جاء الشريط السينمائي الطويل الجديد «نغم الناعورة» للمخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار بعيدا عن جدران المدينة العتيقة وعراء الأجساد المجاني والإباحية المبالغ فيها واللوحات الفولكلورية، إذ يبدو ان المخرج الذي يمتلك تجربة سينمائية لها حضور قوي، في تاريخ السينما التونسية والذي إختار الصمت السينمائي على إمتداد أكثر من عقدين إبتداء من سنة 1980 تاريخ إخراجه لشريطه «عزيزة» إلى شريطه الحالي، انه كان يتابع عن قرب الحركة السينمائية طيلة هذه المدة التي تميزت بظهور عدد مهم من المخرجين والمخرجات الذين أنجزوا كما كبيرا من الأفلام الطويلة كان القاسم المشترك بين أغلبها النظرة الفولكلورية والإستشراقية للواقع التونسي وإنسانه، ويبرر المخرجون إنسياقهم وراء هذه الظاهرة بالحصول على التمويلات الأجنبية وخاصة الفرنسية. وهذا الشريط رغم تمويله الأجنبي لم يقع كليا تحت طائلة التأثيرات الخارجية، بل تجاوز السلبيات التي وسمت السينما التونسية وخاصة خلال فترة التسعينيات، وطرح رؤية جديدة ومختلفة جذريا مع السائد في تناوله لأنماط حياة الإنسان في تونس. على خلاف جل الأفلام التونسية إنطلق «نغم الناعورة» والناعورة هي التسمية الشعبية لطواحين الريح - من طرح فكري عميق حول الهوية بين البطلين اللذين ينتميان لجيلين مختلفين: الأول ويمثله شاب في أواخر العقد الثاني إسمه محمد والثاني يمثله علي العائد للتو من الولايات المتحدة الامريكية وهو كهل في العقد الخامس من عمره والإثنان إلتقيا في مقبرة، محمد جاء مودعا والده وهو يستعد للهجرة وعلي جاء يزور والدته قادما من هجرته الطويلة. إن المخرج إختار من البداية تقديم أبطاله تقديما فكريا فهو قتل الأب لدى الشاب (الذي هو رمز الشباب والمستقبل) وفي ذلك إيحاء بالقدرة على التجاوز والبحث والسؤال، وقتل الأم لدى الكهل (الجيل السابق والماضي) وذلك محو كلي للهوية بما أن الأم رمز لها وللخصوبة والاستمرار. وحتى البطلة زينب يقدمها لنا وهي تستقبل اول أيامها الطلاق أي ما معناه بأنها حرة من قيود الانتماء، وعلى هذا التقاطع في الطرح الفكري وما يتضمنه من دلالات اجتماعية وسياسية ووجودية ينبني الشريط في إطار متكامل حافظ على أسس العمل السينمائي الفنية والتقنية والجمالية من أجل خلق فرجة راقية وشيقة. فالشريط يحكي عن علاقة إنبنت على الصدفة بين ثلاث أشخاص وهم علي ومحمد وزينب من ظروف مختلفة، ثلاثتهم إلتقوا صدفة: فكما إلتقى علي بمحمد في المقبرة صدفة إلتقت زينب بمحمد صدفة بعد أن فرقت بينهما الظروف وهما في ذروة علاقة حبهما لبعض. ويلتقي الثلاثة في سيارة أمريكية فاخرة ليشتركوا في القيام برحلة مختلفة الأهداف، فعلي يتجه إلى الجنوب للإلتقاء بأخته، وأحمد للالتحاق بصديق له للحصول على المال، وزينب إختارت مصاحبته في رحلته، كلهم إشتركوا في رحلة الطريق إليها واحدة لكن الحالات متعددة والأحلام مختلفة والأقدار متباينة والمحطات متقاطعة .. وفي النهاية يصلون إلى المتلوي القرية المنجمية أين يقيم المولدي صحبة زوجته زهرة التي هي أخت علي المدرس والمثقف المتمسك بالقيم الإنسانية