بيان الكتب: عاد آستورياس حاملا مخطوطة روايته «السيد الرئيس» إلى بلده جواتيمالا الواقعة في أمريكا الوسطى سنة 1933، غير أن روايته لم ترَ النور إلا سنة 1946 عندما نشرها في المكسيك وذلك بسبب الأوضاع السياسية لبلاده المشهورة، بزراعة حب الهال. اعتلى الدكتاتور استرادا كابريرا السلطة سنة 1900، وظل يحكم جواتيمالا عشرين سنة بيد من حديد معتزلا في قصره، وكان مولد ميجل آستورياس قبل عام من ذلك أي سنة 1899، لذلك عاش آستورياس طفولة منغصة بذكريات الظلم والإضطهاد وأنهار الدم الأحمر، وقضى شبابه يناضل من خلال اتحاد الطلاب بالجامعة ومن خلال مساهمته في إنشاء الجامعة الشعبية من أجل وطن حر ينعم به الجميع بما فيهم الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، حيث أبدى آستورياس اهتماما بثقافتهم وآدابهم وإعجاباً بحضارتهم «حضارة المايا». حصل آستورياس على الدكتوراه في الحقوق سنة 1923 في رسالته الموسومة «المعضلات الاجتماعية للهنود» ، وعاش فترة من حياته لاجئاً سياسياً في بلد زوجه «بلانكا» الأرجنتين، وبعد نشر روايته «السيد الرئيس» سجن في الأرجنتين على الرغم من أن الرواية تتحدث عن دكتاتور مضى على موته أكثر من نصف قرن كان يحكم بلدا غير الأرجنتين. وعندما تبدلت الأحوال في بلاده وجاءت حكومة ديمقراطية عُين سفيراً لها في فرنسا سنة 1966، وفي السنة نفسها حاز آستورياس على جائزة لينين للسلام، كما حاز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1967. من أشهر أعمال آستورياس «أساطيرجواتيمالا» التي كتبها سنة 1930 خلال فترة إقامته في فرنسا والتي قدم لها الشاعر «بول فاليري» في طبعة 1931، وثلاثيته «العاصفة 1950، والبابا الأخضر 1954، وعيون المقبورين 1960». كما كتب رواية بِركة الشحاذ «الهاخاديتو» والتي ظلّ عبر أكثر من أربعين سنة «1920- 1961» من حياته يعود إليها بين الحين والآخر يضيف ويحذف ويجدد حتى صدرت فكانت إحدى روائع أدب أمريكا اللاتينية والتي ترجمها إلى العربية الدكتور سامي الدروبي. كما كتب رواية «امرأة خلاسية ما» 1965. وبعد أن نشر روايته «رجال القمح» تضاعفت مشاكله السياسية المضطربة مع قادة بلاده فترك البلاد وتوجه إلى فرنسا سنة 1962 وبقى هناك حتى وفاته سنة 1974. وفي روايته «السيد الرئيس» التي حازت على أفضل رواية أجنبية في فرنسا سنة 1952 تحدث آستورياس عن الظروف التي صاحبت انتخاب الرئيس «خورخة أويبكو» بمساندة الولايات المتحدة، فهي رواية سياسية ملحمية كما يقول عنها الناقد «كلود فيل» استاذ الأدب الاسباني في جامعة السوربون. تبدأ الرواية في الحديث عن الشحاذين الذين ينامون في«رواق الرب» القريب من الكاتدرائية بعد أن تدق أجراس الكنيسة «دنج دانج دونج..» يجمعهم الشقاء، ينامون متباعدين وواضعين كل ممتلكاتهم تحت رؤوسهم بعد أن يحصوا مكاسبهم ووجوههم نحو الحيطان دون أن ينسوا التسلح بقطع من الحجارة وصور من التعاويذ! كثيرو التشاجر والسباب، لا تربطهم مرحمة، يفضلون إطعام الكلاب على إغاثة جائع بينهم، يتنابزون بالألقاب، مشاكسون على الدوام حتى في نومهم، لا تخلو أوقاتهم من ضحكات وقهقهة.. سكير بنواح، وحبلى صماء بكماء تبكي من الخوف من ذلك الكائن المجهول الذي يتحرك في أحشائها، وخلاسي منحط يدعى فيودا، وأبله يبكي كلما نادى أحد اماه حتى صار سلوى للشحاذين ثم سلوى للمدينة التي تكبر كل حين، حتى صاح أحدهم في وجهه: ستتزوج أمك يوم الأحد المقبل أيها الأبله الصغير.. أمك العجوز..ها.. ها.. ها هذه جلّ حياتهم المثقلة بروائح العرق والبؤس، وفي الوقت الذي يهرشون مكان لدغات القمل في صمت يسمعون خطوات رجال الشرطة يذهبون هنا وهناك في الميدان القريب الذي تشوبه الظلمة وكأنهم أشباح مهمتها حراسة رئيس الجمهورية الذي يقولون أن لا أحد يعرف أين هو أو كيف ومتى ينام ؟ فقد كان أصدقاؤه يزعمون أنه لا ينام أبدا. ألقت الشرطة القبض على الشحاذ الأعمى الملقب «بالذبابة» وهو نصف مخلوق، جسد بلا ساقين وقادوه إلى السجن بفظاظة حتى ضاق بهم ذرعا وزعق في وجوههم : يا لها من لعبة قذرة أن تعاملونا هذه المعاملة وتجرونا بهذه الطريقة كيما تحظوا برضا الأمريكان. ولم يكترث أحد في فناء السجن الذي يضج بأهالي المسجونين بالشحاذ ولا بكلماته! كثيرون هنا ماتوا جوعا وعطشا، ناهيك عن الخوف والبرد فضلا عما كان ينتابهم من شعور بأنهم سيوضعون في قدور تغلي ليصنعوا منهم طلاءً للسيارات. وفيما بعد أحضروا الشحاذين تباعا وكانت التهمة جريمة «رواق الرب» التي ارتكبت في الليلة الفائتة بحق أحد كبار الجيش «الجنرال باراليس سونرينتي». أجمع الشحاذون على أن القاتل هو الأبله الذي رأوه بالأمس يقترف فعلته، ولكن الشرطة قالت إن القتلة هما : «الجنرال أيوسيبيو كاناليس، والمحامي قابيل كارفخال.» وبعدما أبدى الشحاذون صمتا جليديا من الدهشة عُلّقوا، واستدركوا أن القاتل ليس الأبله، إلا صاحبنا «الذبابة» أصر على أن القاتل هو الأبله، فدفع حياته ثمنا لذلك وألقيت جثته في عربة للقمامة. أما الآخرون فقد أطلق سراحهم! فر الأبله وانتهى به المطاف إلى مستودع القمامة وهو يهذي «أماه». واستدعى الرئيس مستشاره ذا الوجه الملائكي ميجل وقال له : لقد أصدرت السلطات المختصة أمرا بإلقاء القبض على ذلك الوغد الجنرال «أيوسيبيو كاناليس» ورغم أنه واحد من قتلة «باراليس سونرينتي» فإن الحكومة ترى من غير اللائق بها أن تضعه في السجن! ثم طلب منه أن يسّرب له خبر اعتقاله كحسنة منه ويساهم في هربه فورا! عاد الأبله بعد ثلاثة أيام إلى رواق الرب حيث كانت الشرطة السرية في انتظاره لتخلصه برصاصتين من داء الكَلَب، أطلقها عليه لوسيو فاسكيز دون اكتراث، وأفزعت أصوات الرصاصتين الأتراك المجاورين لرواق الرب والذين أدركوا من قبل دنو الخطر فحاولوا درءه بتبرعات سخية في ترميم الكاتدرائية وطلائها مع إضاءة المكان! أحضر ذو الوجه الملائكي مجموعة من الرجال بعد منتصف الليل لينهبوا بيت الجنرال كاناليس ساعة الصفر وليقوم رجال الشرطة السرية بواجبهم بينما يكتفي هو من هذه الغنيمة بكميلة. وحدث الهرج والمرج، هرب الجنرال كاناليس ونُهبت داره، أما كميلة فأصبحت كالطائر الذي وقع في الفخ، يرتجف جسدا وريشا، أخذها ذو الوجه الملائكي إلى لامسكوتا صاحبة الحانة المقابلة لمسكنها وبدل أن يستحوذ عليها هناك استحوذ عليه حبها فهجر خطته، ولما وجد أعمامها يوصدون أبوابهم في وجهها الواحد بعد الآخر إزداد تعاطفه معها وهو يراها تنهار وتمرض فتزوجها. أما المحامي كارفخال المتهم الثاني بجريمة رواق الرب فقد أُعطي إنطباعا ألا أحد ينصت إليه، وأن الحكم صدر سلفا، حتى إنهم لم يسلموا جثته إلى زوجته رغم توسلاتها. أصدر السيد الرئيس أوامره إلى مستشاره بالسفر إلى نيويورك في مهمة تتعلق بالمعارضة، أما مستشاره ذو الوجه الملائكي فرغم أنه كان يشعر بالقرف إلا أنه استمر يتصرف كالكلب المتمرن الذكي، السعيد بنصيبه من العظام والمُشبع بغريزة حب البقاء فابتسم كيما يخفي عداءه! خاصة وأنه يدرك أن هناك من يحيك المؤامرات ضده وفي مقدمتهم المدعي العام الذي يوغر صدر السيد الرئيس عليه بتقاريره. عندما وصل قطار ذي الوجه الملائكي إلى الميناء استقبله صديقه الميجور فارفان، وشعر بالسرور إذ يلتقي في هذه اللحظة الحاسمة من حياته بصديق سبق له هو أن أنقذ حياته. ولكن فارفان سرعان ما ألقى عليه القبض قائلا : إن ذلك بأمر السيد الرئيس، ثم جرده من كل ممتلكاته، حتى خاتم الزواج وسلمها إلى رجل خرج إليهما من الظلام له ملامح ذي الوجه الملائكي وكأنه نسخة أخرى منه وليحل محله في الباخرة! يئست كميلة من البحث عن زوجها الذي ترك لها طفلا ينمو في أحشائها، أما ذو الوجه الملائكي فلم يكتفوا بسجنه طويلا وفي مهانة، بل سرّبوا له خبر أن كميلة كاناليس أصبحت عشيقة السيد الرئيس! أما رواق الرب فهدموه!!