منذ بداياته في الثمانينيات وحتى اليوم مازال الفنان القدير بسام كوسا يفاجئنا بين الحين والآخر بتجربة ابداعية من نوع جديد، تزيدنا معرفة بعالمه الداخلي الشفيف المنحاز دائما لمعاني النبالة الانسانية، أينما وجدت، وها هو اليوم يقودنا الى غمار تجربته الأولى في عالم الاخراج المسرحي مع عرضه «عشاء الوداع» الذي يقدم حاليا على مسرح راميتا بدمشق ضمن عروض فرقة أداد الخاصة التي استأنفت نشاطها بهذا العرض بعد غياب دام حوالي العام. على مسار ملتبس ما بين ما يمكن أن نقوله للحبيب وما يمكن أن نسلك اتجاهه بنى بسام تفاصيل عرضه، وعلى خلاف ما عودتنا عليه الأعمال الدرامية العربية المرئية التي غالبا ما تتناول العلاقات العشقية في اطارها الشرعي اجتماعيا، أي داخل المؤسسة الزوجية، فان بسام تناول موضوعه من خارج هذه المؤسسة، ليكون أكثر جرأة وأكثر ملامسة للحقيقة، وأكثر قربا من السلوك البشري الذي قولبته الأعراف والتقاليد والمحظورات الاجتماعية، فبات يحمل في تعبيراته الكثير من الرياء والزيف النابعين عن ازدواجيات وتناقضات نفسية وذهنية راكمها الصراع ما بين الوعي والأنا الأعلى واللاوعي في معركة التدجين والقولبة، وقد تكون المنطقة الأكثر كشفا لهذه الصراعات والتناقضات هي منطقة العواطف الانسانية والعلاقة بالجنس الآخر، حيث تتساقط الأقنعة التي نضعها ونريد للآخر أن يعرفنا من خلالها تباعا، فتتكشف جليا المفارقات ما بين الظاهر والباطن، التي نخفيها جيدا في أعماقنا، وفي هذه المنطقة وعلى امتداد هذه المسافة الجارحة انسانيا تراكمت تفاصيل «العشاء الأخير». نص العرض من تأليف الكاتب الألماني آرثر شنيتزلر قام بترجمته الى العربية د. نبيل الحفار، وهو نص ذو بنية مركبة تنهض على مؤثرات وتحولات نفسية بالدرجة الأولى تخص شخوصه، بمعنى أنه ليس نص أحداث ولا شخصيات وانما حالة من التحولات الداخلية تساهم في بلورتها أفعال وردود أفعال شخصيات العرض، والحالة المقترحة هنا هي الرغبة في انهاء علاقة عاطفية والاعتراف بوجود شخص آخر بشكل حضاري ومهذب لا يخلف وراءه جروحا أو صدمات، ولحظة التحول الدرامي تبدأ حين يفاجأ الشخص الراغب بالاعتراف والتخلي بأن شريكه يبادر قبله بنفس الرغبة ونفس المبررات، وبدل من أن تنتهي الأمور كما هو مقرر لها، يبدأ سيل من السلوكات الغريبة والأقوال المعيبة التي يتبادل من خلالها الطرفان الاتهامات والسباب التقط المخرج الحالة في لحظة التحضير للمكاشفة والوداع، ولكي يعمم موضوعه يجعله يسير على خطين متوازيين فثمة رجل أعمال شهير «فايز قزق» يريد ان ينهي علاقته بالنجمة المسرحية المشهورة «هيمي اسماعيل» لأنه بدأ علاقة جديدة مع مغنية صاعدة، في الخط الآخر ثمة امرأة ثرية «مانيا نبواني» تريد انهاء علاقتها بالمحامي «قاسم ملحو » لأنها عقدت علاقة جديدة بشاب وسيم وفقير، ويبدأ العرض بالتحضير لعشاء الوداع الذي يرتبه كل من الرجل والمرأة على حدة، بوجود صديق الرجل «باسل خياط» وصديقة المرأة «وفاء موصللي» اللذين من