقمار اخرى فضلا عن قمر ميماس. وهذا يجعل سلوكه شاذا في بعض الاحيان. لكن بالنسبة لقمر برومثيوس يعتقد موري ان الحلقة «رف» تلعب دورا، خصوصا في ضوء ما تبين من انها تضم أجساما شاردة اكبر بكثير من الصخور التي تشكل الحلقة الضيقة المرئية. إذا حتى الآن لا يزال اللغز قائما، واذا لم يحل خلال العامين المقبلين، ستكون مركبة ناسا «كاسيني» جاهزة للقيام بالعمل. ستصل المركبة الى مدار زحل في عام وستقوم بمسح منطقة الحلقة «اف» مرات عديدة، لتحدد بدقة غير مسبوقة موقعي القمرين ولتبحث عن أية أجسام صغيرة شاردة عن الحلقة اف في جوار «برومثيوس»