والفنية النبيلة. وفي المتلوي رمز النضال الذي قادته طبقة عمال المناجم خلال الاستعمار في هذه المدينة التي تستحم ليلا نهارا في غبار المناجم والمشرعة على كافة الاتجاهات والمحافظة على الأصالة والتي تحتمي بقيمها ومبادئها، اخذت الحكاية إتجاها حمل الأحداث في طريق الواقعية البسيطة البعيدة على كل أشكال التعقيد والمبالغات الخيالية، فعلي الذي عمل على محو أخطائه قبل الهجرة تقاذفته هذه الأخطاء وألقت به إلى أخطاء أخرى نتيجة إنتهازيته التي توطدت في «امريكا» إلا انه في النهاية عوقب حد الموت بسبب الخطأ الوحيد الذي لم يرتكبه، وكان عقابه قاسيا قساوة تخليه عن مبادئ جيله وأخلاقهم، كان يموت في اللحظة التي إنبعث فيها حب محمد وزينب من جديد أنقى وأعمق لتنتهي الحكاية مثلما بدأت ولكن بشكل آخر. فالأفكار لم تعد وحيدة بل إغتسلت في نهر التجربة وتجففت بشمس المبادئ.. لذا فإن وجهتها صارت واضحة جدا.. جدا وهي تمضي نحو المستقبل، إن المخرج إنتصر للمستقبل على الماضي فرغم ما في الماضي من جمال وخيانة أيضا فإنه فضل عليه المستقبل لما فيه من وفاء للأحاسيس وإستعادة للمبادئ والجمال.. للحياة ككل. وقد إستغل المخرج بشكل فني رائع بين الرحلة التي كانت في سيارة أمريكية مكشوفة ليكشف عن جمال الطبيعة التونسية من الشمال إلى الجنوب بطريقة حميمية جعلت من المكان بطلا يضاف إلى أبطال الفيلم بما ان التعامل معه كان وفق تصور فكري شامل جعل منه عنصرا أساسيا لا غنى عنه ولا علاقة له - على الأقل فنيا - بالمنطق السياحي، بل كان مبنيا على تفاعل إنساني بحت. ويعد هذا الشريط إضافة واعية ومهمة للسينما التونسية والعربية ومن الظلم التعامل معه كشريط تونسي لأنه قدم سينما تستجيب لشروط السينما على جميع المستويات والإضافة التي حققها لم تقتصر على المضمون بل تجاوزته إلى الشكل وما بينهما أي الموسيقى فهي كانت من أجمل المكونات التي بإلتقائها أنجز «نغم الناعورة»، لقد أضفت على الفيلم هالة من البهاء والشفافية، ومع ذلك فإن الشريط لم يخلو من بعض النقائص أهمها ضعف تمثيل الممثل هشام رستم الذي أدى دور «علي» بما انه تعامل معه بسطحية بارزة ولم يقدم أية إضافة للدور فظهر كما يظهر في الأفلام الأخرى التي مثل فيها، يضاف إلى ذلك ضعف السيناريو في بعض المشاهد ويحسب للمخرج إبتكاره للغة يقدر المواطن العربي أين كان على فهمها وبالتالي تجاوز مسألة صعوبة فهم اللهجة التونسية. وقد إستقبل النقاد والسينمائيون في تونس الشريط بإحتفاء كبير وأثنوا عليه كثيرا لما تضمنه من تغاير مع ما سبقه، وبما أن مخرجه ممن عرفوا بسعيهم إلى الإضافة والتجديد والتطوير مما جعل كل عمل سينمائي ينجزه يعتبر محطة مهمة في تاريخ السينما التونسية، إلا أن الفيلم لم ينجح جماهيريا لعدة أسباب منها أنه خرج إلى قاعات السينما في ظرف عربي مؤلم، كما أن الجمهور لم يعتد من مخرج تونسي هذه النوعية الجادة من الأفلام، ومع ذلك فإننا نرشح هذا الفيلم للحصول على الجائزة الكبرى في الدورة المقبلة من مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» التي ستنعقد في خريف 2002 بتونس. تونس ـ كارم الشريف