بيان الكتب: يندرج هذا الكتاب ضمن تلك النوعية من الكتب التي نفضل أن نطلق عليها كتب «التيك أواي»، وهي تلك الكتب سريعة الاعداد سريعة القراءة.. والتي قد لا يغني بعضها أو يسمن من جوع. يتناول هذا الكتاب القضية الافغانية من خلال رحلة صحفية قام بها مؤلفه محمد الهادي الحناشي مراسل صحيفة «الزمان» التي تصدر في لندن، وهي فرصة يراها مناسبة لتقديم صورة متكاملة عن حكم طالبان ما قبل السقوط. وبلغة وصفية يقدم لنا الحناشي فكرة شاملة عن التاريخ الافغاني مستعرضا محطات فاصلة في هذا التاريخ خلال القرن العشرين حتى يصل الى مرحلة وصول طالبان الى الحكم وبدايات ارتباطها بأسامة بن لادن. وفي هذا الاطار يقدم لنا ايضا البدايات الاولى لارتباط بن لادن نفسه بالجهاد الافغاني. ويتبع المؤلف هذا الجانب السردي للقضية الافغانية والذي يقدمه في نحو 38 صفحة من الكتاب، مجموعة لقاءات صحفية اجراها مع عدد من قادة طالبان والمتابعين عن قرب لهذه القضية من الجانب الباكستاني. ولا نتجاوز الحقيقة اذا قلنا ان الكتاب (مع تقديرنا لجهد المؤلف)، لا يقدم لنا الكثير عن القضية الافغانية خاصة ان صدور الكتاب يأتي بعد فترة كان الشأن الافغاني فيها شأنا كونيا ازاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على طالبان.. فقد كان العالم كله يصحو وينام على أخبار الحرب والتحليلات المختلفة التي تبارت وسائل الاعلام المختلفة في تقديمها في اطار متابعتها للحرب. فحسبما يشير المؤلف في سياق تقديمه لموضوعه جاء ظهور طالبان وسط صراع المجاهدين.. وبدأ دورهم يبرز من خلال تذمرهم على الفساد السائد، وقد غضت واشنطن البصر عن ظهور الحركة وتناميها حيث أبدت رضا وقبولا للحركة في بداياتها، غير ان تطورات السنوات الماضية أدت الى انتهاء شهر العسل بين امريكا وطالبان والذي لم يدم طويلا بسبب مواقف أسامة بن لادن. غير ان الغريب هنا ان المؤلف في اطار حواره مع رئيس الاستخبارات الباكستانية الاسبق عبدالحميد غول (أو قل كما يذكر المؤلف) والذي يطلق عليه الاب الروحي لطالبان لم يتوقف عند ما ذكره غول من وجود مخاوف لدى باكستان من ان تكون الحركة ضيفة امريكية، وكأن باكستان كانت بعيدة عن ظروف النشأة! ثم يشير الى احد الملامح الاساسية للتركيبة الافغانية وهي التنوع العرقي والثقافي والذي يجعله أشبه بالفسيفساء.. وان كانت العقيدة الاسلامية التي تعتنقها الاغلبية الساحقة قد صهرت هذا التنوع (الى حد ما طبعا وليس تماما). ثم يتطرق الى جانب من فكر وممارسات طالبان مؤكدا ان هذه الممارسات وتفسيرها للشريعة الاسلامية اثار جدلا واسعا في الاوساط الدولية. وهي بحق ممارسات يجد حتى المرء المسلم صعوبة في تقبلها.. وقد تعرض المؤلف لأحد هذه الممارسات حين أوقفه جماعة من وزارة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وكاد ان يتم توقيفه بسبب عدم اطالته لحيته! رغم انه ضيف على البلاد. اما التلفزيون فهو لا يعمل.. فيما استقالت السينما من وظيفتها خلال حكم طالبان.. والموسيقى مزمار الشيطان وهو المصطلح الشرعي للموسيقى اما الصحافة فهي تتمثل في خمس صحف ما بين يومية واسبوعية وكل اسبوعين يتم طباعتها بآلات طباعة تعودالى ايام ظاهر شاه وسط ظروف رقابة مشددة طبعا، والشطرنج جريمة يعاقب عليها القانون، ومن المؤسف ان يكون المقصد من هذه الاوضاع اقامة نظام اسلامي مئة في المئة حسبما يقول الملا محمد عمر في احد حواراته التي عرض لها المؤلف في كتابه ازاء عدم امكانه مقابلة الملا. ومما يجب الاشارة اليه في هذا الصدد ان معظم الحوارات التي اجراها المؤلف ونشرها ضمن الكتاب تقع خارج الزمان.. الزمان الحقيقي وليس الصحيفة التي يعمل بها المؤلف.. فهي تصلح كأرشيف توثيقي لباحثين حول الموضوع وليس قراء عاديين يهمهم متابعة الجديد في قضية مازالت تفرض وجودها.. ومن ذلك مثلا سؤال وجهه المؤلف لنائب وزير الداخلية في حكومة طالبان يقول: كيف تصف الوضع الامني في المناطق التي يسيطر عليها الطلبة؟! يبقى مع ذلك ضرورة الاشارة الى ما أورده المؤلف في بداية كتابه حول الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد طالبان.. من ان الرسائل التي وجهها بن لادن توافرت على لغة حربية مما استدعى ان تقوم الاجهزة الامريكية بايلاء عناية خاصة لتحليل تلك الرسائل وفك رموزها.. وهو ما يعكس تبني المؤلف لهذا التوجه والذي لا يخفى ما فيه من تبسيط امريكي مخل كان ينبغي ان ينأى المؤلف بنفسه عنه. وما يمكن قوله في ختام هذا العرض بالمناقشة للكتاب هو انه كان يمكن للمؤلف ان يقدم كتابه في شكل افضل اذا ما «تعب» بعض الشيء على متابعة موضوعه وتقديمه في شكل تحليلي يتابع من خلاله القضية الافغانية معتبرا ان مادة الحوارات اساس في التناول دون ان تكون الوحيدة. مصطفى عبدالرازق