المفترض أن يساهما في تسهيل لحظة البوح والمكاشفة المرتقبة، ويسير العرض بالتوازي ما بين هذين الخطين بحسب الترتيبات الأولية التي يتم الكشف عنها منذ اللحظات الأولى، لكن المفاجأة والتغيير يطرآن على سلوك الرجل والمرأة حين يبادر الشركاء أولا في البوح بوجود طرف آخر والرغبة في النهاية، فتنقلب الصورة رأسا على عقب ويبدو الطرف الذي كان يستعد للنهاية مخدوعا ومجروحا ومتمسكا بالآخر، وتبدأ المشادات الكلامية العصبية والنزقة، التي تلغي تاريخا من الوعود المتحضرة والسلوك اللبق بأن علاقة كهذه ستظل مستمرة دون أية التزامات الى أن تستنفد مبررات وجودها، أو يدخل شخص آخر الى الحياة، وفي ظل هذا التركيب ركز المخرج على ما هو عام ومشترك في العلاقات البشرية، وجعل شخوصه ينطقون باللهجة المحلية الدارجة، وجعلهم يتشبعون بسلوكات يومية مألوفة بحيث ألغى أية حواجز نفسية بين بيئة النص وبيئة العرض وجمهوره الفضاء المسرحي الذي صممه الفنان أحمد معلا هو عبارة عن غرفة استقبال مقسومة الى مكانين منفصلين، منزل الرجل ومنزل المرأة، وأدوات الفصل هي مائدتا الطعام اللتان تتصدران المنطقة الأمامية من الخشبة، واللتان يتوزع عليهما أطباق المحار والنبيذ والشموع، وكأنهما تؤكدان المقولة «الطريق الى القلب يمر عبر المعدة»، والفضاء بشقيه المذكر والمؤنث فضاء أنيق ويوحي بوضع اجتماعي مرفه لكلا الشخصين، وهنا لعبت الاضاءة دور الفصل بين المنطقتين في الجزء الأول من العرض، وكان الكلام يكرر نفسه مرة على لسان الرجل وأخرى على لسان المرأة، ثم تدريجيا بدأ المشهدان يندمجان في بوتقة واحدة، وبدأت الحوارات تتواصل وتتكامل بين شخصيات الخطين دون إلغاء الفصل بينهما رغم التوظيفات الدقيقة والأنيقة لعناصر العرض المسرحي من فضاء واضاءة وموسيقى، والحلول التي ابتكرها المخرج في عمله، ظل الممثل هاجسه الأساس والرافعة الأم التي نضجت وتبلورت في ظلها ترسيمات الحالة ومقولتها، وهذا طبيعي فثمة ممثلون قديرون وأكفاء يقودهم ممثل قدير، وهكذا استطاعوا جميعا ان يقدموا شخصيات استثنائية في ملامحها وتعبيراتها السلوكية والكلامية، شخصيات ممسوكة ومشغولة بإتقان المحترف وشغف العاشق، ساهم على بلورتها مبدأ الارتجال، حيث تتاح للممثل حرية أكبر في رسم معالم دوره، وللمخرج مجال أوسع في ضبط الأداء وفق السياقات والتصورات التي يريدها، ونخص بالذكر هنا الثلاثي فايز وقاسم وباسل في شخصية المثقف المدعي، كذلك فان الخط الملتبس الذي سارت عليه بنية النص ساهم برسم ملامح كوميدية محببة لشخوصه، نبعت من تضاعيف الحالة المقترحة ودواخل الشخصيات وصراعاتها الباطنية، وقد تميز الأداء بايقاع صارم رسم بيانات صعوده على أساس من توازن الحركة والسكون، وجاءت التعبيرات استعراضية منمطة ومقولبة ومبالغ فيها، بحيث أثارت تداعيات وصورا لمواقف وشخصيات وأحداث حقيقية مرت في حياتنا، وفتحت قوس السؤال عن جدوى ادعاءاتنا والأقنعة التي نضعها والزيف الذي يغلف حضورنا وعلاقاتنا! دمشق ـ تهامة الجندي