مؤلف كتاب «الموازنة» بين شعر أبي تمام والبحتري» هو الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة 370 هـ والذي يعتبره الكثيرون ذروة النقد في الأدب العربي. وقد قامت شهرة «الآمدي» على اهتمامه بالنقد وكثرة تآليفه، فقد وضع أكثر من اربعة عشر كتابا في النقد والأدب مثل: «المؤلف والمختلف في تراجم الشعراء»، «نثر المنظوم»، الفرق ما بين الخاص والمشترك في معاني الشعر»، «تفضيل شعر امريء القيس على الجاهليين» ، «معاني شعر البحتري»، «تفسير الغامض من شعر أبي تمام» و«الموازنة». وهذا كله يدل على عناية الآمدي بالشعر وبأبرز أعلامه حيث اعتبر كتابه «الموازنة» قمة الحركة النقدية التي نشأت حول مذهب أبي تمام والبحتري في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. وقد جاء كتابه هذا جامعا لآراء القدماء من نقاد القرن الثالث وقسم كبير من نقاد القرن الرابع الهجريين، مضافا اليها ما قاله هو وما كان يدور في المجالس الأدبية والمحافل النقدية التي كانت تتناول قضية الصراع بين الشعر القديم والمحدث. يذكر كتاب «معجم الأدباء» ان عدد أجزاء كتاب «الموازنة» عشرة، والآمدي نفسه يشير الى هذه الأجزاء، حيث تناول المؤلف في كل جزء ظاهرة نقدية وألحق به مختارات من شعر البحتري وأبي تمام مرتبة على حروف المعجم. وقد جاء الكتاب تلبية علمية وحاجة ملحّة سببها ذلك الصراع الدائر بين الفريقين المتطرفين وممثليهما، وهما أولاً: البحتري الذي كان اعرابي الشعر مطبوعاً وعلى مذهب الأوائل، ولم يفارق عمود الشعر المعروف، متجنبا التعقيد والفحوص، وثانيا: أبو تمام الذي كان شديد التكلف، صاحب صنعة وشعره لا يشبه الأوائل، ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولّدة. وكان السؤال المطروح: أي الشاعرين أشعر.. «البحتري» أم «أبوتمام»؟. ولم يندفع الآمدي للاجابة السريعة والحكم النهائي، بل كان يحترم رأيه وحكمه وقارئه، حيث أراد ان يكون عمله نوعا من المقارنة والموازنة، ثم يترك لصاحب الذوق السليم الحكم على الشاعرين. ولهذا بدأ الآمدي بعرض حجم الفريقين المتخاصمين دون ان يكون هو طرفا من أطراف الخصومة، وإنما هو راصد فحسب للحركتين الشعرية والنقدية اللتين نشأتا حول الشعر المحدث والتقليدي. وقد وعد الآمدي بأن خطته ستتناول أربع قضايا هي: 1ـ ذكر المساويء للانتهاء الى ذكر المحاسن. 2ـ الموازنة التفصيلية بين الشاعرين. 3ـ التشبيهات والأمثال في شعريهما. 4ـ مختارات من شعرهما مرتبة حسب حروف المعجم. بيد ان الآمدي لم يف عمليا بالمنهج الذي وعد به بعد ان خاض غمار الجانب التطبيقي في نقده، ووجد ان العنصرين الأوليين هما الأهم في العملية النقدية فاكتفى بهما. ولقد بدأ الآمدي بذكر مساويء كل من الشاعرين ومحاسنهما، وأقام الموازنة بين معنى ومعنى ليكتفي بالمفاضلة الجزئية والحكم على أيهما أشعر في هذا المعنى بذاته، أما المفاضلة الكلية والحكم النهائي فيتركه للقاريء بعد ان وضع يديه على كل مقومات الموازنة الصحيحة. وقد استطاع الآمدي ان ينتزع ما في ديوان الشاعرين من المعاني المتشابهة ويقيم عليها الموازنة. ولم يكن الآمدي يكتفي بعرض العناصر الأولية للمعاني، بل كان يلجأ الى شرح المعنى وتفسير غريب اللغة، بل انه كثيرا ما كان يخرج بالمعنى الواحد من موازنات فرعية الى موازنات بين أحدهما والشعراء القدماء أو المعاصرين لهما. ولعل ما كتبه الآمدي يعد من أجمل ما تضمنه النقد العربي وبخاصة انه كان اللبنة الأولى في تكوين ملكة النقد والاستعداد النظري لتلقي العلوم وغير ذلك. وقد قام بتحليل القصيدة الى عدة أغراض شعرية وكل غرض الى مجموعة من المعاني الجزئية، وهذا المعنى الجزئي هو الوحدة التي يبحث عنها «الآمدي» ليتخذها موضوع الموازنة، ويقارن مع مثيلها من شعر الشاعر الآخر. فمثلاً أخذ موضوع «الوقوف على الأطلال» باعتباره أحد موضوعات القصيدة العربية، فحلله الى وحداته الجزئية، ذكر الوقوف على الديار والآثار، ووصف الأطلال، والسلام عليها، والدعاء لها بالسقيا، والبكاء فيها، وما فيها من الوحش، حيث كان الانصاف هدفه، فإذا رأى ان أبا تمام أجاد في هذا المعنى، سجل له هذه الاجادة، وإذا ظهر له تفوق البحتري اعترف له بهذا التفوق. ومن الواضح ان هذا المنهج الذي اتبعه الآمدي في موازنته هو من أدق المناهج وأعدلها وهو أقرب ما يمكن أن يتصور من الانصاف. إعداد ـ محمد سطام الفهد